” أمراء السلام “: لماذا أستوطن “المعتدلون العرب” في ميونخ؟ (الحلقة الثانية)

فضل مصطفى النقيب

جامعة واترلو – كندا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1880)

(2)

لا يمكن الاجابة على هذا السوال بدون أخذ الفكرة المحورية الثانية في كتاب “نهج الأعتدال العربي” في الإعتبار.

يرى المؤلف أن تكرار مبادرات السلام العربية قد نجحت في أقناع العالم ” بطريقة لا يرقى اليها الشك، ان قوى الإعتدال العربي موجودة فعلا “، وأنها ” هي التي أطلقت معظم المبادرات السياسية في الأعوام الخمسة الماضية – لا سيما مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق – من أجل الخروج من المأزق ودفع عملية السلام نحو الأمام ” ( صفحة 258 ).

وهو يرى أن أهم ما يهدد قدرة قوى الأعتدال العربي على الإستمرار في نهج الإعتدال هو أن تلك القوى كرست نهج الاعتدال في عملية السلام ولم تكرسه في ” مشاغل أخرى مثل الحاكمية الرشيدة والرفاه الاقتصادي والمشاركة في صنع القرارات” (ذات الصفحة ).

وهذا هو المحور الثاني للكتاب الذي ينتقد فيه المؤلف حكومات الاعتدال العربي في أنها لم تعمم سياسة الاعتدال التي أتبعتها في العملية السلمية على أوضاعها الداخلية، وهو يقول:

التعايش والتنوع والاعتدال، قيم لا تنطبق على عملية السلام فقط، بل بجب أن تمارس أيضاً داخل المجتمعات العربية. فالحكومات العربية لا تستطيع أن تطلب من العرب الموافقة على إقامة علاقات مع إسرائيل، الدولة العدوة منذ ستة عقود، بينما تأبى القبول بالأحزاب المعارضة في بلدانها، فهذا يفقدها الصدقية في عيون شعوبها“(صفحة 260 ).

والمعنى الواضح لهذا الكلام هو إعتقاد مؤلف كتاب “نهج الإعتدال العربي” أن أنظمة الإعتدال العربي قد نجحت في سياستها “الخارجية” وفشلت في سياستها “الداخلية”.وهو قول غريب جداً إذ أنه يتناقض مع طبائع الأمور ومع أبسط مفاهيم المنطق السياسي، كما أنه يتناقض بشكل كامل مع السجل التاريخي للعلاقة بين “السباسةالخارجبة” و “السياسة الداخلية” لأنظمة “الاعتدال العربي”.

يبدو غريباً جداً أن يكون هناك من يعتقد أن الدول تختار “سياستها الخارجية” بشكل مستقل عن “سياستها الداخليه”. فطبائع الاشياء تفرض أن تكون السياسة الخارجية تعبيراً عن متطلبات السياسة الداخلية. فالدولة، في أي بلد، تعمل على حماية مصالح معينة ( قد تكون المصالح الوطنية، وقد تكون مصالح طبقة معينة أو فئة معينة)، وهي تختار السياسات التي تعتقد أنها تضمن حماية تلك المصالح، فتقوم بتطبيق بعض تلك السياسات في الداخل، والبعض الآخر في الخارج. وهناك مقولة من القرن التاسع عشر، لا يكل الاستاذ محمد حسنين هيكل من ترديدها في أحاديثه الاسبوعية على شاشة الجزيرة، تقول : ” ليست هناك سياسة خارجية لإي بلد، ولكن هناك سياسة داخلية تفرض اسلوب التصرف الخارجي للبلد. ” وفي منتصف القرن العشرين أكتسبت مقولة ” كل السياسة هي سياسة محلية”،( All politics is local) لرئيس مجلس النواب الامريكي المشهور توماس أونيل (1912 – 1994 ) شهرة طاغية في الاوساط الآمريكية، إذ أنها أعادت صياغة مقولة القرن التاسع عشر بلغة السياسة الامريكية. وهي مقولة تؤكد حقيقة أن ما تتخذه حكومة أي بلد في العالم من مواقف، تجاه بلدان العالم الاخرى، ما هو في الواقع الإ امتداداً للمواقف التي اتخذتها تلك الحكومة تجاه أوضاع بلدها الداخلية، أي أن الممارسات الخارجية لإي دولة تأتي دوماً تعبيراً عن الممارسات الداخلية في تلك الدولة.ولذلك فالقول بإن دول “الاعتدال العربي” نجحت في “إختيار” سياستها الخارجية وفشلت في إختيار سياستها الداخلية، هو قول لا معنى له من الناحية المنطقية.

