انطباعات عن السودان على هامش المؤتمر القومي

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1881)

(1)

في السودان تدرك أهمية الوحدة العربية بدون تنظير ايديولوجي، فكل ما ينقص السودان من مهارات بشرية و نقص في السكان موجود في بلاد الشام ومصر، وكل ما ينقصه من أموال من أجل الاستثمار في البنية التحتية موجود في الخليج العربي وليبيا، وبالمقابل فإن كل ما ينقص تلك البلدان من أراضي زراعية، أو مياه، أو ما تعانيه من اكتظاظ سكاني يجد حله في السودان حيث تبلغ مساحة السودان 2.5 مليون كيلومتر مربع وعدد سكانه أربعين مليوناً، وللمقارنة فإن مساحة الهند 3 مليون كيلومتر مربع وتضم مليار نسمة ومائة مليون مع مناخ وموارد طبيعية مشابهة للسودان.

وفي السودان تدرك أن للعروبة معنى آخر. ففي السودان عروبة ثقافية لا علاقة لها بالأفكار العرقية ولا العنصرية فهي متجاوزة للعرق واللون. كما أنها عروبة التعدد العرقي و الثقافي واللوني التي تنأى عن اللون الواحد في كل شيء.

(2)

قبل أسابيع من وصولنا إلى الخرطوم لحضور الدورة العشرين للمؤتمر القومي العربي كان الرئيس البشير قد دشن مشروعين كبيرين أحدهما تنموي هو سد مروي، وهو من السدود الضخمة في أفريقيا وتبلغ طاقة توليده للكهرباء 1250 ميغا، والثاني خدمي هو جسر على النيل الأزرق يصل جزيرة توتي التي كانت معزولة داخل النيل الأزرق بالبر. ويقتصر الأمر على هذين المشروعين فأغلب ما يلفت نظرك في الخرطوم من شوارع عريضة منفذة بمواصفات دولية، أو من أبنية شاهقة، أو من جسور ضخمة على النيل تصل أطراف العاصمة المثلثة، كلها مشاريع جديدة تم تنفيذها إما قبل سنة أو سنتين أو ثلاث. حتى أني تساءلت إذاً أي بنى تحتية كانت قائمة قبل عام 2000 في الخرطوم !

شرح الأستاذ غازي صلاح الدين في كلمته أمام المؤتمر القومي العربي أن عقد التسعينات يعتبر عقد ضائع للتنمية في السودان، فالحرب شُنت على البلد من ثلاث دول مجاورة، ثم فُرض الحظر الجوي والعقوبات الاقتصادية، وأخيراً القصف الجوي الأمريكي لمعمل الشفاء. كما شرح أنه عند استلامهم الحكم نهاية الثمانينيات من القرن الماضي كان النفط مكتشفاً لكن الشركات الغربية أحجمت عن استثماره، فكان لا بد لنا من البحث عن بديل فكان الاتجاه شرقاً وبدأ استثمار النفط مع شركات ماليزية و صينية وضغط الغرب فصمدنا. وشرح أنهم بنوا شراكة استراتيجية مع الصين في كل المجالات وهذا الأمر يصيب الغرب بالجنون.

الصينيون موجودون في كل مكان في الخرطوم حتى أن من البائعين في الأسواق من تعلم بعض الصينية، كما أن هناك مبان قيد الإنشاء عليها لافتات صينية، وفنادق كاملة محجوزة للصينيين. وحال الصينيين في السودان ليس استثناء في أفريقيا، فقد تحولت الصين خلال سنوات قليلة إلى الشريك التجاري الثاني لأفريقيا بعد المستعمر السابق فرنسا. ويتميز التعامل مع الصينيين بسهولته وتقبله من قبل الأفريقي لأن الصين لم تكن يوماً مستعمراً لأفريقيا، وهي لم تمتلك لا في تاريخها القريب ولا البعيد نزعة امبريالية، ولو كان لديها هذا النزوع لربما تغير تاريخ البشرية إذ أن الأساطيل الصينية بقيادة البحار المسلم تشينغ هي قد جابت سواحل أفريقيا عام 1465 م قبل أن يصل الغربيون. كما يقدم الصينيون بضاعة رخيصة ذات مواصفات جيدة لا يستطيع الغربيون منافستها، وهم لا يتدخلون بالنظام السياسي القائم، وليس لديهم نزعة الاستعلاء الغربية. وفي النهاية استغل الصينيون الانشغال الأمريكي في مستنقع العراق الذي وقعوا به بسبب المقاومة الضارية فزادوا تبادلهم التجاري والصناعي والخدمي مع أفريقيا وتبدو السودان حجر الأساس في سياستهم الأفريقية، فهم يحصلون منها على النفط الذي يحتاجونه لذلك مدوا خط أنابيب يتجه شرقاً إلى البحر الأحمر، وهذا ما يجعل السودان في صدام مع الإستراتيجية الأمريكية التي تقضي بأن تتجه كل خطوط النفط في القارة غرباً إلى خليج غينيا حتى يسهل تصديرها إلى الولايات المتحدة على الجانب المقابل من الأطلسي، فالولايات المتحدة يتزايد اعتمادها على النفط الأفريقي ومن المتوقع أن يشكل ربع استهلاكها من النفط خلال سنوات قليلة.

