” أمراء السلام “: لماذا أستوطن “المعتدلون العرب” في ميونخ؟ (الحلقة الاولى)

فضل مصطفى النقيب

جامعة واترلو – كندا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1879)

يهدف هذا المقال الى قراءة كتاب “نهج الاعتدال العربي” للدكتور مروان المعشر بصورة جدية و منهجية.[1]وذلك بأن نعرض للاطروحات الرئيسية في الكتاب بدون أي أحكام مسبقة، ثم نقوم بفحص صدقيتها على اساس المحاكمة المنطقية والادلة المتوفرة بما في ذلك الشواهد والاحداث التاريخية المعاصرة.

الدعوة إلى الجدية لا تنبع فقط من كون المؤلف قد شغل مناصب عديدة هامة ذات اتصال مباشر بموضوع الكتاب فهو أول سفير للحكومة الأردنية في إسرائيل، ثم سفيرًها في الولايات المتحدة وكان وزيراً للأعلام، ووزيراً للخارجية ونائباً لرئيس مجلس الوزراء،المكلف بشؤون الأصلاح، وهو الذي يشغل الآن منصب نائبً رئيس البنك الدولي، فهذه المناصب، بحد ذاتها لا تعني، بالضرورة، أن من يشغلها سيكون قادراً على تأليف كتاب يهذا المستوى من الجدية، إنها في أحيان كثيرة تعني العكس.

الدعوة إلى الجدية في التعامل مع كتاب الدكتور المعشر تنبع من أن المؤلف يمثل ظاهرة أصبح لها وجود متنام في معظم الحكومات العربية، ومن المفيد التوقف عندها بجدية.

يمثل مروان المعشر ظاهرة الأفراد الذين لهم مراكز قيادية في حكومات بلادهم والذين يتمتعونبكفاءات عالية تم صقلها خلال سنوات الدراسة في أفضل الجامعات الأمريكية، وما يميز هؤلاء عن غيرهم من حملة الشهادات العالية الذين لهم مناصب قيادية في نفس الحكومات، هو أنهم يعترفون بإن الفساد يستشري في تلك الحكومات، وان يكن بصورة متفاوتة بين الدول، ويكرس نظاماً يعيد انتاج التاخر بشكل مستمر، وانهم يسعون في تلك الحكومات من اجل تحقيق إصلاح تدريجي من الداخل، على اساس ان أحجامهم عن العمل في تك الحكومات يعني تركها تحت سيطرة ما يمكن تسميته مع شيء من التعميم برجال “الحرس القديم” المجندين بشكل مستمر للوقوف ضد أي تغيير في النظام القائم لإن ذلك يهدد مراكزهم ومصالحهم، وهم يخشون أن يقود بقاء النظام القديم على حاله الى سقوطه بيد الحركات الاسلامية الاصولية التكفيرية.

وهم يرون أن أهم عقبة تقف في وجه تيار الاصلاح العقلاني الذي يلتزمون به، هي مشكلة الصراع العربي-الاسرائيلي.، على أساس أن ذلك الصراع يكرس جواً معاديا للتقدم والاصلاح، إضافة الى الماسي والكوارث الانسانية التي يجرها بشكل يومي على الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية المجاورة. إنهم يرون ان أوضاع الصراع والعنف تكرس أجواء الخطر التي تساعد رجال ” الحرس القديم” على منع التغيير، كما أن انحياز الولايات المنحدة لاسرائيل يغذي أجواء العداء لأمريكا والكراهية للغرب وانتشار الفكر التكفيري. إنهم يرون أن أحداث ستة عقود من الصراع قد أثبتت بشكل لا يقبل الشك بإنه ليس بمقدور اسرائيل أو العرب تحقيق الانتصار العسكري الذي يفرض نهاية للصراع، وان الحل الوحيد الممكن هو الحل الذي ياخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية للفريقين، وان مثل هذا الحل ممكن اذا تمكن المعتدلون في العالم العربي والمعتدلون في أسرائيل، وبرعاية أمريكية، من تكوين جبهة متماسكة ضد المتطرفين العرب والمتطرفين الاسرائيلين الذين يعادون السلام.