ومن ناحية تاريخية، فالعلاقة بين نشوء ما يدعوه المؤلف بنهج “الاعتدال العربي” وتطوره وبين تطورات الاوضاع الداخلية لبلدان دول الاعتدال علاقة واضحة لا التباس فيها.

لنأخذ مصر، وسنرى أن تطور سياسة “الاعتدال” فيها تجاه الصراع العربي-الاسرائيلي كان تعبيرأ عن تطور الاوضاع الداخلية لمصر. ومن الممكن المرور السريع على ثلاثة مراحل مميزة في ذلك التطور.

المرحلة الاولى تخص العهد الملكي،حيث كان عنوان المشهد السياسي هو النضال لتحقيق الاستقلال من الاستعمار البريطاني، وحيث كان هناك ملك، وحزب أغلبية (الوفد) وأحزاب أقلية (السعديين والاحرار الدستوريين)، واحزاب عقائدية ( الاخوان والشيوعيين). ومن المعروف أن الحكومة عام 1948 كانت بيد الاحزاب الاقلية (حكومة النقراشي) وان تلك الحكومة رأت أن من مصلحة مصر عدم خوض الحرب في فلسطين ولكن هذه الحكومة أضطرت الى دخول تلك الحرب تحت ضغط الرأي العام الذي كان يرى أن المعركة ضد الاستعمار والمشروع الصهيوني هي معركة واحدة أي أن السياسة الداخلية المتمحورة حول قضية التحرر الوطني فرضت السياسة الخارجية في دخول الحرب.

المرحلة الثانية كانت مرحلة ثورة 23 يوليو، ومن المعروف أن النهج الذي إختطته الثورة في سنواتها الاولى كان نهج العمل على تحقيق جلاء القوات البريطانية وتكريس سياسة التحرر وعدم الانحياز، وتحقيق التنمية الوطنية بشكل يعيد توزيع الدخل القومي لصالح الاغلبية الفقيرة. ولم يكن في أولويات الثورة، في تلك السنوات، أي مكان للصراع العسكري مع اسرائيل. والذي حدث أن الدول الاستعمارية واسرائيل عارضت مشروع التحرر والتنمية المستقلة في مصر وشنت عليها حرب 1956، وهكذا كان أختيار الثورة لسياسة داخلية تعتمد على التنمية المستقلة هو الذي عكس نفسه في سياسة خارجية كرست الصدام مع اسرائيل.

المرحلة الثالثة كانت مرحلة الارتداد على سياسة التنمية المستقلة، وتكريس نهج التبعية للراسمال العالمي، التي قادها أنور السادات، ولقد كان من المستحيل المضي في تلك السياسة بدون تكريس التبعية للسياسة الامريكية التي تتطلب أول ما تتطلب الصلح مع إسرائيل. وهكذا نرى أن سياسة الصلح مع إسرائيل، كانت كسياسة الصدام مع إسرائيل، تعبيراً عن متطلبات السياسة الداخلية في مصر.

ولنأخذ السعودية، ثانياً، وسنرى أن علاقتها بالصراع العربي- الاسرائيلي قد مرت بأربعة مراحل، وان تلك المراحل كانت تعبيراً أميناً على تطور الاوضاع الداخلية في المملكة في العقود الماضية.

المرحلة الاولى تخص الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، عندما كانت الاوضاع الداخلية في المملكة توصف بالهادئة والامنة والمستقرة وذلك بفضل الثروة الهائلة التي بدأت تنهال على المملكة من عائدات النفط من ناحية، وبفضل نظام القرون الوسطى الذي كرسته العائلة السعودية، وهو نظام وصفه الروائي عبد الرحمن منيف، الذي نزعت عنه الحكومة السعودية الجنسية، بقوله “…نحن نعيش في نظام لا يمنع فقط حرية المعارضة، انه يمنع أيضاً حرية التأييد” وفي تلك المرحلة لم تكن الاسرة المالكة تشعر بأي تهديد لشرعيتها ولذلك كانت تأخذ موقفاً متشدداً في مجال الصراع العربي – الاسرائيلي وإن كان في عمومه موقفاً لفظياً.