استعاد الأستاذ غازي صلاح الدين في كلمته أمام المؤتمر تعريف مالك بن نبي للحضارة بأنها أرض وزمان وإنسان. وأشار – وهو محق – أن كل الشروط قد امتلكها السودان، وأنا أقول انتظروا السودان كرافعة من روافع أمته.

(3)

لا يمكن تناول مشكلة الفقر في السودان دون العودة لملاحظة نهرو التي نقلها تشومسكي وأعاد التأكيد عليها، ومفادها أن خريطة الفقر في الهند المعاصرة تنطبق على خريطة الاستعمار البريطاني، حيث أن المناطق التي استعمرها البريطانيون أولاً هي الأكثر فقراً في الهند المعاصرة و يضرب مثلاً على ذلك بخليج البنغال الذي كان قبل الاستعمار البريطاني مركز صناعة النسيج في العالم، وظل متفوقاً على مانشستر حتى دمره البريطانيون بشكل متعمد بقراراتهم وإجراءاتهم الجائرة. ومن ملاحظة نهرو نبدأ الحديث عن الفقر في السودان المعاصر وهو مشكلة كبيرة كما رأيت.

استعمر الانكليز السودان تحت لافتة الحكم المصري – البريطاني، وهي بالمناسبة لافتة سخيفة كوميدية تشبه قولنا إن السلفادور تحتل العراق مع الولايات المتحدة استناداً إلى مشاركتها بما يسمى ” قوات التحالف ” وإرسالها قوات احتلال إلى هناك ! فهذا الحكم بدأ عام 1882 و استمر حتى منتصف القرن العشرين، ولو أنه بدأ بشكل أبكر لكان البؤس أكبر من الوضع الراهن كما هي الحال في دول افريقيا الأخرى جنوب الصحراء. وتأكيداً لما أقول أشير إلى أن السودان بوضعه الراهن منطقة جذب للعمالة الوافدة من دول الجوار وعددها يُقدر بالملايين.

لقد حلت أفريقيا في الترتيب الثاني بعد الهنود الحمر من حيث المصير الأسود الذي تعرضت له على يد الغرب، فقد تراوح مصيرها بين النهب والعبودية و الإبادة، في حين أن الهنود الحمر لاقوا مصيراً واحداً هو الإبادة. ولم يرحل الانكليز عن السودان إلا بعد أن أورثوها، كعادتهم، مشكلة الجنوب الدامية التي بقيت قنبلة موقوتة تنفجر في وجه كل الحكومات التي حكمت السودان منذ استقلالها، فتستنزف ثروة ومقدرات البلاد. حتى استطاعت الحكومة الحالية تجاوزها، ففجروا بوجهها مشكلة دارفور.

