المسألة القومية…توظيف الدولة القطرية ضدها…وعدوان النظام المصري على حزب الله (الحلقة الرابعة)

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1874)

رابط الحلقة الاولى:

https://kanaanonline.org/?p=1028

والثانية:

https://kanaanonline.org/?p=1032

والثالثة:

https://kanaanonline.org/?p=1034

الحلقة الرابعة:

مصر من الدولة المركزية إلى وظيفة ضد المقاومة

كانت الحلقات الثلاث الأولى مقدمة لفهم الحرب التي يشنها النظام المصري ضد حزب الله وحركة حماس والمقاومة العربية في العراق، بل كل مقاومة عربية. وهذا يوجب طرح السؤال: هل هناك نظرية وسياسة للأمن القومي العربي لدى الدولة في مصر، وللأمن الوطني المصري نفسه؟

لكل دولة او منظومة دول استراتيجيتها سواء في الأمن الوطني/القومي أو الغذائي أو التنموي الاقتصادي او حتى الثقافي. ويكون هذا الأمن بتنوعاته معلناً وواضحاً ومستمراً ومنقولا من جيل إلى جيل بحيث يترسخ في ثقافة الشعب ويصبح الدفاع عنه هو واجب ودور المواطن حتى لو كان منفرداً في مكان مهجور ما، وهذا منوط طبعاً بشعور الفرد بمواطنته وبثقافته ووعيه وتربيته…الخ. وأقصد هنا أن مفهوم وجوهر هذا الأمن لا يتغير من حاكم إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى، وإذا ما اقتضت التطورات تغيره أو تغييره، فذلك من أجل تركيزه وتقويته وليس من أجل التنازل عن والتفريط بهذه الأسس القومية.

وقد تكون مصر نموذجاً لقياس مسألة الأمن القومي من حيث هي الدولة العربية المركزية، والتي لعبت هذا الدور في حقب مختلفة من التاريخ حتى منذ عصر الفراعنة تمكنت مصر من إقامة دولة متمركزة على ذاتها من حيث هي، كما يحلل سمير أمين، دولة مائية زراعية استطاعت بزل فائض أنتج حضارة لم تكن مضطرة للاعتماد على التجارة بعيدة المدى كي تكفي نفسها. وظلت مصر جزءاً مركزيا في التاريخ العربي سواء في العصر الفاطمي او الأيوبي او المملوكي او الاحتلال العثماني وصولاً إلى محاولة محمد علي تحديث مصر على الطريقة الأوربية آنذاك، وبسلطة بيروقراطية مركزية راسمالية، ولاحقاً كانت تجربة عبد الناصر هي الأكثر وضوحاً قومياً.

ليس هذا مبحثاً في التاريخ لإثبات تواصل الترابط بين أجزاء الوطن العربي، وهل كان تاريخها مشتركاً أو مبعثراً، هذا إذا كان هناك ما يثبت أن كل بلد في العالم كان له تاريخ متواصل من الوحدة والتماسك عبر آلاف السنين. فالدولة القومية الأوروبية الحديثة، التي تعتبر نموذج القياس، هي إبنة عصر راس المال ليس أعمق ولا أطول زمنياً، مما يجعلها طارئة إذا ما قيس الأمر بطول الفترة الزمنية لوجود أمة كالأمم القديمة الممتدة حتى اليوم.

تطرح مسألة الأمن القومي السؤال التالي:

ما الذي يريده النظام المصري سياسياً واقتصاديا وثقافيا وإقليمياً؟ ويشمل السؤال هنا ليس النخبة السياسية وحدها، بل النخبة الثقافية والنخبة الراسمالية، اي تحالف الحكم بعامته.

