“زلزال غزة” والقضية الفلسطينية

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1880)

ما شهده قطاع غزة من حرب بربرية ومقاومة باسلة وصمود أسطوري على مدى اثنين وعشرين يوما متواصلة، في الفترة ما بين السابع والعشرين من شهر كانون الأول 2008 والثامن عشر من كانون الثاني 2009، وما تسبب به من تداعيات ومواقف عربية وإقليمية ودولية، يستحق ان يعتبر زلزالا. ولا يأتي هذا الاعتبار صيغة مجازية أو صيغة من صيغ المبالغة نستعملها لتعظيم حدث نريد له أن يكون عظيما، بل يأتي توصيفا واقعيا تؤيده الوقائع التي رافقته وترتبت عليه، إلى درجة تفرض أن يؤرخ به فيقال “ما قبل غزة” و “ما بعد غزة”، لأنه أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد أن كادت تتوارى عن الأنظار لتصبح مجرد هامش على أجندة “المجتمع الدولي”.

ما قبل الزلزال

لم يكن “زلزال غزة” وليد ساعة أو يوم أو سنة، بل كان نتيجة حدث تاريخي آخر تعود جذوره القريبة إلى ستين عاما مضت أرخ لنكبة الشعب الفلسطيني وإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية. في تلك اللحظة، من يوم الخامس عشر من شهر أيار من العام 1948، فتح ملف “القضية الفلسطينية” التي كانت في ذاتها ومنذ البدء عقدة مرشحة للاستعصاء على الحل العادل، لأنها كانت تختزل قضية الحق في مواجهة الباطل المؤسس على الاغتصاب والظلم واستخدام القوة. ومع مرور الأيام والسنين، وتجنب المقاربات المقبولة لدى أصحاب الحق، وتمسك المغتصبين بما اغتصبوا، كانت القضية تزداد تعقيدا لتبقى قريبة من نقطة الاستعصاء. لقد كان لانحياز القوى الكبرى الخالقة والمساندة للباطل الصهيوني، وديمومة الخضوع والعجز العربيين، وتراجع دور المؤسسات الدولية وانكشافه لمصلحة الأقوياء وإن كانوا ظالمين، جعل القضية العادلة تتراجع بدورها وباستمرار لتستقر على هامش اهتمامات العالم، وليرشحها التراجع المستمر للتصفية النهائية عبر التآكل ومشاريع “التسوية” التي اتضح أنه لا هدف من ورائها سوى شراء الوقت وصولا إلى لحظة التصفية النهائية.

لقد سبق لحظة الوصول إلى زلزال غزة الوقوف في محطات كثيرة دفع فيها الشعب الفلسطيني أثمانا باهظة من دماء أبنائه دون أن يحقق شيئا من أهداف نضاله الوطني الطويل، بل كان كل يوم يمر يحمل مخاطر جديدة على قضيته الوطنية مع ثباته على حقه وتضحياته لإبقاء القضية حية، لكن الرسم البياني كان يؤشر على تراجع الاهتمام الدولي بل والعربي الرسمي بالقضية التي لم تعد من أولويات “المجتمع الدولي” أو أولويات الدول الكبرى المتحكمة بالقرار الدولي، بالرغم من تكرار وصف الصراع العربي- الصهيوني بأنه يهدد السلام والأمن الدوليين.

وتمثلت المحطة الأخطر والأكثر دلالة على التوجه الدولي لتصفية القضية الفلسطينية في “اتفاق أوسلو”، الذي تم الإعلان عنه في الثالث عشر من شهر أيلول 1993، ذلك الاتفاق الذي منح الفلسطينيين “حكما ذاتيا إداريا محدودا”، اعتبره التيار المركزي في الحركة الوطنية الفلسطينية، الذي كانت تمثله حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، مرحلة نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة في حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع التمسك (لفظيا) بحق عودة اللاجئين. أما القيادة الإسرائيلية، التي وقعت على الاتفاق فكانت تنظر إليه نظرة مختلفة لا تتجاوز النظرة إلى “الحكم الذاتي الإداري المحدود”، حيث أنها أجلت ما أطلق عليه “قضايا الحل النهائي” – وهي قضايا الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين- إلى أجل مفتوح. كان الغرض من هذا التأجيل هو شراء الوقت لمصادرة ما يتطلعون إليه من الأرض، وتهويد القدس، أولا، وعندما ينتهي ذلك يأتي الحديث عن “قضايا الحل النهائي” حيث لا يجد المفاوض الفلسطيني ما يتحدث عنه أو يفاوض عليه، وتكون الأمور قد سويت وانتهت عند ما سيفرضه الأمر الواقع. أكدت صحة هذا التصور النتيجة الصفرية التي تحققت في سبع سنوات من المفاوضات ما بين توقيع الاتفاق في أيلول 1993 وأيلول 2000، كان آخرها مفاوضات ما سمي (كامب ديفيد 2) أثناء رئاسة زعيم حزب العمل إيهود باراك، والتي شارك فيها الرئيس الأميركي بيل كلينتون في آخر أيام ولايته الثانية، والذي وضع مسؤولية فشلها على كاهل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي فرضت عليه بعدها الإقامة الجبرية في مبنى المقاطعة في رام الله، لتخرج المقولة الإسرائيلية الشهيرة: (لا يوجد شريك فلسطيني).

