المسألة القومية…توظيف الدولة القطرية ضدها…وعدوان النظام المصري على حزب الله (الحلقة الثالثة)

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1873)

الحلقة الثالثة

استهداف القومية العربية!

رابط الحلقة الاولى:

https://kanaanonline.org/?p=1028

والثانية:

https://kanaanonline.org/?p=1032

ناقشت في الحلقة السابقة، وربما في أكثر من موضع في هذا الكتاب المسألة القومية من مدخل نظري اشتراكي، أو شيوعي، كما يحلو للبعض ويصر، وحاولت تبيان موقفي المحدد من هذه المسألة، كموقف عروبي من حيث الهوية والانتماء، كما حاولت توضيح أن الالتزام العروبي الوحدوي لا يتناقض مع الالتزام الفكري الإشتراكي إذا كنا نتحدث عن القومية الكامنة، قومية الطبقات الشعبية، وعن دور القوميات الخاضعة للاستعمار والاحتلال الداخلي في التحرر الوطني والاجتماعي. فالطبقات الشعبية إشتراكية بذاتها والاشتراكية لها. ومن هنا فالقومية الكامنة هي اشتراكية وهي في النهاية أممية بلا مواربة. هنا يعلو الوعي الاشتراكي أو يتخلف، هذا موضوع متعلق بالتطورات وبالوعي السياسي الطبقي عامة وبدور الحركات السياسية الممثلة للطبقات الشعبية…الخ.

اما تركيزي في هذه المسألة على مناقشة ونقد تنظيرات اشتراكية وشيوعية ويسارية ولا سيما في الغرب والشرق السابق، فذلك لأن منطلقي الفكري والنظري هو اشتراكي أو شيوعي بالمعنى الشامل وليس بمعنى التتبع الحرفي لما كتبه ماركس. ويهمني جداً في هذا السياق تبيان أن الأخطر من الانتماء إلى الفكر البرجوازي أينما نبت، هو الالتزام الحرفي النسخي لأطروحات اليسار بمعنى التبعية في التهام تحليلات وفتاوى الغير عن الوطن العربي، لا سيما حين لا يكون هذا الغير مطَّلعاً، فما بالك حينما يكون صهيونياً متخفياً!

لم أحاول التعرض لمواقف الاتجاهات الأخرى من المسألة القومية العربية حيث عالجتها في كتابي السابق ” دفاعاً عن دولة الوحدة وإفلاس الدولة القطرية” ولا سيما الاتجاهات البرجوازية الغربية والأكاديمية منها، لأنني أعتبرها عدوة لا تخفي عدائها، بل تمارسه، فلا جدال ولا حوار معها أو في تنظيراتها التي هي سياسية موجهة أكثر مما هي دراسات فكرية أو قراءات إمبريقية للواقع العربي، بينما اعتبر الاتجاهات الاشتراكية والشيوعية التي فشلت في تفهم الإشكالية القومية العربية، قد فشلت من مدخل الخلل والفقر النظري، والتورط في المركزانية الأوروبية وأحيانا في العنصرية. إنما هي لا تُعتبر عدوة من حيث المبدأ. أما اللبرالية الغربية فهي معادية والتصالح معها ليس مطروحاً. كما لم أتعرض للاتجاه الديني بشقيه السلفي والجهادي الثوري، فإن هذا الاتجاه، وخاصة الجهادي، ليس عدواً للمسألة القومية العربية بالطبيعة والفطرة والقرار المسبق كما هو موقف اللبرالية الغربية، والصهيونية بالطبع، وهذا ما يتضح مع تطورات السنوات الأخيرة حيث تبرز تيارات إسلامية تتفهم المسألة القومية وتتعاطى معها وتقترب من تبنيها.