يعترف أصحاب مدرسة الاعتدال بأن غالبية الناس في العالم العربي لا تشاركهم ذلك الشعور المتفائل، إذ أن خيبة الأمل المتكررة منذ عقود لم تترك عند الناس اي امل في الاصلاح التدريجي لانظمة الحكم العربية، او في حدوث اي تغيير في الموقف الامريكي الداعم لإسرائيل. وبالرغم من ذلك فهم يصرون على أن تفاؤلهم مبني على أرضية الفهم الموضوعي للمصالح الحقيقية لإطراف النزاع الثلاثة: العرب، إسرائيل والولايات المتحدة، وأن لغة العقل والحداثة والتسامح ستنتصر في النهاية لأنها اللغة الوحيدة التي تعبر عن روح العصر.

لذلك دعونا نقرأ الكتاب بجدية لنرى ما هو المعنى الحقيقي لهذه الظاهرة؟

(1)

تسيطر على كتاب “نهج الاعتدال العربي ” فكرتان محوريتان، يعمل المؤلف على أثبات صدقتيهما، من خلال روايته لأحداث عايشها وكان له أحياناً دوراً في التأثير على مسارها.

الفكرة الأولى هي أن نهج الاعتدال العربي الذي شاع صيته في السنوات الماضية، بعد أن انقسم العالم العربي إلى “معسكر الاعتدال” و”معسكر الممانعة”، هو في جوهره نهج أردني، وأن الأردن هو البلد العربي الوحيد الذي ظل مخلصاً لذلك النهج منذ بداية الصراع العربي-الإسرائيلي وحتى اليوم.

يعيد المؤلف نشأة نهج الاعتدال إلى حكمة القيادة الأردنية (الملك عبد الله أولاً ثم الملك حسين) التي التزمت، منذ تأسيس أمارة شرق الأردن عام 1921، العمل على توثيق العلاقات مع العالم الغربي حتى أصبح للأردن دوراً إمميزاً في العالم العربي، حيث كانت الدول الغربية تنظر إليه طوال سنوات الحروب العربية-الإسرائيلية كواحة للاعتدال و ” كجسر بين الغرب والعالم العربي”، ثم يرى المؤلف أن ذلك الدور قد تطور بعد توقيع معاهدة السلام الإسرائيلية- الأردنية عام 1994 “. حيث ذهب إلى أبعد من كونه جسراً بين الشرق والغرب ليصبح نموذجاً للتسامح تفتقر إليه المنطقة منذ وقت طويل“(صفحة 24).

ويرى المؤلف ان صواب ذلك النهج قد اتضح بشكل جلي في السنوات القليلة الماضية وذلك عبر النجاحات الكبيرة التي حققها الاردن وكرست له مكاناٌ اقليمياً وعالمياً مرموقاً يفوق بدرجات ما يسمح به حجمه الصغير وإمكاناته المادية والبشرية المتواضعة. ويذكر المؤلف من هذه “النجاحات “، نجاح الاردن في توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايا ت المتحدة في الوقت الذي لم تستطع فيه دولة اكبر وأقوى مثل مصر توقيع مثل تلك الاتفاقية، كما يذكر نجاح الاردن في أخذ المكان الذي كانت تحتله سوريا، لسنوات طوال، في التحالف غير الرسمي (اضافة الى السعودية ومصر) الذي يعمل على قيادة اجماع عربي تجاة قضايا المنطقة. وهو يرى أن تحالف مصر والسعودية والاردن شكل “لإول مرة في العالم العربي تحالفاً فعالاً من جل السلام عمل على التاثير في سياسات الولايات المتحدة والغرب، بدلاً من الاكتفاء بردود الافعال عليها “ (صفحة 155).

ولكن الكتاب لا يتوقف طويلاً أمام هذا النوع من “النجاحات” التي يعرفها الجميع، إنه يهتم بنوع أخر من “النجاحات”غير المعروفة للناس، النجاحات التي أنجزتها الدبلوماسية الأردنية بصمت، وسمع عنها الناس غالبا على أنها إنجازات دول أخرى.

من الأمثلة الهامة عن تلك “النجاحات” قصة المبادرة السعودية من أجل تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل، وفق مبدأ” انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية، مقابل التطبيع الكامل معها” وهي التي أصبحت تعرف بالمبادرة العربية بعد أن تبنتها الدول العربية في اذار / مارس 2002 في مؤتمر القمة في بيروت.

