هكذا تنتحر المجنَّدة ويبطر العملاء؟

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1878)

رغم إمعان عالم اليوم في النفعية والتمترس المادي، بمعنى الكسب والربح والمأجورية، بشغل أو بدون، لكنه لا يخلو من خوارق معينة. كما ليس شرطاً أن تكون الخوارق بالقوة العمياء أو بالطاقة الهائلة للقتل والتدمير. فيمكن أن تكون الخوارق في موقف معنوي يبدو حتى عادياً.

“قامت مجندة أميركية في العراق عام 2005 بإطلاق النار على نفسها”

بدوره أعلن الجيش الأميركي أنها قُتلت بنيران عراقية وهنا أُغلقت الحكاية المحبوكة والقابلة للتصديق ببساطة. ليأتي صحفي أميركي بعد عامين من التقصي ليكتشف من خلال شهادات جنود آخرين أن المجندة:

كانت قد تدربت على اساليب التعذيب، ولكنها حينما شاهدت التعذيب على الطبيعة في المعتقلات العراقية وجدت أن ما تعلمته وقرأته ليس إلا صورة “ناعمة” لوحشية لا تطاق على الأرض. فلم تحتمل الموقف إلا ليومين، لتعود إلى ثكنتها وتنتحر بإطلاق النار على رأسها.

ليس مغزى هذه الأسطر زيادة بضع كلمات على وصف وحشية الإمبراطورية، ولا حتى وصف الموقف في أقبية التحقيق، مطلق تحقيق، تقوم به “الدولة، اية دولة، سواء المستعمِرة أو المستبدة المحلية” حيث في الأقبية يشعر الفرد من الجلاوزة أنه في معركة صراع حتى الموت مع الأسير، فرداً مقابل آخر، بمعزل عن توفر كل شيىء للجلاد والإرادة فقد للأسير. هناك يجد المناضل نفسه أمام آخر لديه كل الجاهزية والتجهيزات للقتل كما لو كان يتناول كوباً من الماء. وهذا الدافع الغريزي الفردي هو أخطر من حرص الجلاد على: إتقان العمل، والانتصار على العدو وتنفيذ أوامر السادة، وفي الحالة الأميركية الحقد الأبيض وصولا للذهب الأسود! .

لكنني لست لهذا أكتب. فهناك بعد آخر أود تناوله ببضع كلمات لأنه لا يشمل هذه المجندة وحدها، بل كل مواطن من اية دولة إستعمارية أو استيطانية يقبل بأن يدخل الجندية أو يعمل في مؤسسات تابعة لهذه الدول في بلدان العالم الثالث. فإضافة إلى جيوش الغزو هناك مؤسسات الغزو الثقافي أي المراكز الثقافية الفرنسية والألمانية والأميريكية والبريطانية خاصة بما هي الدولة الأكثر عراقة في الاستعمار والخراب وتشبيك الأمم في نزاعات لا تنتهي إلى يوم القيامة …الخ. وهي جميعاً مؤسسات دعاية لثقافة راس المال والمركزانية الأوروبية مجتمعتين. وهي مؤسسات تقوم في النهاية بدور التمهيد للسيطرة من مداخل ثقافية وإعلامية وإيديولوجية، بينما تقوم الجيوش بالسيطرة العسكرية وفي النهاية هيمنة راس المال ونهبه لبلدان العالم الثالث واستمرار هذا النهب وهذا الهدف النهائي.

تفيد تجارب بلدان العالم الثالث، والوطن العربي خاصة أن كل مواطن من بلدان المركز الراسمالي حين يذهب إلى بلدان العالم الثالث ضمن اية مهمة حكومية او شبه حكومية وحتى أكاديمية إنما يذهب إلى هناك ضمن برنامج محدد يخدم استراتيجية دولته، لا نقول فقط حكومة بلاده، فالحكومات تتغير مع أن سياسة الدولة قلما تتغير من حكومة إلى أخرى ومن حزب إلى آخر، في دول مستقرة وإدراتها متمأسسة.

