مناهضة العنصرية والقرار 3379

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1874)

عقد في جنيف في الفترة 20-24 من شهر نيسان الجاري ما يطلق عليه “مؤتمر ديربان 2 لمناهضة العنصرية” حيث كان المؤتمر الأول قد عقد في مدينة ديربان في جنوب إفريقيا في حزيران 2001، أي قبل هجمات الحادي عشر من أيلول على نيويورك التي غيرت الكثير من مسارات السياسة الدولية. والحقيقة هي أن مؤتمر جنيف هو الرابع الذي يعقد برعاية الأمم المتحدة تحت هذا العنوان. وعقد المؤتمران الأول والثاني في العامين 1978 و1983 على التوالي، لكن المحطة الثالثة وهي “مؤتمر ديربان الأول” كانت الأهم في السلسلة من حيث القرارات التي تضمنها الإعلان الذي صدر عن المؤتمر، ولهذا حمل مؤتمر جنيف اسم “ديربان 2”.

مؤتمر ديربان الأول كان مؤتمر الفلسطينيين بحق إذ أدان بوضوح الممارسات العنصرية للكيان الصهيوني وحمله المسؤولية عما يعانيه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. وقد جهد الصهاينة وأنصارهم ومارسوا كل ما استطاعوا من الضغوط، عبر اللوبيات الصهيونية المنتشرة في الغرب الاستعماري خصوصا، لضمان مقاطعة المؤتمر الثاني حتى لا تتأكد أوتتجدد الإدانة. وقد نجحت تلك الضغوط في فرض المقاطعة على إدارة الرئيس باراك أوباما، الذي أبدى في البداية ميلا لحضور الولايات المتحدة المؤتمر، لكنه انتهى إلى الرضوخ وقرر عدم حضورها بعد أن فشلت المحاولات التي بذلتها لتعديل أو على الأصح لتغيير مسودة القرارات التي ستصدر عن المؤتمر. وكان المطلوب أميركيا هو عدم التعرض للسياسة العنصرية للكيان الصهوني في فلسطين المحتلة. وقد أشادت تسيبي ليفني في آذار الماضي (وكانت لا تزال وزيرة للخارجية) بقرار أوباما واعتبرته إثباتا لاحترام واشنطن ل”التزاماتها تجاه إسرائيل”، و”تعبيرا حقيقيا وشجاعا عن المباديء التي تتمسك بها الولايات المتحدة”! وقد حذت بعض الدول الغربية مثل كندا وهولندا حذو أميركا بينما حضرتها بريطانيا وفرنسا بتمثيل منخفض. وكانت بريطانيا وفرنسا قد هددتا بعدم حضورهما إن أشارت مسودة القرارات إلى الكيان الصهيوني وممارساته العنصرية.

والاتهام باللاسامية هو الوسيلة الدائمة التي يلجأ إليها الصهاينة لرد تهمة العنصرية عن كيانهم، لكن الوقائع التي أصبحت ثابتة في فلسطين المحتلة كلها، بما فيها الجزء المحتل في العام 1948، ثم بعد الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في عدوانه الأخير على قطاع غزة، هذه الوقائع تؤكد التهمة وتسقط الاتهام، ولم يبق إلا أن تقوم الدول العربية ومنظمات حقوق الإنسان العربية كل بدوره في هذا المجال، وهو ما لا يبدو أن شيئا منه يستحق الذكر قد تحقق، ربما باستثناء بعض المنظمات التي استثارت فظائع غزة حميتها وزودتها بأكثر مما تحتاج من براهين على قيام التهمة، فضلا عن أن اغتصاب أرض الغير وإخضاع شعب آخر للاحتلال يظلان أبشع أشكال العنصرية وأعلى درجاتها لمن يريد براهين. وبينما “خطفت” المنظمات الصهيونية والإسرائيلية المؤتمر، لم تظهر المنظمات أو حتى الوفود العربية التي حضرت وكأن الأمر لا يعنيها. وكان لافتا أن تصدر “كلمة فلسطين” في المؤتمر عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وليس عن الوفد الفلسطيني الذي قيل إنه وافق على عدم ذكر الكيان الصهيوني في البيان الختامي للمؤتمر!