لقد سمع الناس أول مرة عن المبادرة السعودية في 6 شباط / فبراير 2002، من مقال في جريدة النيويورك تايمز للصحافي الأمريكي توماس فريدمان أقترح فيه أن تعرض 22 دولة عربية على إسرائيل أقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وتطبيع التجارة، وضمانات أمنية، مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود 4 حزيران / يونيو عام 1967. وبعد بضعة أيام، نشر فريدمان مقالاً تحدث فيه عن مقابلة أجراها في الرياض مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله، عرض عليه خلالها فكرة “الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل” فما كان من الأمير عبد الله إلا أن أتهم الصحافي، عن طريق الدعابة، بأن تلك الفكرة هي فكرته وأن الصحافي حصل عليها عبر سرقة أوراق مكتبه، لأن المملكة العربية السعودية في الطريق إلى القيام بمبادرة من أجل السلام مبنية على أساس “الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل”. وبعدها، قامت السعودية بإخطار الأمين العام للأمم المتحدة بأنها ستتقدم بالمبادرة إلى مجلس القمة العربي لنيل موافقة الدول العربية عليها. وهذا هو ما حصل، في الواقع، بعد أسابيع في مؤتمر القمة في بيروت.

وفي الكتاب نقرأ تفاصيل القصة “الحقيقية” وراء تلك المبادرة. فهي، حسب المؤلف، لم تبدأ مع مقال توماس فريدمان في شباط/ فبراير 2002، بل إبتدأت في عام 1998 ومع الملك حسين. ففي ذلك الوقت أخذ الملك يبدي تضايقه من الجمود الذي أصاب العملية السلمية بين الفلسطينيين وإسرائيل، ثم توصل إلى قناعة مفادها إن أسلوب تحقيق السلام بشكل تدريجي على مسارات مختلفة، لم يعد مجدياً، وأنه لابد من انتهاج أسلوب أخر تشترك فيه الدول العربية في مسار واحد يهدف إلى إنهاء الصراع، على أساس “الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل”، وأنه عرض الفكرة على الرئيس حسني مبارك حتى تقوم مصر بتبنيها وإقناع بقية الدول العربية بالموافقة عليها، وأن مبارك تحمس للفكرة ووعد بالدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية لتبنيها. ولكن ذلك لم يحصل، لأن وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها، مادلين أولبرايت، طلبت من مبارك عدم الدعوة لعقد مؤتمر قمة لأنها رأت أن مثل ذلك المؤتمر سيعمل على إجهاض الجهود الأمريكية من اجل تحقيق السلام. (صفحة 115) ثم مضت أربع سنوات قبل أن يعاد طرح الفكرة من جديد ضمن رسالة أرسلها الملك عبد الله الثاني إلى الرئيس جورج بوش في 8 سبتمبر / أيلول 2001 حتى يتسنى له مناقشتها في الاجتماع الذي كان مقرراً عقده بين الرجلين في 20 سبتمبر/ تشرين الثاني 2001. ولكن ذلك الاجتماع لم يتم بسبب أحداث يوم 11 سبتمبر. ولم يتم أحياء الفكرة من جديد إلا في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني لعام 2002 وعلى مائدة إفطار في أحد فنادق واشنطن حيث قام مروان المعشر، وكان سفيراً للاردن في الولايات المتحدة، بشرح الفكرة لتوماس فريدمان، كما جاءت في مقاربة الملك حسين عام 1998، وفي رسالة الملك عبد الله الثاني إلى الرئيس جورج بوش عام 2001، فتحمس فريدمان للفكرة بشدة، ويبدو أنه قرر في ذلك الصباح أن يطير إلى الرياض ويقوم بسرقتها من مكتب الأمير عبد الله.