ونتيجة لفشل المفاوضات، ووضع عرفات قيد الإقامة الجبرية، اندلعت (انتفاضة الأقصى) في الذكرى الثامنة لتوقيع “اتفاق أوسلو”، وجاء اندلاعها بسبب مباشر هو تدنيس أرئيل شارون للمسجد الأقصى. لكن السبب الحقيقي كان يعود إلى فشل المفاوضات، وانكشاف مضمون “اتفاق أوسلو”. تبع ذلك في العام 2002 عملية عسكرية واسعة ضد جماهير الانتفاضة أطلق عليها عملية “السور الواقي” اجتاحت فيها قوات الاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة بقيادة شارون فأعادت احتلالهما مسقطة بذلك “اتفاق أوسلو”، فقيل في حينه إن شارون وحزبه لم يوافقا منذ البداية على الاتفاق. هكذا خلق فشل مفاوضات (كامب ديفيد 2)، قناعة فلسطينية أن الإسرائيليين لا يسعون إلى السلام أو التسوية السياسية، بينما تركت (انتفاضة الأقصى) قناعة لدى أوساط إسرائيلية مسموعة بأنه لم يبق أمام الإسرائيليين للحفاظ على بقائهم ووجودهم وحل المشكلة الفلسطينية إلا القوة، ولا شيء غير القوة.

كانت وفاة ياسر عرفات مسموما، ومجيء محمود عباس، المرشح من قبل الإسرائيليين والأميركيين للحلول محل عرفات قبل وفاة الأخير، فرصة لإعادة نسج الأكاذيب حول نهج المفاوضات، خصوصا أن عباس كان دائما يعلن عدم إيمانه بالمقاومة سبيلا إلى انهاء الاحتلال، أو استرداد الحقوق الوطنية، ولم يعترف يوما بغير المفاوضات سبيلا إلى ذلك. وهكذا بدأت دورة جديدة لعجلة المفاوضات التي سبق وأثبتت السنوات عبثيتها ولا جدواها. وصبت وعود الرئيس الأميركي الجديد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، جورج دبليو بوش الذي كان قد وصل لتوه إلى البيت الأبيض، الماء في طاحونة المفاوضات وأنصارها من جديد. لكن ولايتي بوش انتهتا، ومعهما وعوده وخرائطه ومؤتمراته التي عقدها من “أجل الدفع بعملية السلام” دون أن يتحقق منها شيء غير إضاعة الوقت وخسران الفلسطينيين المزيد من أرضهم وتوسيع المستوطنات التي جعلها بوش غير خاضعة للنقاش بوصفها “وقائع جديدة” لا بد من التسليم بها. وكان السبب الحقيقي لكل الفشل الذي حظي به أنصار نهج المفاوضات من الفلسطينيين يكمن في حقيقة بسيطة هي أن الإسرائيليين لم يفكروا يوما في إعطاء الفلسطينيين شيئا، أو الاعتراف بأي من حقوقهم الوطنية، سواء قبل أو بعد “اتفاق أوسلو”.