هل سياسة النظام المصري الحالية محلية/قومية/طموحة، أم متخارجة وتابعة؟ وما هي العوامل الكامنة وراء هذا الموقف او ذاك؟

لست هنا بصدد قراءة السنوات الأربعين التي تلت الناصرية، بل بصدد ذكر محطات اساسية فيها. فمنذ رحيل عبد الناصر، اي سقوط النظام القومي التقدمي هناك في مصر أصبحت السمات العامة للنظام هناك:

□ استبدال التنمية بإحلال الواردات بسياسة الباب المفتوح

□ الانخراط في السوق العالمي كتابع للمركز

□ الاعتراف بالكيان الصهيوني كمغتصب لفلسطين ومقتلع لشعبها

□ الخروج من حلبة الصراع مع الإمبريالية والصهيونية، بل الانتقال لصالح هذا العدو

□ اعتماد سياسة القمع والأمن ضد الشعب وخاصة الحركات السياسية.

تكفي هذه المكونات لصورة النظام الحاكم في مصر لتفسير، لماذا عجز، أو لم يكترث اصلاً، النظام المصري بالمسألة القومية العربية، وهي السياسة التي خسرت فيها مصر دور قيادة الوطن العربي، ودور الموحِّد المحتمل للأمة العربية، فاصبحت بوزن أية دولة عربية صغيرة، كما هو حال وزنها مقابل وزن قطر في السياسة العربية.

ليس هذا اختيار الشعب المصري بالطبع. وهنا الوجه الديكتاتوري الطبقي في المسألة. فالشعب المصري أقل قبولاً للكيان الصهيوني من اي شعب عربي آخر، لذا، فالتطبيع مع الكيان الصهيوني في حالة موات رغم المحاولات الهائلة لاختراق هذا التماسك الشعبي الذي يقوم على ثقافة وانتماء حتى رغم غياب حركة سياسية دقيقة الأداء. كما أن الشعب المصري رافض لتبعية النظام للإمبريالية ولا سيما الأميركية، ولا يعدم اية فرصة للتظاهر تعبيراً عن انتمائه للقضايا العربية.

فما معنى هذا؟ يعني هذا ان الشعب لم يفقد روحه وثقافته وتراثه وانتمائه رغم كافة المحاولات المستميتة لاختراق هذا التماسك، بمعنى أن القشرة العليا من راس المال الكمبرادوري الحاكم، رأسمالية الوكالات، والنخبة الثقافية المستفيدة من ذلك، والقيادات العليا لأجهزة القمع، بدل أن تكون أجهزة دفاع عن الوطن والأمة، هذا التحالف، أو “المبنى الاجتماعي للنهب، وليس التراكم” ، هذه النخبة أو القشرة هي متخارجة بالمصلحة والمصير، وهي لفقرها الثقافي والأخلاقي، لا يمكنها استقطاب الشعب وراء مشروعها بخلق هيمنة ما وتمكينها من الانتشار والقبول مجتمعياً، لذا، لجأت إلى القمع والقوة والسيطرة والتضليل الإعلامي، وحتى لاتخاذ مواقف فاضحة لا يخرج محتواها عن إعلان خيانة الوطن والأمة، وهذه المواقف تعني، فيما يخص موضوعنا، برنامج أمن طبقي/نخبوي/بوليسي وليس مشروع أمن قومي.

فإصرار النظام المصري على علاقة مفتوحة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية يدل على عقيدة لا وطنية ولا قومية، بل عقيدة تعادي هذين المرتكزين الأساسيين لوجود أمة وحريتها وتطورها. وبالطبع لا يخفي هذا النظام سياسته هذه، فقد انتقل من شعار السلام خيار استراتيجي، والانحصار في استعادة أراضي مصر المحتلة شكلياً لا سيادياً، حال سيناء التي هي بيد مصر سكانياً، ولكن امنياً بيد الكيان الصهيوني، انتقل هذا النظام إلى معاداة حركات المقاومة العربية بمجموعها.