وفي الكتاب قصص “حقيقية” وراء “نجاحات ” أخرى كثيرة، من أهمها القصة التي كانت وراء أطلاق ما أصبح يعرف باسم “خارطة الطريق”، إذ نقف على تفاصيل المحاولات المضنية التي قام بها المؤلف، كوزير للخارجية، مع اللجنة الرباعية ( الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الأمم المتحدة) ومع وزارة الخارجية الامريكية، تارةً، ومع البيت الابيض، تارة أخرى، من أجل التوصل الى اتفاق على “خطة محددة ومفصلة تنفذ ضمن مهلة زمنية محددة لتحقيق السلام” (صفحة 144). وكم من مرة ووجهت تلك المحاولات بعدم الاكتراث او الرفض الصريح حتى نجح اخيراً المؤلف في أن يعرض الموضوع على الرئيس بوش الذي قال له غاضباً “ماذا يريد الفلسطينيون مني؟ أعطيتهم تصوراً،.ما الذي يريدونه بعد؟” (صفحة 168) فقال له “سيدي الرئيس، يشك معظم الفلسطينيين في إمكان تحقق هذا التصور، جل ما نطلبه هو ترجمة تصوركم بحرفيته إلى خطوات عمليه. لا نطلب أي التزامات إضافية من جانبكم” ( ذات الصفحة) وعندئذ، فكر بوش للحظة، ثم نظر إلى المعشر وقال “لا مشكلة لديً في هذا“، ثم خاطب مساعد وزير الخارجية وليم بيرنز : ” لم لا تستبطنان شيئاً ما؟.“. وكان ذلك هو الأمر الرئاسي الذي أطلق مشروع خارطة الطريق. فبعد ذلك الاجتماع عقدت الاجتماعات والمداولات والرحلات المكوكية بين عواصم العالم حتى تم التوصل إلى الصيغة الرسمية لخارطة الطريق التي تبنتها اللجنة الرباعية وأعلنت السلطة الفلسطينية موافقتها عليها على الفور، بينما وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية مع أربعة عشر تحفظاً.

الان، كلنا يعرف أن بعض القراء يعتبرون تلك “النجاحات” أنجازات حقيقية، وأن بعضهم الأخر لا يعتبرها كذلك، ولكن من المؤكد أن جميع القراء سيستغربون عند قراءة الكتاب من كثرة عدد تلك “النجاحات”. ومن قصر المدة التي يعيشها كل واحد منها. لماذا هذه الكثره؟ ولماذا لا يعيش أي واحد من تلك “النجاحات” إلا فترة قصيرة جداً؟

الواقع أن أهمية كتاب “نهج الاعتدال العربي ” هو أنه يقدم أجوبة مقنعة لهذه الاسئلة، أذ يستطيع أي قارئ للكتاب، حتى وأن كان غير ملم بتفاصيل العملية السلمية في الشرق الأوسط، أن يكتشف بسرعة، ومن الطريقة التي يصف المؤلف يها المخاض العسير لولادة أي واحدة من تلك “النجاحات”، أن كل “نجاح”يتحقق، يكون في واقع الآمر بمثابة “مكسب ” بالنسبة لبعض اللاعبين في الصراع، و”خسارةً” بالنسبة للاعبين أحرين. وفي خلال أسابيع أو أشهر تتمكن الأطراف الخاسرة من تحطيم مكاسب الإطراف الرابحة، وذلك لسبب بسيط وهو أن كل طرف من أطراف النزاع الثلاثة: العرب، إسرائيل، والولايات المتحدة يضمدوماً رابحين وخاسرين في الوقت ذاته تجاه أي أتفاق يتم بينهم. وذلك لأنه ليس هناك طرف واحد من هذه الأطراف الثلاثة يملك وجهة نظر واحده تجاه القضايا المحورية للصراع. ففي الولايات المتحدة غالباً ما تكون وجهة نظر وزارة الخارجية على تناقض تام مع وجهة نظر البيت الأبيض، ومع وجهة نظر أعضاء أقوياء في الكونغرس، وفي إسرائيل هناك وجهات نظر كثيرة ومتنافرة لعدد كبير من الأحزاب وللمؤسسة العسكرية ومؤسسة المخابرات إضافة إلى قوى المستوطنين. أما في الطرف العربي، فإضافة إلى الانقسام الحاد بين معسكر “الاعتدال” ومعسكر “الممانعة”، هناك وجهات نظر متنافرة داخل كل معسكر، بل داخل كل دولة. الانقسام في الجانب الامريكي يخص طبيعة النظام الأمريكي. والانقسام في اسرائيل يخص طبيعة الحركة الصهيونية. ولذلك فإن ما يهمنا هنا هو الانقسام في الجانب العربي، ولا نقصد الانقسام بين معسكر “الاعتدال” ومعسكر “الممانعة”، ولكن الانقسام داخل كل طرف من أطراف معسكر الآعتدال. والمؤلف يعرض بشكل تفصيلي للانقسام الحاصل في الأردن، حيث يقول بوجود “مدرستين “. المدرسة السياسية التي تؤيد قيام دولة فلسطينية، وكان يرعاها الملك حسين وهي على صلات جيدة مع حزب العمال في إسرائيل، والمدرسة الأمنية التي تعارض قيام دولة فلسطينية، وكان يرعاها الأمير الحسن ولها صلات مع حزب الليكود في إسرائيل. وعندما كان المؤلف سفيراً في إسرائيل، كان الملك حسين يطالبه بعدم الاجتماع بزعماء الليكود الذين كانوا في المعارضة تلك الأيام، بينما كان الأمير الحسن يؤنبه لأنه لا يجتمع بهم. وأخيراً عندما أجتمع المؤلف بزعيم الليكود بنيامين نتنياهو بادره الآخير بالقول إن أسرائيل والاردن يلتقيان على مصلحة واحدة وهي عدم قيام دولة فلسطينية، وعندما عارض المعشر هذا القول وتحدث بمنطق المدرسة السياسية التي تجد أن من مصلحة الأردن قيام دولة فلسطينية قال له نتنياهو:” سعادة السفير، أظنني أفهم الموقف الأردني أفضل منك“. (صفحة 72 ) ووجود أكثر من “مدرسة” تجاه مواضيع القضية الفلسطينية يشكل خاص، ومواضيع الصراع – العربي الإسرائيلي بشكل عام، قائم بشكل حاد، وأن كان غير معلن، في ً المملكة العربية السعودية، كما أنه قائم بشكل حاد ومعلن في السلطة الوطنية الفلسطينية.