أعود إلى مشكلة الفقر الذي تعاني منه شرائح واسعة من السكان لأبدي اندهاشي من المفارقة التي نجدها في الوطن العربي اليوم، حيث أن كل دوله على اختلاف مشاربها السياسية، وعلى اختلاف أنظمة الحكم فيها بين جمهورية، أو أميرية، أو ملكية، وبغض النظر أيضاً عن انقسامها بين معتدلة، أو مقاومة و ممانعة، وبغض النظر عن وفاقها مع النظام الدولي أو استهدافها، تتبع في الداخل سياسة اقتصادية واحدة مشتقة من وصفات صندوق النقد الدولي، وهي الوصفات التي يطلق عليها اسم الليبرالية الاقتصادية والتي تنادي بتحرير الأسواق وإطلاق حرية تنقل الرساميل بين الداخل والخارج، وإلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة، ومنع تدخل الدولة في الاقتصاد، ورفع الدعم المقدم على المواد الإستراتيجية و الطبابة والتعليم، وبالتالي زيادة ثروة الأغنياء وقتل الفقراء.

إن هذه السياسة ثبت فشلها في كل بلدان العالم التي طبقتها حتى أن حكومات الولايات المتحدة وأوربا عادت إلى التدخل، لكن لصالح الأغنياء وليس من أجل الفقراء وهذه مفارقة تثير الضحك. إن هذه السياسات الليبرالية ما زالت محترمة وتطبق في كل الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، حتى في البلدان التي يستهدفها الغرب. فما زال التلاميذ النجباء لمدرسة شيكاغو واجماع واشنطن يخططون السياسات الاقتصادية لتلك الدول. وهذا يعطي معادلة جديدة مستحيلة قوامها الجمع بين هونغ كونغ وهانوي في بلد واحد، وهذه استحالة كاستحالة العنقاء والخل الوفي !

إن تحرير الأسواق وتطبيق وصفات البنك الدولي يعني التبعية الاقتصادية و السياسية للغرب، فكيف ستجابه الغرب وأنت ترهن اقتصادك له !

إن الشرط الأول للدخول في تنمية مستقلة من أجل التحرر من التبعية للغرب، ومن أجل النهوض الحقيقي بالبلد هو النهوض بالسواد الأعظم من الجماهير عبر تقديم طبابة وتعليم مجانيين، ومياه نظيفة للشرب، وسكن معقول، وراتب غذائي جيد بسعر رخيص، كما يعني أن تتم التنمية بشكل متجانس في كل البلاد فلا تنشأ مشكلة مركز وأطراف. وأما التنمية باتباع وصفات صندوق النقد الدولي فتعني إنشاء جزر معزولة، أو مناطق خضراء من الرخاء محاطة ببحر متلاطم من البؤس يهدد باجتياحها كل حين، وهذا هو الفرق الجوهري بين تجربة التنمية الهندية والصينية، فالهندية تركت مئات من ملايين البشر في أحزمة بؤس يمكنك مشاهدة نموذج لها في فيلم “المليونير المتشرد” الذي حاز جائزة الأوسكار 2009، كما زادت التنمية المشوهة من حدة الاستقطاب الطائفي والعرقي، فبعض المناطق نمت نمواً سريعاً وأخرى ما زالت على حالها، وفي حالة كحال الهند حيث التنوع العرقي والديني – وهناك شيء مشابه في السودان – تراكبت التنمية غير المتوازنة بين المناطق مع توزع عرقي وديني فعبرت مشاكل الفقر والتهميش بفعل التنمية المشوهة عن نفسها بصيغ قومية أو طائفية.

إن وصفة النهوض وتجاوز الفقر ليست موجودة عند البنك الدولي بل في مكان آخر، والتنمية الحقيقية ليست أرقاماً يصدرها صندوق النقد الدولي بل هي تحسن وضع الناس المعاشي وإمكانية حصولهم على حاجياتهم الأساسية من مأكل و مسكن وملبس بسهولة ويسر، وليس أن يشتروا لوجبتهم فولاً بثلاث جنيهات وخبزاً بخمسة كما يردد السودانيون للسخرية من ارتفاع أسعار الخبز.

(4)

في النهاية لا يمكن للمرء إلا أن يتحدث عن قلوب أهل السودان البيضاء كالحليب، وعن السلام الداخلي الذي يعيشون به وتعبر عنه موسيقاهم التي تكاد تنساب انسياب النيل بهدوء وثقة وحكمة، فهو على هذه الحال منذ آلاف السنين، تعاقبت عليه الحقب والسنون، ومر غزاة ومستعمرون ثم ذهبوا وبقي هو. حفظ الله السودان لأهله ولأمته.