إن كنت توفقت في إيصال ما أريد، فقد حاولت وسأبقى أحاول تبيان أن العدوين الرئيسيين للأمة العربية، وبالتالي للمشروع النهضوي العربي للطبقات الشعبية هما:

□ الأنظمة البرجوازية الغربية بإيديولوجيتها اللبرالية وبنظامها الراسمالي الاستقطابي، وأقصد بالأنظمة الطبقات الحاكمة/المالكة/والمؤدلجة، والصهيونية ضمنها بالطبع.

□ والأنظمة الرسمية العربية، التي ترفع شعار القومية بينما هي قطرية تماماً، وأقصد بها الطبقات الراسمالية الكمبرادرية/الحاكمة والمالكة/ والمؤدلَجة من المركز الرأسمالي الغربي. وفي هذا الموقف أفترق تماماً عن كثير من الكتَّاب العرب الذين يفترضون في الدولة القطرية شرعية ما وحتى مدخلاً، أو مقدمة لدولة الوحدة…الخ، غير متنبهين إلى أن هذه الدولة القطرية غدت حالة احتجاز لأي تقدم وحدوي. وقد يكون لبعض هؤلاء عذراً أن يد القمع قد تُطالهم إن هم اتخذوا مواقف واضحة بإثبات لا جدوى، بل خطورة الدولة القطرية، أو لأن دور نشر هنا أو هناك، تصر على ألاّ تكون هناك مواقف حادة من الأنظمة القطرية ربما لمقتضيات التسويق أو التساوق التحتي مع الأنظمة الحاكمة.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنه بين هذين العدوين تحالف مصيري ممثلاً ب: القطاع العام الراسمالي المعولم في الغرب الراسمالي وهو الذي يتسع اليوم تحت مسمى العشرين – بينما لا يزال المركز الثلاثي (الولايات المتحدة واروبا الغربية واليابان) هو قائده وسيده، وبين الكمبرادور في الوطن العربي. أما الكيان الصهيوني فموجود في مختلف ثنايا هذاالتحالف كما لو كان مادة لصقه وتلاحمه.

تراث التفكيك القومي على يد الدولة القطرية

لم يكن خافياً أن الدولة القطرية الأكثر اكتمالاً بل والمرشحة لتكون دولة عربية مركزية هي مصر. لكن النظام المصري بعد الناصرية أرسى نهجاً جديداً يطابق مصالح الكمبرادور في تبعيته للمركز الراسمالي الغربي، وذلك بقيادة أنور السادات الذي أعتبر حرب أكتوبر نهاية أو آخر الحروب مع الكيان الصهيوني. وبالتالي فكَّك نهائياً الموقف القومي للأنظمة الحاكمة، ودفعها باتجاه قطري مما يسمح لأي قطر عربي بعدم مساعدة أو التعاون أو الدعم لأي قطر آخر مجاور كالتزام قومي، وإنما بموجب مصلحة ما للطبقة الحاكمة. وكان المقصود الأول بهذا التخلي عن الإلتزام، بل الواجب القومي هي المقاومة الفلسطينية. ويعني هذا بالمعنى الجيو- سياسي أن الكيان الصهيوني هو قطر عادي كغيره من الأقطار العربية[1]، مما يعني أن المناطق المحتلة عام 1948 هي للمستوطنين اليهود. أما ما يدور في المناطق المحتلة عام 1967، فهو صراع “فلسطيني-إسرائيلي[2] وبالتالي بإمكان اي قطر عربي آخر أن لا يتدخل فيه، اي أن لا يقف لصالح الفلسطينيين. وبهذا المعنى يمكن توسيع المفهوم ليكون لكل نظام قطري أن يختار بأن يُناصر الكيان الصهيوني أو المقاومة الفلسطينية! هذا هو التطور الطبيعي للأمر، وهذا ما بدت ملامحه اثناء العدوان الصهيوني على لبنان (يوليو2006)، وما اتضح أكثر اثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة (دسيمبر 2008 ـ يناير 2009)، وانتهى جلياً في حملة النظام المصري ضد حزب الله في نيسان 2009.