لقد شارك هذا النظام بجيشه في تدمير العراق عام 1991، وهو نفسه الذي أعاق حل مشكلة الكويت بمبادرة عربية، لأنه كان معنياً بتمرير الهدف الأميركي بتدمير النظام العراقي. وهنا تكمن مفارقة لافتة. فطالما أن النظام المصري توصل إلى عدم القدرة، و/أو الرغبة في لعب دور قيادي طموح لقيادة الأمة العربية، فما هي منافسته مع النظام البعثي في العراق إذاً؟ ما الدافع الذي قاده للمشاركة في تدمير العراق؟

إذا كان الدافع هو رفض هذا النظام للقومية العربية، كان بوسعه فعل ذلك دون المشاركة في هذه الجريمة! أي كما فعل اثناء العدوان الصهيوني على لبنان 1982 لتدمير المقاومة واقتلاعها من لبنان! فهو على الأقل لم يشارك علناً في هذا العدوان. أو مثلاً، لم يشارك في احتلال الصومال من قبل إثيوبيا التي قامت بذلك كدور وظيفي لخدمة الإمبريالية الأميركية، أو عدم مساعدة اي بلد عربي في صد اية محنة. وحتى فيما يخص إعلان هذا النظام العداء لإيران، فما الذي فعله هذا النظام لدعم مطالب الإمارات العربية المتحدة لاستعادة الجزر الثلاثة؟ أم أن عداء هذا النظام لإيران هو لهدف آخر غير استعادة الحقوق العربية المستلبة والأرض المحتلة؟

مرة أخرى، ما الذي يكمن وراء هذا العداء المصري للأنظمة القومية التوجه وللمقاومة بشكل عام، وحتى مشاركته في الاعتداء عليها، ومن ثم مبادرته للاعتداء عليها؟

يسود المخيال الشعبي، بل حتى الذاكرة الشعبية العربية في أحيان كثيرة الاعتقاد بأن كل حاكم عربي، او شاغل منصب كبير سياسياً، أو دينياً أو ثقافيا أو عسكرياً…الخ ويخون القضية القومية، بأن هذا/هذه ليس عربي الأصل، مثلاً، يهودي، فارسي، تركي…الخ. وهذا شعور أو قناعة قائم على عاملين معاً أو منفردين:

□ تراث تعرض هذه الأمة والوطن للعدوان والاحتلال على مرِّ تاريخ طويل لم يتوقف.

□ الفهم الساذج للأصل العرقي، الذي يفترض أن الشخص لا يخون أمته. وهو فهم لا يقوم على اي اساس علمي، ويفتقر للرؤية الطبقية للمصالح المادية للطبقات ولكونها تقودهم هي دوماً.

ما الذي يكمن وراء عداء النظام المصري لحزب الله؟

بمعنى آخر، إذا كان عداء النظام المصري لحركة حماس لأنها على حدوده، ولأن هذا قد يسمح بتصدير ثورة إسلامية إلى مصر، وبالتالي فهو حريص على محاصرتها. هذا مع العلم أن الحصار يُطال المواطن الفلسطيني أكثر من الكادر الحمساوي. ولكن ربما من السذاجة طرح الأمر هكذا لأن النظام المصري غير عابىء برعاياه أنفسهم.

وقد يقول مثقفو هذا النظام وساسته أن مصر مرتبطة باتفاقات دولية مع الكيان، ولا يسعها تغييرها. لكن الاتفاقات التي يترتب على إلغائها مخاطر كبيرة هي اتفاقات عدم الاعتداء، أما اتفاقات الصداقة فخاضعة لظروف كل بلد. فالواضح أن اتفاقات كامب ديفيد جردت مصر من السيادة على سيناء وعلى حدودها مع غزة. وهذا يعني أن سيناء عملياً تحت الاحتلال.

دعنا نتجاوز عن مسألة حماس وقطاع غزة، فطالما أن النظام المصري اختار الانسحاب من دوره القومي، والإقليمي بالطبع، واصبح في حجم دويلة مثل قطر، واقل.. قطر التي ثلث أرضها هي قاعدة العيديد الأميركية، والثلث الآخر لقاعدة فضائية الجزيرة التطبيعية، والباقي لقصر الحاكم وسيدته الأولى الشيخة موزة التي تعتني باستقبال وزيرة خارجية الكيان الصهيوني السابقة تسيفي ليفني وشمعون بيرس. نعم، طالما طموحات النظام المصري القومية والإقليمية قد تقزمت إلى هذا الحد، فلماذا يفتعل الاشتباك مع إيران، ويحاول التجنيد لحرب عليها كما فعل ضد نظام الرئيس صدام حسين؟