المرحلة الثانية كانت المرحلة الضبابية التي أتخدت فيها الاسرة السعودية مواقف متناقضة من الصراع العربي -الاسرائيلي. بدأت تلك المرحلة عندما بدأت الاسرة السعودية تشعر برياح التغيير تهب في المنطقة بعد قيام ثورة اليمن عام 1962 ولم يعد بإمكانها البقاء خارج حلبة الصراع العربي – الاسرائيلي كما كانت في المرحلة السابقه، على أساس أن سياستها المبنية على أساس الابقاء على أوضاعها الداخلية بدون تغيير ومحاربة رياح التغيير في المنطقة فرضت عليها أن تكون مع اسرائيل في معسكر واحد أثناء حرب اليمن، وخلال سنتين كان سلاح الجو الاسرائيلي يطبر فوق السواحل الشرقية للمملكة ليلقي بالمساعدات لحلفاء السعودية من القوات الملكية اليمنية.[1]

ولكن متطلبات الحفاظ على الاوضاع الداخلية للمملكة بدون تغيير تبدلت في بداية السبعينات حين ظهر التعاطف الشعبي العربي الهائل مع المقاومة الفلسطينية ثم الاجماع العربي الهائل على الوقوف مع سوريا ومصر في حرب عام 1973، وقد قاد هذا الاسرة السعودية الى أتخاذ موقف معادي للمعسكر الامريكي-الاسرائيلي وتبني سياسة قطع امدادات النفط عن الولايات المتحدة الامريكية.[2]

المرحلة الثالثة التي أتصفت بأتخاذ الاسرة السعودية دوراً نشيطاً في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وقد تجلى ذلك النشاط في مبادرة الملك فهد للسلام التي طرحتها المملكة على القمة العربية المنعقدة في فاس عام 1982.فلقد جاءت تلك المبادرة تعبيراً عن ظهور تحديات كبيرة لشرعية العائلة السعودية، إذ شهدت سنوات اخر السبعينات ظهور تصدع في التحالف الذي قامت على اساسة المملكة عام 1932 بين العائلة السعودية والمؤسسة الوهابيه وتجلى هذا الصدع في حادث إحتلال الحرم الشريف في مكة في نوفمبر / تشرين الثاني عام 1979 الذي انتهى بمقتل العشرات ثم باعدام قائد المتمردين جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي مع العشرات من أتباعه. وفي الوقت ذاته ظهر التحدي الذي مثلته الثورة الاسلامية في إيران وظهور الحركات الاسلامية المعادية للولايات المتحده. وقد كان من تداعيات تلك التحديات تعاظم قوة أتجاه جديد في الاسرة السعودية يقوده الامير بندر بن سلطان (وهو من ظل سفير المملكة في واشنطن لحوالي عشرين سنة) وكان يرى ان التصدي للتحديات التي تواجهها الاسرة السعودية لا يتم الا عبر تطوير العلاقة السعودية- الامريكية الى تحالف استراتيجي كامل في كل الشؤون السياسية والعسكرية والامنية والاقتصادية، وأن مثل هذا التحالف لا يتحقق الإ اذا أظهرت السعودية مرونة في موضوع الصراع العربي – الاسرائيلي. وفي تلك الفترة بدأت المملكة العربية السعودية، باشراف بندر، بتوظيف شركات “العلاقات العامة” الامريكية للمساهمة في رسم سياسات المملكة، ومن المعروف أن بندر لعب دوراً هاماً في إقناع الملك فهد بتقديم مبادرة السلام في مؤتمر القمة العربي في فاس.

المرحلة الرابعة، التي إبتدأت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول لعام 2001 في الولايات المتحدة، وفيها أخذت الحكومة السعودية في لعب دور قيادي في تبني العملية السلمية وفق الاملاءات الاميركية، ففي هذه المرحلة تعرضت الاسرة السعودية لإخطر تحد واجهتة منذ تأسيس المملكة. وجاء هذا التحدي من ثلاثة مصادر. الاول من الكونغرس الامريكي، الذي رأى أن الحكم السعودي المتزمت أوجد تربة خصبة لولادة الحركات الاصولية الارهابيه فأخذ يطالب الاسرة السعودية بالقيام باصلاحات سياسية تفسح المجال امام الامراء الشباب الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات الامريكية لتسلم مهام قيادية في الحكومة. وكان ذلك يثير قلق الكثيرين من أفراد الاسرة السعودية الاخرين. أما المصدر الثاني فجاء من الحركات الاصولية التي أخذت تقوم بعمليات ارهابية داخل المملكة، وكان المصدر الثالث للتحدي هو نمو ظاهرة المعارضة لنظام الاستبداد السعودي من أعداد متنامية من المثقفين ونخب الطبقة الوسطى. ولقد أشارت شركات العلاقات العامة الآمريكية على الامير (ثم الملك) عبد اللة بإن أفضل طريق لمواجهة هذه التحديات هي ضمان التأييد الامريكي بشكل مطلق، وأن أقصر الطرق لضمان ذلك التأييد هو في التقرب من اسرائيل. وفي هذا السياق قام الأمير ثم الملك بتقديم المبادرة السعودية للسلام مع اسرائيل وفق مبدأ الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل، كما أخذ يتخذ مواقف معادية لنهج المقاومة في فلسطين ولبنان ويقود ما أصبح يعرف بنهج “الاعتدال العربي”.