في الأثناء كانت قد جرت الانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967 تحت ضغط مطالبات “المجتمع الدولي” بإجرائها. وباعتراف هذا “المجتمع الدولي”، كانت حرة ونزيهة وشفافة. وفازت فيها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ولم يكن هو المطلوب أو المقصود من إجرائها. في الفترة نفسها، وبالتحديد بعد فوز (حماس) بشهور قليلة، كان الجيش الإسرائيلي يخرج من هزيمة منكرة في جنوب لبنان أصابته على أيدي مقاتلى حركة المقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله). ولم يكن ممكنا قبول مقاومة إسلامية أخرى في غزة. هزيمة الجيش الإسرائيلي في “حرب لبنان الثانية”، جعلت القيادة الإسرائيلية ترى أن من الضروري استعادة “قوة الردع” التي سقطت في جنوب لبنان لتمنع العرب من أن يعترضوا على ما سوف تقرره مستقبلا بشأن الفلسطينيين وقضيتهم. ولأن حركة (حماس) لم تكن شريكا في المفاوضات الجارية مع فريق “السلطة الفلسطينية”، صارت عقبة في طريق هذه المفاوضات، وأصبح لا بد من التخلص منها بأية طريقة ممكنة. وعليه، واستجابة للمخططات الإسرائيلية، فرضت أميركا وأعوانها العزل والحصار على القطاع، وجيء بالجنرال الأميركي كيث دايتون ليتدبر الأمر ويرتب أوضاع محمد دحلان وتياره لتنفيذ انقلاب على حركة (حماس) استباقا للخطر الداهم. لكن حركة (حماس) استشعرت ما يخطط لها فاستبقت الأمر وقلبت الطاولة على دحلان وأعوانه في 14 حزيران 2007.

لم تمثل سيطرة حركة (حماس) على القطاع خطرا يتهدد نهج المفاوضات وتياره في الساحة الفلسطينية فقط، بل رأت فيه القيادة الإسرائيلية أيضا تكريسا وتعاظما لخط المقاومة فيها، فانتهت إلى استخلاص مفاده أن هجوما صاعقا على غزة يمكن أن يحقق لها الكثير من الأهداف، بعضها لترميم هيبتها وقوة ردعها اللتين ضاعتا وتمرغتا في وحل هزيمة جنوب لبنان، ثم القضاء على المقاومة الفلسطينية ونهجها، ما يسهل على تيار المفاوضات الفلسطيني قبول ما يعرض عليه من فتات، ومن ثم تمرير تصفية القضية الفلسطينية.

لتحقيق ذلك كله، جاء زلزال غزة.

وسط الزلزال

في التاسع عشر من كانون الأول 2008 انتهت “تهدئة” بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني دامت ستة أشهر لم يلتزم ببنودها الجانب الإسرائيلي، إذ كان يفترض أن يرفع خلالها الحصار عن قطاع غزة وأن تفتح المعابر المؤدية إليه، إضافة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وكان المطلوب، من وجهة النظر الإسرائيلية ومن يؤيدها، أن يتم تجديد “التهدئة” دونما تغيير في الظروف التي كانت سائدة عند انتهائها، وهو ما رفضته حركة (حماس) وفصائل المقاومة. في الأثناء، كانت التهديدات الإسرائيلية تتزايد، وكثر الحديث عن “عملية عسكرية واسعة” تنوي قوات الاحتلال تنفيذها في غزة، كان الغرض منها القضاء على المقاومة وإعادة سلطة محمود عباس إلى غزة وتحرير الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط. كل ذلك في وقت لم يكن قد بقي إلا بضعة أسابيع على مغادرة جورج بوش البيت الأبيض، وكذلك على انتخابات الكنيست الثامنة عشرة في ظل تهم بالفساد تواجه رئيس الوزراء إيهود أولمرت، وتآكل شعبية حزبي “كاديما” بزعامة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، وحزب العمل بزعامة وزير الدفاع إيهود باراك.

بكلمات قليلة كان ظرفا مواتيا للثلاثي الإسرائيلي الحاكم، أو هكذا بدا له الأمر، لينفذ خطة وضعها منذ شهور، وتحدد صباح اليوم السابع والعشرين من شهر كانون الأول ليبدا الهجوم الجوي الصاعق على طريقة “الصدمة والترويع” الأميركية، حيث شاركت في الهجوم ستون طائرة من نوع (إف- 16) ألقت من القنابل في اليوم الأول فقط، حسب بعض الخبراء العسكريين، ما يعادل القنبلتين الذريتين اللتين ألقاهما سلاح الجو الأميركي على هيروشيما وناغاكازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية.