وهكذا يتضح لنا أن أي “نجاح ” يتحقق كاتفاق بين الأطراف الرئيسة الثلاثة للصراع يكون في واقع الأمر عبارة عن تأجيج للصراع بين القوى المختلفة داخل كل طرف من أطراف الصراع. ومن الطبيعي أن يقود ذلك الصراع إلى إضعاف التزام الأطراف الثلاثة بأي أتفاق. ولهذا نشهد انهيار الاتفاقات واحداً بعد الأخر، وتحول “النجاحات” إلى فشل بعد فشل.

ولهذا كله فأن سرعة تحول “النجاح” إلى “فشل” تتناسب طرداً مع أهمية “النجاح”، فكلما كان “النجاح” كبيراً، كان سقوطه يتم بسرعة كبيرة. ومن الأمثلة المهمة على ذلك، النجاح الذي حققه المؤلف فيما هو وزير للخارجية، في التوصل مع موظفي البيت الأبيض إلى صياغة رسالة من الرئيس بوش إلى الملك عبد الله الثاني في عام 2004.

كان الرئيس بوش قد التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في 14 إبريل/ نيسان من ذلك العام، وتبادلا رسائل علنية. وكانت رسالة بوش لشارون كارثة من وجهة النظر العربية، حيث أنها شكلت تراجعاً عن السياسة الأمريكية المعلنة وانحيازًا كاملاً للموقف الإسرائيلي. وقد شعرت الدبلوماسية الأردنية بحرج شديد من تلك الرسالة، فالغي الملك عبد الله الثاني زيارة كانت مقررة لواشنطن، وقام المعشر، وزير الخارجية، بزيارة واشنطن والاجتماع بموظفي البيت الأبيض لصياغة رسالة يقوم الرئيس بوش بتوجيهها للملك عبد الله تعمل على أيجاد توازن مع رسالته لشارون، حتى يتمكن الملك من الحضور لواشنطن. وبعد مفاوضات طويلة، وجهود مضنية، تمكن المعشر من الاتفاق مع المسئولين في البيت الأبيض على صياغة رسالة أعتقد أنها تدحض ما جاء في رسالة بوش لشارون، وقد شعر بالاعتزاز من هذا النجاح الكبير، وخصوصاً عندما عرض الرسالة على وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذي قال له بصراحة :” ما كانت وزارة الخارجية لتحصل على رسالة بهذه القوة”(صفحة 213).

وقد مهدت تلك الرسالة لزيارة الملك لواشنطن والاجتماع بالرئيس بوش وعقد مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، في السادس من أيار/ مايو 2004. وعلى أثر ذلك المؤتمر أتصل كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ليهنئ المعشر ويقول له “انه افتخر كثيراً بالملك عند مشاهدته حفل حديقة البيت الأبيض على شاشة التلفزيون” (صفحة 216).