ولو تخطينا المسألة الفلسطينية، لرأينا التطبيق الأخطر للانحصار القطري، والاعتداء على الموقف القومي في ما حصل عام 1991 حيث شاركت جيوش عربية في العدوان على العراق بحجة “تحرير الكويت”. وبغض النظر عن كون الكويت ومختلف القطريات العربية هي من تمفصلات سايكس- بيكو، وبغض النظر عن حجة أن الكويت دولة معترف بها في الأمم المتحدة، وبالطبع، فإن الأمم المتحدة أداة للكيان الصهيوني يفرض عليها عبر المركز الراسمالي ما يريد حتى دون أن تعترف به هذه الأمم رسمياً، بغض النظر عن كل هذا الجدل، ما الذي فعلته هذه الأنظمة حينما جرى احتلال العراق عام 2003 وهو دولة عضو في الأمم المتحدة، من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وعدة دول غربية، وإذا كان يحق للعدوان الأميركي أن يتم ضد العراق إذا امتلك اسلحة دمار شامل، غير المسموحة للأمم المقموعة، فما الذي تغير في مواقف الأنظمة العربية بعد أن ثبت كذب الادعاء الأميركي-الغربي؟ بل هناك عدة جهات تؤكد أن دولاً عربية شاركت في هذا العدوان سواء بفتح سمائها أو مطاراتها أو موانئها أو قنواتها المائية ناهيك عن توفير المعلومات المخابراتية للعدوان. وحينما اشتعلت الأزمة المالية-الاقتصادية التي أخذت تلفح وجه النظام الأميركي خاصة، وبدأت قبضته في التراخي عن العالم، هبت الدول القطرية العربية لمساعدته سواء بالهرولة للاعتراف بنظام بغداد الذي اقامه الاحتلال، أو بتقديم محتويات صناديقها السيادية لتوفير السيولة المالية لخطط الإنقاذ الأميركي لعُتاة راس المال هناك! هذا بدل أن تستغل هذا التراخي لصالح انتزاع تنازلات من نفس النظام الأميركي في فلسطين والعراق ولبنان…الخ. أما احتلال إثيوبيا، نيابة عن اميركا، للصومال، وما يدور في السودان، فقد تصرفت الأنظمة العربية معه كما لو انه عدوان يجري في القطب الشمالي.

ما أود التركيز عليه وإبانته هنا هو أن الدولة القطرية العربية عملت على تدمير المشترك القومي تدميراً منهجياً يتحدد ويتجلى في محاولة انتزاع الانتماء القومي العربي عند المواطن وحصره في حدود الدولة الدويلة الكيان القطري التابع ليس أكثر. ومن هنا هي عدوة منهجياً للمشروع القومي، وليست مجرد مخطئة في بعض سياساتها أو قراراتها.

وهنا بالتحديد، اي في فك الارتباط القومي بين المواطن العربي وفلسطين من جهة، وبين أي مواطن عربي في اي قطر، واي قطر آخر، يكون هنا تحديداً مشروع اغتيال الأمة العربية وتصفية مستقبل تطورها الوحدوي والتنموي والثقافي والاشتراكي بالطبع، وإبقائها مجرد تجمعات بشرية تتناسل تجزيئياً إلى ما لا نهاية لا سيما مع تنشيط النزعات الإثنية والجهوية والقومية والطائفية الموجودة في الوطن العربي.

في هذا المستوى بالتحديد يبرز خطر الموجة القومية الثالثة في حقبة الإمبريالية التي جوهرها تركيز المركز وتذرير المحيط، واستخدام النخب البرجوازية واللبرالية والثقافوية والأكاديمية المتخارجة كأدوات تفكيك للأمم وخاصة الأمة العربية بحجج حقوق الأقليات والحريات الدينية…الخ والتي في جوهرها ليست إلا استخدام الإمبريالية لنخب رجعية متواطئة ومستفيدة من التجزئة التي لا تنتهي.