جاء العدوان على غزة ترجمة لعقيدة عسكرية تمثل قمة الهمجية والسادية فحواها، كما أوضحها المعلق السياسي الإسرائيلي عوفر شيلح في صحيفة (معاريف- 28/12/2008)، أن تتصرف إسرائيل باعتبارها “دولة هوجاء” في مواجهة أعداء يتبنون استراتيجية الاستنزاف وإطلاق النار عن بعد، أي أن ترد على مصادر النار بعملية عسكرية كبيرة ووحشية بغض النظر عن عدد الضحايا في صفوف هؤلاء الأعداء، إنها عقيدة “كل شيء مباح في الحرب”… والهدف تحقيق الحسم السريع والردع القوي. وقد نقل معلق إسرائيلي عن مصدر أمني بداية العدوان قوله: “ليس مهما كم يسقط من المدنيين الفلسطينيين، وليس مهما حجم الدمار الذي يلحق بهم، المهم هو الحفاط على حياة جنودنا. ولا تهمنا الاحتجاجات الدولية التي سنتعامل معها بعد أن تنتهي الحرب”!

وهكذا كان الأمر بالنسبة لوحشية هذه الحرب ما جعل صحيفة (الأوبزيرفر-18/1/2009) البريطانية تخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الحرب انتهت ب”هزيمة أخلافية” لإسرائيل بعد ارتباكها أفعالا ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لقد كانت الحصيلة شبه النهائية تصل إلى أكثر من 1400 شهيدا وأكثر من 5000 جريحا، بينهم 417 طفلا و 108 امرأة، و 120 مسنا، و14 من الطواقم الطبية والإسعاف والدفاع المدني، و4 من الصحفيين، إضافة إلى تدمير كل البنى التحتية في القطاع وعشرات آلاف البيوت، ومعظم المساجد والمدارس والمعامل والمصانع، وكذلك تشريد حوالي 50 ألفا من السكان. وبالنتيجة لم تكن الحرب على غزة حربا بأي من المقاييس، لكنها كانت مذبحة بكل المقاييس.

حرب فاشلة تكتيكيا واستراتيجيا

لم يحقق العدوان الهمجي على غزة أيا من اهدافه، بل يمكن القول بثقة كبيرة أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها على المستويين، التكتيكي والاستراتيجي. فإذا كانت الأهداف التكتيكية قد تمثلت في: 1) وقف مصادر النار وإنهاء إطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية و2) إضعاف حركة حماس و3) إطلاق الجندي الأسير جلعاد شاليت، فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق بل ظلت الصواريخ تنطلق ضد المستوطنات ولا يبدو أنها ستتوقف دون اتفاق على التهدئة وفقا لشروط تقبلها المقاومة الفلسطينية. من جهة أخرى تعاظمت شعبية حركة (حماس) وكل الفصائل التي قاتلت في غزة. أما شاليت فلم يتم إطلاق سراحه، ولن يتم إلا وفقا للصفقة التي تريدها الفصائل الفلسطينية الآسرة.

أما الأهداف الاستراتيجية فلم يكن منظمو العدوان أقل فشلا في تحقيق أي منها. لقد تمثلت تلك الأهداف في :1) القضاء على فصائل المقاومة ومن ثم إسقاط نهج المقاومة لتعبيد الطريق لنهج الاستسلام. 2) استعادة قوة ردع الجيش الإسرائيلي بحيث تنتفي إمكانية الاعتراض على أي من الخطط والأطماع الصهيونية ليس في فلسطين وحسب بل في كل المنطقة العربية. 3) الهدف الثالث هو حصيلة الهدفين (1) و(2) اللذين كان يفترض أن يهيئا الأجواء لهذا الهدف، وهوالتصفية النهائية للقضية الفلسطينية. لكن النتائج كانت وباعتراف المعلقين وأصحاب الرأي الإسرائيليين عكسية تماما، إذ لم يتم القضاء على (حماس) وفصائل المقاومة بل انتصرت وزادت قوة وشعبية، لأنه وببساطة في حروب بين جيوش نظامية ومنظمات شعبية تنتصر المقاومة عندما لا ينتصر الجيش. وبالتالي سطع نهج المقاومة في هذه الحرب وتكرس بين الجماهير الفلسطينية. ولم يستعد الجيش الإسرائيلي قوة ردعه المفقودة، وإن كان كسر كل أرقامه القياسية السابقة في الوحشية والقدرة على ارتكاب كل أنواع الجرائم ضد المدنيين العزل بهدف إثارتهم ضد المقاومة وهذا لم يتحقق بالرغم من استعمال كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا لتحريضهم، الأمر الذي جعل قادته على وشك مواجهة مئات القضايا في محاكم العالم الجنائية. أما القضية الفلسطينية فبفضل هذه الحرب التي أسقطت كل البراقع عن الوجه البشع للصهيونية وكيانها العنصري فبدا على حقيقته أكثر بشاعة من أي وقت مضى، ذكرت هذه الحرب العالم كله بالأسباب الحقيقية لكل الحروب التي شهدتها المنطقة وهي اغتصاب الجزء الأكبر من فلسطين في العام 1948 وإقامة دولة الكيان العنصري الاستيطاني عليه ليكون مصدرا لعدم الاستقرار ومنبعا للحروب المتلاحقة، التي أدت إلى احتلال الجزء الباقي من فلسطين وأراض عربية أخرى في العام 1967. نعم، بفضل هذه الحرب عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي والأجندات الدولية.