إذن يذهب مبعوثو هذه الأنظمة إلى بلدان العالم الثالث مجهزين بمعتقد أنهم يمثلون “أمماً متحضرة وأعراقاً أرقى، وقدرات عقلية متفوقة، وآليات تعامل مميزة”، بينما الأماكن التي يذهبون إليها والناس الذين سيعيشوا بين ظهرانيهم هم على العكس تماماً. وعليه، يمكن القول أن لدى هؤلاء شعور بأنهم بشر والآخرين “اغياراً-أقل من البشر”.

هذا ما أسماه أكثر من مفكر الخضوع لهيمنة إيديولوجيا النظام السياسي والفكري الحاكم في بلدان الغرب، هذه الهيمنة هي التي تجيز لهم كل عسف ووحشية يمارسونها ضد سكان بلدان المستعمرات أو العالم الثالث عامة. فالهيمنة هنا سلاح أكثر فتكاً من البنادق لأنها هي التي تجعل استخدام هذا الغربي للبندقية في القتل سهلاً وممكناً بل وضرورياً.

لا شك أن هذه المجندة أتت إلى العراق وهي مشبعة بالهيمنة الإيديولوجية. كيف لا وهي متخصصة في التعذيب. ولا شك بالطبع أن مؤسسة “التعذيب” الأميركية لها مقاييسها ومعاييرها المتماسكة بمعنى أن من يتخرج من هذه المؤسسات لا شك سيكون بلا قلب ولا أحاسيس. وإلا كيف له أن يخدم مصالح الإمبراطورية، وكيف لهذه الإمبراطورية أن تؤكد مصالحها العدوانية في العالم لو لم تكن اُقيمت على ركائز للقتل قوية؟

وإذا صح تقديرنا هذا، لا بد من أمر لا معقول هو الذي أماط عن وعي ونفسية هذه الجندية كل تلك الأدلجة التي أُخضعت لها، وإلا ما كان لها أن تنتحر! هنا يكون الحديث عن القتل والاغتصاب في الجنسين، مجرد مزاح!

ولكن، إذا كانت هذه المجندة ، رغم تربيتها على التعذيب قد صُدمت وانتحرت، فمن أية طينة أولئك العراقيين الذين يتعاملون مع هذا الاحتلال، بدءاً من رئيس الوزراء نزولاً حتى الجندي الصغير الذي يرى بعينية ما يحدث للأسرى من المناضلين، بل يفعل ما يفعلون واكثر[1]؟ ماذا عن الأنظمة العربية التي تبارك حكومة خلقها الاحتلال الأميركي/البريطاني، ماذا عن المثقفين الذين لعقوا مؤخرة بوش كي يحتل العراق؟ ماذا عن فنيين ومهنيين ومهندسين فلسطينيين، تصوروا فلسطينيين، وعرباً ذهبوا للعمل مع الأميركيين والإنجليز في العراق ورأوا كل هذا وأكثر ولم يقرروا حتى الاستقالة؟

هل الإجابة ابعد من القول ان الإنسان يظل إنساناً حتى لو صُنع في مختبر التعذيب الوحشي، وأن العبد ليس باللون ولا بالفقر بل بالموقف، لذا يظل عبد الموقف عبداً حتى لو كان المغتَصَبُ بلده وأهله ونسله.


[1] تروي سجينة عراقية عن زميلتها قائلة أنها اغتصبت 17 مرة في يوم واحد من طرف الشرطة العراقية وتحت أنظار الجنود الأمريكيين ثم أعادوها إلى الزنزانة مغمي عليها وبقيت فاقدة الوعي 48 ساعة ، ويقول أحد السجناء أن أبشع صورة ما زلت ماثلة في ذهنه هي تلك التي رأى فيها فتاة لم يتعد سنها ال 16 وهي تغتصب أمام والدها الذي كان مقيدا إلى القضبان في إحدى الردهات ويضيف هذا السجين قائلا : لا يمكن أن تتخيلوا صوتها وهي تصرخ .. ما زال صدى صرخاتها يدوي في راسي .. أي حيوان يمكنه أن يفعل ذلك ؟!