هناك دراسات معمقة، ولا سيما في الأكاديميا البريطانية، تركز على أن الوطن العربي ولا سيما المشرق مكون من فسيسفساء متعددة الأصول، وهي دراسات الهدف منها حتى تفكيك القطر الواحد من داخله، ولعل برنارد لويس هو من أوائل من بدأوا هذال المشروع الأكاديمي المعادي.

كانت سوريا القطر العربي الأول الذي تم تفكيكه من الداخل في اعقاب سايكس- بيكو. ولا غرابة أن هذا التفكيك من الداخل لعب دوراً في أن الفكرة والنضال القوميين بدآ في سوريا قبل غيرها، وباشد من غيرها من الأقطار العربية.

وكل هذه الاستهدافات التجزيئية إنما مكرسة قبل اي شيء لخدمة الكيان الصهيوني، الذي يرى في الوحدة العربية بداية نهايته الفعلية والحقيقية. ولعل هذا يثير من جديد لماذا تقف التيارات الاشتراكية المتصهينة في الغرب بتشدد مقيت ضد وجود أمة عربية، بتشدد ضد القومية العربية أكثر من موقفها ضد اية قومية أخرى في العالم، مع ان الأمة العربية هي تحديداً التي تقع تحت استعمار واحتلال من الداخل والخارج.

لا بل إن تفكيك سوريا الكبرى من الداخل مقصود به اساساً ضمان حماية الكيان الصهيوني من دول الطوق أولاً. وهذا لا ينفي بالطبع كل ذلك العمل لتفكيك وتجزئة مختلف الأقطار العربية.

ينتهي هذا النهج، أو هذه الخطة من ناحية عملية إلى انعدام أية استراتيجية عربية ـأو أمن قومي عربي عام ومشترك. وهذا يعني أن مصطلحات من طراز، التضامن العربي، المبادرة العربية،أو مؤسسات مثل جامعة الدول العربية، السوق العربية المشتركة، لا معنى ولا دور حقيقي لها. والعكس هو الصحيح بمعنى أن الدولة القطرية أصبح لها دورها الوظيفي في المهام التالية:

□ التصالح مع الكيان الصهيوني بما يدمجه في الوطن العربي اندماجاً مهيمناً

□ خدمة مصالح المركز الراسمالي كل نظام داخل قطره بالذات

□ التخارج[3] اقتصادياً بما لا يسمح ولا يوجب خلق سوق قومي بما أن تحققه يدفع باتجاه الوحدة.


[1] كيف يمكن للدولة القطرية أن تكون ذات توجه قومي أو وحدوي وهي تعترف بالكيان الصهيوني على أرض عربية؟ وهي كذلك تعترف بالنظام الاحتلالي في العراق وقد فرضته قوات الاحتلال الأمريكي اساساً وتوابع هذا الاحتلال؟ فالمسألة القومية كاية مسألة اجتماعية اقتصادية ليست مجرد الشعارات ومقررات المؤتمرات بل هي المواقف العملية.

[2] إذا كانت حقبة العولمة قد شهدت احتلال البرجوازية للمصطلح الاشتراكي كما فعل البنك الدولي في أمور مثل التنمية المستدامة، فإن حقبة كامب ديفيد في الوطن العربي، وهي على اية حال مترافقة زمنياً مع حقبة العولمة، قد شهدت الانقلاب الرسمي العربي على المصطلح، فبدل الوحدة العربية تم تصميم شعار التضامن العربي، وبدل تحرير الأرض المحتلة هناك مصطلح السلام خيار استراتيجي، وبدل الصراع العربي الصهيوني، اصبح اسمه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي…الخ

[3] ما أقصده بالتخارج هنا هو وجود توجه وقرار وقناعة بالارتباط بالخارج بعيدا عن الواقع المحلي (القومي). وعليه، يفتقر قرار وتصرف السياسي او الاقتصادي أو المثقف المتخارجين للانتماء لمجتمعهم بل يكون القرار والتوجه مرتبطين بالاجنبي او بقوى خارج البلد.