بعد أسابيع قليلة من ذلك النجاح الكبير، النجاح الذي حرك، وفق رواية المعشر، شعور الاعتزاز عند الدبلوماسية الأردنية، وشعور الفخر عند السلطة الفلسطينية، وشعور الحسد عند وزارة الخارجية الأمريكية، أستقبل الرئيس بوش الملك عبد الله الثاني وقال له :” لقد سئمت من المسألة الفلسطينية-الإسرائيلية” (صفحة 217 ).

كان المسئولون الأمريكيون يسأمون في أحيان كثيرة من العملية السلمية في الشرق الأوسط، فيعمدوا الى إيقاف تدخلهم المباشر فيها، وكان المسئولون الإسرائيليون يعلنون، بين الحين والأخر، عن خيبة أملهم من العملية السلمية وتوصلهم إلى القناعة بأنه لا يوجد لهم شريك للسلام في الجانب الفلسطيني فيعمدوا الى تعطيل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. ولم يكن يخفى على أي مراقب محايد أن سأم ادارة بوش لم يكن أكثر من الامعان في سياستها الثابته في اطلاق العنان لليمبن الاسرائيلي لفرض سياسات الأمر الواقع دون تدخل والتظاهر بأن الامر يعود الى ارادة الطرفين كما أن سأم الحكومة الاسرائيلية ليس الا تعبيرا تضليليا عن رفضها من الناحية الفعلية التفاوض بصورة جدية مع أي طرف فلسطيني مهما كان معتدلا لأن أقصى ما يمكن أن تقدمه هو أقل بكثير من الحد الأدنى الذي يمكن أن يقيل به الشعب الفلسطيني أو أي شعب أخر يسعى لنيل حريته.

أما رباعية الاعتدال العربي (مصر والسعودية والأردن والسلطة الفلسطينية) فانها لا تصاب بالسأم ولا بخيبة الأمل، وعلى العكس فان حيويتها ونشاطها يزدادان بعد كل نكسة تحل بالعملية السلمية فيبدأ فرسانها بالزيارات المكوكية لعواصم العالم، والاجتماعات التي لا تنتهي حتى يتمكنوا من القضاء على السأم الأمريكي، أو خيبة الأمل الإسرائيلي وتعود العملية السلمية إلى مسارها من جديد.

وبعد أن يأتي الكتاب على تكرر ذلك المشهد شهراً بعد أخر، وسنة بعد سنة، يصبح من الواضح لإي قارئ جاد للكتاب أن هناك شبهاً كبيراً بين ظاهرة أصحاب النفوذ في أنظمة بلدان الاعتدال العربي الذين يصرون على التمسك بالعملية السلمية بشكل دائم ومستمر ومطلق، وبين ظاهرة ” أمراء الحرب”.

من المعروف أن ظاهرة “أمراء الحرب” تحدث في الحروب الأهلية بعد أنهيار السلطة المركزية للدولة وقيام أشخاص أقوياء، يتمكنون من السيطرة على مناطق معينة من البلاد وفرض سلطتهم عليها بقوة السلاح، وحينئذ تنشأ لهؤلاء المتنفذين الآقوياء مصالح أقتصادية وسياسية لا يستطيعون الاحتفاظ بها الإ عن طريق الاستمرار في الحرب، وفي شكل مشابه فنحن نرى أنه بعد أن أنهار إجماع النظام الرسمي العربي بالنسبة لقضية العرب المركزية،فلسطين، ظهرت فئات عديدة داخل تلك الآنظمة تعمل على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية عن طريق الحصول على التأييد الآمريكي. وهو تأييد لا يستطيع هؤلاء ضمانه الا عبر الحصول على التأييد الاسرائيلي لهم، والذي يدفعهم الى الاستمرار بشكل دائم في العملية التي أصبحت تعرف بإسم “العملية السلمية” ويقود هذه الفئات أشخاص يمكن وصفهم بأنهم “أمراء السلام” على أساس أن مصالحهم أصبحت مرتبطة بأستمرار “العملية السلمية”، تماماً كما أن مصلحة “امراء الحرب ” مرتبطة بإستمرار الحرب.

كيف نشأت ظاهرة “أمراء السلام” وكيف أرتبطت مصالح الذين يمثلوها باستمرار “العملية السلمية”؟

_____________

* المقال منشور في عدد اذار/ مارس 2009 من مجلة وجهات نظر.


[1] مروان المعشر، نهج الأعتدال العربي: مذكرات سياسية 1991-2005، بيروت دار النهار، 2008