وقد استضاف مؤتمر جنيف خبراء دوليين يقدمون مساهمات تتعلق بإمكانية تطبيق قوانين ومعايير الأمم المتحدة على ممارسات الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني باعتبارها جرائم حرب وضد الإنسانية، وبما يتوجب إخضاعها للملاحقة والمحاسبة والعقوبات المنصوص عليها في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. كما بحث المؤتمر سبل تطوير حملة مقاطعة إسرائيل على خلفية تلك الجرائم، في وقت تحدث الأمين العام للأمم المتحدة فاعتبر اللاسامية ومحاربة الإسلام متعادلتين.

وكان الغرض الأول من عقد المؤتمر هو مراجعة ما تحقق من بنود “إعلان ديربان” على صعيد مناهضة العنصرية وكل أشكال التعصب بعد مرور ثماني سنوات عليه. وقد تبين أن شيئا من تلك البنود التي وردت في “إعلان ديربان” لم يحقق تقدما يذكر. لكن المؤتمر الأخير صادق على تلك البنود ما يفيد أن إدانة الكيان الصهيوني بالعنصرية قد تجددت ضمنا. لكن التراجع العام الذي بدا على أعمال المؤتمر كان متوقعا بسبب التغيرات التي طرأت على المناخ الدولي خلال ثماني سنوات من حكم “المحافظون الجدد” وتحكمهم، بالرغم من أن ممارسات الكيان الصهيوني وحروبه قد زادت عنصرية وعدوانية في هذه السنوات.

وكانت مسودة البيان الختامي للمؤتمر قد نصت على إدانة الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وتعتبرهما خرقا لحقوق الإنسان و”نوعا من التمييز العنصري ضد الفلسطينيين”، وتؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وللمرة الثانية حاول البعض في مؤتمر جنيف الحديث عن إعادة الاعتبار للقرار الصادر عن الجمعية العامة في شهر تشرين الأول 1975 تحت رقم 3379، الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، لكن تلك المحاولة فشلت غير أنه مطلوب أن تظل المحاولات مستمرة في هذا السبيل حتى يعاد الاعتبار للقرار.

ومهما يكن من أمر فإن ما صدر عن مؤتمر جنيف لجهة إدانة الكيان الصهيوني وممارساته العنصرية تظل له أهميته، لكن الأهم من صدور الإدانة هو متابعتها وترجمتها إلى واقع عملي يحاصر الصهاينة ويفضح كيانهم العنصري. لقد خسرنا القرار 3379 بسبب تخاذلنا وخضوعنا للقوى الصهيونية وأنصارها، وأصبحنا نطالب بإعادة الاعتبار لهذا القرار الذي كان يمكن أن يكون أداة مواجهة فعالة لمقاطعة الكيان الصهيوني ووضعه في الزاوية التي سبق ووضع النظام العنصري في جنوب إفريقيا فيها، لكننا تخاذلنا وخسرناه! وتدل التجربة على أن العرب متفوقون في الخسارة، فهم يخسرون كل ما هو لصالحهم بطرق تثير الدهشة والرثاء. إن أكبر دليل على هذا نجده في ما آل إليه قرار محكمة العدل العليا في لاهاي المتعلق بالجدار العنصري العازل، هذا القرار الذي يعتبر أهم وأشمل وثيقة صدرت عن جهة دولية تنصف الشعب الفلسطيني وتعطيه كل حقوقه غير القابلة للتصرف، وتدين الكيان الصهيوني بالاغتصاب والعنصرية وكل التهم الثابتة عليه… ومع ذلك أهملناه ببساطة وخسرناه بتفوق عز نظيره!