ولنضع السؤال بطريقة أخرى، طالما أن النظام المصري انسحب من دور مصر كدولة مركزية للوطن العربي، وطالما هو بلا طموح للعب دور إقليمي وطالما أن النظام الإيراني الحالي، ونظام الرئيس صدام حسين كانا على عداء دائم، فما الذي يجعل النظام المصري على موقف ضد النظامين في آن؟ نعم لماذا وخاصة لأنه اصبح بلا طموح إقليمي؟

ليس هناك من تفسير سوى أن هذا النظام يقوم بدور وظيفي لصالح الغير، أي لصالح قوى لها مصلحة في العداء ضد إيران والعراق على حد سواء، اي الكيان الصهيوني والإمبريالية الأميركية والمركز الراسمالي عامة. وبهذا يكون النظام المصري قد انحط بمصر إلى دور قومسيونجي يعمل لحساب سادة آخرين لا من أجل مصالح الشعب المصري، فما بالك بالأمة العربية. هذا ما يفسر عداء هذا النظام لحزب الله ولحركة حماس وللمقاومة العراقية، وهذا ما يفسر إصراره كغيره من الأنظمة العربية على إنقاذ النظام العميل في العراق وإنقاذ الجيش الأميركي الذي دوخته المقاومة ليصبح كما يبدو إجهاضاً ضخماً.

يبرر مثقفو وإعلاميو النظام المصري مواقف النظام من الصراع العربي الصهيوني بأن مصر خسرت كثيراً بسبب الحروب مع الكيان الصهيوني. لكن الذي بذل هذه التضحيات هو الشعب وليس النظام. ومع ذلك كان الوضع الاقتصادي لمصر أثناء قيادتها للنضال ضد الكيان أفضل بكثير من وضعها الحالي. هذا رغم ان عدم المشاركة في الصراع يُفترض أن يكون وفر على مصر نفقات الحرب واضاف عليها “الرشوة” الأميركية للسلطة المصرية وهي 2 بليون دولار سنوياً كثمن لانسحاب النظام من الصراع. فالمفترض إذن حسب محاججة هؤلاء أن يكون لدى مصر فائضاً وليس مجاعة وعجزاً! أليست مفاخرة رأس المال كامنة في التجربتين اليابانية والألمانية انهما حين توقفتا عن الحروب أصابتا ازدهاراً كبيرا؟ هل يكمن السبب في العجز والفقر في النهب والفساد؟

إذن لم تقد سياسة الانفتاح الاقتصادي والقطيعة والانغلاق القومي إلى ازدهار اقتصادي بل إلى تحول مصر إلى قطْر رث. ومع ذلك يجادل مثقفوا الكمبرادور في مصر بأن دول الخليج تحظى بأكثر من حقها من الثروة العربية، وهذا صحيح، لكن هذا المطلب يجب أن يأتي من نظام يناضل قومياً، لا من أفراد يقرأوا الأمور بعين الحاسدية الفردية!

إن ما يقبض على خناق الشعب العربي في مصر طغمة من العسكر والبوليس والمخابرات والكمبرادور ومثقفي التخارج اللبرالي الغربي والصهيوني. ولا شك أن هذا اصبح ممكناً جداً أمام حالة الضعف في الحركة الوطنية المصرية التي يسيطر على بلدها تحالف قمع وقوة ودعم أجنبي، اي تسمح له القوة بالسيطرة بمعنى أن إيديولوجيته المروضة مجتمعياً لا تسمح له أن يجعلها مهيمنة.

وبكلمة أخيرة، فإن النظام المصري الذي لعب دوراً واضحاً ضد المشترك القومي العربي، وكان الأول في الاعتراف بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين، يفتح اليوم معركة ضد المقاومة، اي معركة بعرض الوطن العربي، ومعركة ضد إيران من مدخل الطائفية الإسلامية، اي معركة بعرض العالم الإسلامي، حرب بالإنابة عن الإمبريالية والصهيونية.