ما هي المسألة الاساسية في ” الماركسية ” ؟

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1873)

□ الماركسية تضع شروط تجاوزها بنفسها، بمعنى انها تتحول بحكم قانون التراكم وعليه ايضا هي باقية بحكم قانون نفي النفي!

□ الماركسية جوهر مقاوم، فهي مقاومة، لانها لا تخضع للسائد في الواقع، وتخوض الصراع من اجل تغييره!

* * *

للاجابة على هذا السؤال الشائك، علينا اولا الاتفاق على تحديد معرفي لما نقصده بالماركسية هنا اي ماهية المقولة المعروضة للتفسير وبالتالي ماهية مسألتها الاساسية، لاننا سنختلف حتما في النتائج، اذا اختلفنا في تعيين محددات واضحة لما نعنيه، فانت لا تستطيع ان تبحث في شيء ما دون ان تحدده اولا، والا فسيكون البحث عائماً وغائماً وربما انتقائياً ورغبوياً او تسطيحياً واعتباطياً!

يمكن القول مثلا ان الماركسية المعنية هي مجمل مكونات المنظومة الفكرية التي طرحها ماركس وانجلس ومن سار على نهجهما حتى الان!

او هي المنهج المفتوح الذي وضعه ماركس وانجلز والمستند على مصادر تاريخية محددة، تختصر بالفلسفة الكلاسيكية الالمانية، والفكر الاقتصادي الانكليزي، والفكر الثوري الحركي في اوروبا، والذي بلور ثلاث مكونات رئيسية اعتمدها المنهج وهي الفلسفة المادية الديالكتيكية مع الفهم المادي للتاريخ، ونظرية فائض القيمة، ونظرية الصراع الطبقي والرسالة الثورية للطبقة العاملة!

اوهي مجمل خط السير الفكري والعملي الذي اختطه ماركس وانجلز والذي ترجم في عمل وافكار الاممية الاولى والثانية والثالثة ـ اي يشمل الاسهامات اللينينية فكرا وممارسة وما نتج عنها ـ!

اوهي معنى حصري لما انتجه ماركس وانجلز وما تركاه من آثار، فكرا وممارسة!

او هي نسق معرفي ارتبطت جذور بداياته باول تحول نوعي في المادة الدماغية للانسان وأدى لاكسابها خاصية التفكير ـ وليس التذكير ـ ولا نهاية له فهو مرتبط بادراك الوجود اللانهائي، وعليه فهو لا يخترع وانما يكتشف وستتواصل اكتشافاته الجديدة، وتسميته باسم ماركس حصرا يعود لكونه صاحب الفضل الاول في صياغته ونجاح محاولاته لاستخلاص اعم العلاقات العامة بين مكوناته بحسب لغة وخبرات وادوات زمانه، ولانه لا نهائي فانه يتغير باستمرار، بحسب مفعول القوانين الديالكتيكية المكتشفة والمجسدة فلسفيا ومعرفيا وتاريخيا في التحولات بين الكم والكيف، ووحدة وصراع الاضداد، ونفي النفي، وادراك هذا النسق هو ضرورة وليس صدفة. وبما ان الامر كذلك فان الماركسية تضع شروط تجاوزها بنفسها، بمعنى انها تتحول بحكم قانون التراكم وعليه ايضا هي باقية بحكم قانون نفي النفي!

او انها فلسفة للتفسير والتغيير تغتني بالممارسة، وكلما كانت الممارسة ماركسية، اي متجاوزة لذاتها بذاتها كلما ازداد الغناء المعرفي للماركسية بذاتها وبالعالم وافاقه!

مما تقدم سنختار ما نتفق عليه او ما قد نضيفه من واحد لاخر، لنخرج بتعريف يناسب الفحوى حتى لو اختلف الاختيار في الشكل لكن الاتفاق المطلوب سيكون حصرا في جوهر المضمون!

المعروف ان المسألة الاساسية في الفلسفة تتمحور حول علاقة المادة بالوعي، وبالتالي باسبقية ايهما على الاخر في الوجود الكلي، وعلى اساس تحديد شكل هذه العلاقة تنقسم الفلسفة بين مادية ومثالية، وتتشعب وتتطور مدارسها، بقسميها وما زالت الى مدارس شتى، كالابتذال والرومانسية والطوباوية والذاتية والوضعية، وبالنسبة للفلسفة المادية فان المادية الجدلية ـ الديالكتيكية ـ هي ارقى بل قمة الفكر الفلسفي المادي، اما المثالية فهي تسبح في حالة من التلون الذي يحاول تشذيب نفسه مستفيدا من فراغات تجاذب الالوان الفلسفية وانعكاساتها في الصراعات الدائمة والمتصاعدة بين الاقطاب والطبقات، مرة بالتجزيئية واخرى بالتسليمية واخرى بجعل ذات الانسان هي المسالة الاساسية في الفلسفة!