إن الادعاءات التي اشتملت عليها الفقرة السابقة ليست مجرد ادعاءات بل هي حقائق واقعية بشهادة شهود من أهلها، وسأذكر مثلا واحدا ينفع لتلخيص وتكثيف ما أنجزه وحصل عليه قادة العدوان من هذه الحرب.

وسط ما سموه “المرحلة الأولى من المعركة البرية”، بعد أسبوع كامل من بدء العدوان الهمجي، كتب كبير معلقي صحيفة (هآرتس- 8/1/2009) آلوف بن مقالا بعنوان: (نقطة التوهم) يصف فيه حال الجيش الإسرائيلي، فقال: “ما الذي يجعل الحروب التي تبدأ جيدا تنتهي بشكل سيء؟ ما الذي يجعل عملية عسكرية باهرة تتحول إلى حرب استنزاف؟” واضح أن بن كان فرحا بما بدأت به الحرب، لكنه اكتأب بعد أسبوع لأنه رآها تحولت إلى حرب استنزاف للجيش الإسرائيلي. لذلك يقول:” أولمرت… وقع في نقطة التوهم، ففي الحربين اللتين خاضهما، في لبنان والآن في غزة، وجد صعوبة في التوقف. لقد اعتقد في العام 2006 ويعتقد الآن، أن النصر وراء الزاوية ويصر على الاستمرار في الضغط، وذلك بوضعه شروطا تعجيزية لوقف النار. وفي الحالتين، إزاء حزب الله وحماس، النتيجة واحدة، تقليص الإنجاز الأول وخسائر وإحداث خلل في التأييد الدولي والوحدة الداخلية”. وفيما يشبه استقراء لنتيجة الحرب الدائرة يختم بن مقاله بالقول: “لقد تم جر إسرائيل إلى خمسة أسابيع من الاستنزاف في العام 2006 انتهت بمأساة قومية، ويجدر أن تتوقف في العام 2009 وأن نخرج من غزة قبل أن يتحول التوهم إلباهر إلى عملية شنق موجعة”. لكن أولمرت لم يخرج من غزة إلا بعد ثلاثة أسابيع كانت أسوأ من الخمسة أسابيع في جنوب لبنان بعد وقف لإطرق النار من جانب واحد.

ألا يلخص ما جاء في مقال ألوف بن الموقف؟ بلى. لقد توهم أولمرت وشريكاه، ليفني وباراك، أن النصر في غزة “ينتظرهم وراء الزاوية”، لكن وهمهم ذاك تحول إلى “عملية شنق موجعة” لأحلامهم المريضة، خصوصا بالنسبة لهدف الأهداف المتعلق بتوجيه ضربة قاضية للقضية الفلسطينية. إن عشرات الملايين الذين خرجوا في كل شوارع العالم ينددون بالجرائم الإسرائيلية ويطالبون بمحاكمة المجرمين من القادة الإسرائيليين، وضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، وكذلك مئات القضايا التي رفعت إلى المحكمة الدولية لمحاسبة أولئك المجرمين، حتى لو لم تصل يد العدالة اليوم إلى أي منهم… هو خير دليل على أن العدو الصهيوني في حربه الإجرامية على غزة قد باء بالخذلان، فحقق عكس ما أراد. لقد أعادت هذه الحرب الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني لشعب يتمسك بحقوقه ويرفض أن يتنازل عن أي منها مهما كان الثمن الذي يمكن أن يدفعه. ويبقى على المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية والقومية العربية الحية أن تتابع ما أسست له تضحيات الشعب الفلسطيني في غزة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مجلة “العرب والعالم”- العدد الأول- ربيع 2009