يتضح من هذه المراجعة التاريخية السريعة أن السياسة الخارجية لمصر والسياسة الخارجية للسعودية، تجاه قضايا الصراع العربي – الاسرائيلي تطورتا في نحو شكَل تعبيراً صادقاً عن تطور أزمة الشرعية في نظام حكم البلدين، وفي هذا السياق يتضح أن مقولة المؤلف في أن نهج “الاعتدال العربي” كان في الواقع نهجاً اردنياً هي مقولة صحيحة على أساس أن الافتقاد الى الشرعية الذي أخّذ النظام المصري يعاني منه منذ نهاية السبعينات، وبدأ النظام السعودي يعاني منه منذ أواخر الثمانينات، كان النظام الاردني يعاني منه قبل ذلك بعقود، بل أن النظام الأردني عانى من الافتقاد للشرعية منذ ولادة الدولة الأردنية في سنة 1921. إذ أنه من المعروف أن الذي أسس الكيان الأردني كان الاستعمار البريطاني ولاسباب مرتبطة بشكل عضوي بمتطلبات الرعاية البريطانية للمشروع الصهيوني، ومن هنا نفهم طبيعة التناقض الذي عاشه المؤلف، فالمعشر، عندما أصبح نائباً لرئيس الوزراء مسؤولاًًً عن قضايا الاصلاح، حاول بجهد وصدق أن يغير من “السياسة الداخلية” في الأردن حتى تتلائم مع سياسة الاعتدال الخارجية، وهو غير واع لحقيقة أن سياسة “الإعتدال”الخارجية التي يتحمس لها، كانت في الواقع تعبيراً عن سياسة “الاستبداد” التي يمقتها ويعمل على تغييرها. فالحقيقة الصارخة في العالم العربي أن “لاستبداد” في الداخل و”الاعتدال” في الخارج ما هما الا وجهين لعملة واحدة لها اسم واحد وهو “غياب الشرعية”.

الافتقاد للشرعية هو ما يفسر أصرار “امراء السلام” على التمسك بالإستمرار في العملية السلمية بشكل دائم، ومطلق، على أساس انها المصدر الوحيد الذي يمنحهم “شرعية أمريكية” يعتقدون أنها كافية لتعويضهم عن “الشرعية الوطنية” التي ليس بامكانهم الحصول عليها.

البحث الدائم والمحموم عن الشرعية في الخارج، يتصف بالسلوك العصبي والعبثي أحياناً، وهو السلوك الذي نشاهده يومياً في تصرفات “امراء السلام” في هرولتهم الدائمة من لقاء الى اخر، ومن مؤتمر الى اخر، ومن مبادرة سلام الى أخرى، فالمهم بالنسبة لهؤلاء ليس ما يحدث في اللقاء أو المؤتمر أو المبادرة ولكن مجرد حدوث اللقاء وانعقاد المؤتمر وظهور المبادرة، على أساس أن في ذلك ضماناً لإستمرار التأييد الأمريكي لهم.

وفي هذا السياق يبدو نهج “أمراء السلام”، كنهج شخص يعيش في بلد ما على أساس تأشيرة إقامة مؤقتة. ولذلك فإن من المفروض عليه كلما انتهت صلاحية التأشيرة أن يكرس كل جهده للحصول على تمديد لها.لفترة أخرى.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو اسم البلد الذي يعيش فيه “أمراء السلام” العرب بتأشيرة أقامة مؤقته؟


[1] أعلنت الحكومة السعودية أكثر من مرة أنها لم تكن على علم بذلك ‘ على أساس أن شركة بريطانية قامت، بتمويل سعودي، بالاتفاق مع الحكومة الاسرائيلية على القيام بعمليات سلاح الجو الاسرائيلي.، وليس مهماًإذا كان ذلك النفي صحيحاً أو كاذباً فالمهم في الموضوع هو أن مصلحة الاسرة السعودية ومصلحة اسرائيل كانتا في جانب واحد أثناء حرب اليمن.

[2] هناك من يعتقد أن ذلك الموقف الذي قاده الملك فيصل كان وراء اغتياله، ولكن ليس هناك إثبات على ذلك.