فكرة القبول بالاحتمالات الفلسفية المتناقضة في النسق الفلسفي الواحد، هي اكثر الاشكال الفكرية تذبذبا، ولا يقينية معرفية فيها، وشيوع هذه النزعة كخاصية تلازم مظاهر التيه المعرفي لا يقتصر وجودها عند المرتجين فقط من اتباع المدارس المثالية فهو يصيب بعدواه اتباع المدارس المادية ايضا بما فيهم انصار المادية الجدلية ـ الماركسيين ـ او غيرهم. اللايقين يرجع احيانا كثيرة لانفكاكات اواصر اتساق الفكرة عند المتلقي من المدرستين، نتيجة صدمات كبرى او تحولات وهزات يصعب على المتلقي تفسيرها، وعليه قد يتحول التابع الى حالة يمكن ان تكون كاريكتيرية تثير الشفقة او السخرية، وربما الاعجاب في قدرة بعضهم العجيبة على التلون بين المدارس باغلفة براقة من الاشتقاقات المهووسة بجدة القشر وخواء اللب، وهذا الحال اكثر ما ينطبق على اوضاع الاحزاب الماركسية التي تداخلت عندها مفاتيح البث والاستقبال على الموجات الطويلة والقصيرة، حتى اصبحت مسخا، لا هي بماركسية ولا ليبرالية، وبمعنى اخر لا مادية ولا مثالية، وهناك من رفع راية ـ نص نص ـ داخل او خارج الحضيرة الحزبية، وبعضهم راح يخلط الحابل بالنابل عسى ان يجد ممولا جديدا غير الحليف الاممي النزيه، حتى ولو على مقاسات فردية!

الماركسية نسق ثوري يستند على القوة التغييرية الهائلة الكامنة بها وهي متسقة مع نفسها عندما تقف شامخة في طليعة القوى الفاعلة من اجل حسم موضوعة الصراع الطبقي لصالح الانسانية جمعاء ومن اجل معرفة اسرار الطبيعة واسر قواها العمياء بصداقة تحافظ على التوازن الطبيعي!

الماركسية جوهر مقاوم، فهي مقاومة، لانها لا تخضع للسائد في الواقع، وتخوض الصراع من اجل تغييره!

بعد كل هذا اجد ان المسألة الاساسية في الماركسية كنسق هي اسبقية التفسيرعلى التغيير، ان تفسيرها لحركة التاريخ مثلا هو الذي يؤدي بها الى استنباط مسارات التغيير فيه، وتفسيرها المعرفي الجدلي لخواص الطبيعة وقوانينها يؤدي بها للوصول الى رؤية ثاقبة متوازنة وثورية ايضا لانها تنطلق من ارضية مسؤولة فلسفيا واخلاقيا وجماليا!

الانسان مكون فاعل في حركة الطبيعة ومن مسؤولياته ان يتمكن من اسرارها ليحسن التعامل معها وباي بعد من ابعادها، ان الذين يتجاهلون بقصد او دونه التفسير المبرهن منطقيا ومعرفيا ويغادروه تمسكا بمقولات التغيير غير المفسر علميا كالتغيير الذاتي الارادوي ـ نهاية التاريخ ـ او التغيير الدائري اي الذي يعيد نفسه باشكال مختلفة او الاسير لقوى خارقة قدرية، يتجنبون الاقرار بالتغيير ذي المنحى الحلزوني المترابط بين كل اشكال الحركة في هذا الوجود، لانه يجعلهم بالنتيجة يسلمون بالوجه التاريخي له والذي يفتح الطريق للاقرار بالفهم المادي للتاريخ الموصل الى الاقرار بحتمية زوال الراسمالية وكل هيلمانها!

ان اغتراب الاحزاب التي تحمل اليافطة الماركسية عن هذا النسق والتغطية عليه بدعاوى التجديد او الاستجابة لمتغيرات العصر اضافة للدعوات المغالطة لجماعات من المتمركسين النصيين او المهزوزين نتيجة السقوط المدوي للتجربة السوفياتية، لا يغير من الحقيقة شيئا، فهؤلاء لم يكونوا يوما ماركسيين معرفيين، هم ماركسيو كورس ينشدون خلف الامام ما يحفظونه، وبما يتطلبه الاعلان السياسي، وحسب موجة الارسال والاستقبال المبرمجين عليها!