أزمتان ومأزومان… صراع مفتوح وانفلونزا سلام!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1882)

أزمتان ومأزومان يتقاسمهما طرفا الصراع الدائر في بلادنا، أو ما كان لعقود خلت قد اتفق على توصيفه بالصراع العربي الصهيوني، ويتم اليوم نعته بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. أزمة عمل وطني فلسطيني تشير تداعياتها الكارثية إليها، وتنبئنا صباح مساء عن مدى عمقها وتفاقمها وتعاظم خطورتها، ليس على أعدل قضية عرفتها البشرية فحسب، وإنما على مستقبل الوجود الوطني الفلسطيني برمته… أزمة هي ليس من جدال في كونها فرع من أصل، أو جزء لا يتجزأ ولا ينفصم من أزمة أمٍ يعانيها العمل القومي العربي الأشمل، وتواجهها أمة بكاملها، فلسطين والفلسطينيون ليست سوى تفصيل من تفاصيلها.

وأزمة كيان غريب عن المنطقة، بدأ مفتعلاً ومفروضاً عليها، وأقيم عنوة في أحشائها على أنقاض الآخر بالتآمر والغزو والقهر والاغتصاب، واستمر وجوده بالحديد والنار وإراقة الدماء وسرقة الحقوق ومحاولة تغييب الضحية… وبعد عقود من إيجاده يجد المصطنع نفسه هشاً ويعاني عقدة مستحكمة من عدم اطمئنان على وجودٍ تتزايد عمقاً وتغدو لوثة قاتلةً تتحكم وتتبدى سمة في مجمل مظاهر سلوكه السياسي… والمجتمعي… وهذا الكيان سرّ أزمته تكمن في ادراكه العميق و الصحيح لأمرين هما:

الأول، طبيعة الصراع ذاته، باعتباره صراعاً تناحرياً مفتوحاً ومستمراً، بحيث لا يمكن حسمه أو انهاؤه إلا بنفي واحد من طرفيه… الطرف الآخر هنا هو بالنسبة للمعتدي الغازي كان الفلسطيني، الذي جاء هو ليحل مكانه ويسرق حتى زمانه، ويغيبه كشاهد على جريمة اغتصاب وطن الآخر، أو إبادته وجوداً معنوياً ومادياً، الأمر الذي عجز وعلى امتداد ما يقارب القرن ونيف عن التمكن من فعله، ولا يبدو له اليوم أن لديه ثمة بقية من أمل في التمكن منه.

والثاني، فهمه الناجم عن قراءته الصحيحة للتحولات والمتغيرات الكونية التي تتسارع ارهاصاتها، والتي لا تبشره إلا بما يزيد من رعبه المصيري وعمق عقدته الوجودية المزمنة… وهذين، الإدراك والفهم، يشترك فيهما، ويجمع عليهما، كل مكونات وتلاوين وتصانيف هذا الكيان، أو سائر ما يطلق عليهما مجازاً قوى يساره ويمينه وبلا استثناء.

أما الأزمة المقابلة، أي أزمة العمل الوطني الفلسطيني، وإن شئت تعميماً، أزمة العمل العربي، فمردها الإنقسام العميق، الذي يفرّق موضوعياً ولا يمكن أن يجمع بالضرورة بين طرفين مأزومين أيضاً في داخله هما: من أدرك طبيعة الصراع و طبيعة العدو الذي يستحيل التعايش معه، وحاول قراءة التحولات والمتغيرات الكونية الراهنة من حولنا و سبل الإفادة منها، ومن تعامى لعجز وفقدان للإرادة السياسية عن الحقيقة أو حاول هروباً من استحقاقات المواجهة أن لا يدرك مثل هذه الطبيعة، أو دسّ رأسه على طريقة النعامة في تراب المرحلة، فأقنع نفسه أو أوهمها بإمكانية نوع ما من التسوية المستحيلة مع مثل هذا العدو، التي إنما هي مهما كانت لن تعدو إلا الوجه الآخر المموه للتصفية للقضية الفلسطينية، وكذلك، تجاهل بعناد فهم التحولات والمتغيرات، أو حاول قراءتها بالمقلوب. هنا يحدث أمر يصب في مصلحة عدو كل من الطرفين، المقاوم والمساوم، ويريحه ويوفر عليه الجهد والوقت، وهو مشهد من صراع بيني لا معقول نعيش تداعياته البائسة وطنياً بين المقاوم والمساوم وقومياً بين “المعتدل” والممانع، يدور راهنا و تسم تجلياته هذه المرحلة العربية المنحدرة.

قبل أيام، وإسرائيل تحتفل بدخولها العقد السابع من قيامها، أو مرور هذه العقود على النكبة الفلسطينية، طرح شلومو غازيت، وهو رئيس سابق لشعبة الاستخبارات في جيش الاحتلال الإسرائيلي، سؤالاً كرره من قبله ويكرره مثله الكثيرون من الإسرائيليين، سؤال قال أنه لا يمكنه أن يتحرر منه، وهو “إلى متى ستصمد” إسرائيل؟ وأردفه بآخر “وهل ستصل لا سمح الله إلى نهايتها، وكيف سيحصل الأمر”؟!

برّر غازيت قلقه هذا بما رأى أنه الواقع “الأشوه” لإسرائيل في عقدها السابع هذا، حيث أن استمرارها، في نظره، إنما هو رهن بستة شروط، هي كما قال نصاً: مجتمع منسجم، مجتمع ثري وراسخ، دولة لا تقف أمام تهديدات وجودية، مجتمع ونظام علمانيين، منظمة قانون وقضاء لا نزاع فيها، نظام سياسي يسمح بحكم مستقر. وإذ لاحظ غازيت أن مجتمعه هو سائر إلى أقل فأقل انسجاماً، و جهاز التعليم الرسمي فيه يكاد أن يختفي، والأخطر، هو أن اسطورة الجيش الذي لا يقهر قد تهلهلت، ولم يعد في مستطاع هذا الجيش، الذي وفق طبيعة إسرائيل له دولة لا العكس، أن يحشد “سوى 50% من الرجال والنساء، ما بين عاملين واحتياط”… وأكمل: دولة بلا دستور ولا فصل دين عن دولة. وتآكل التعايش بين الدين والدولة فيها، وتفتقر إلى نظام سياسي مستقر، إذ لا يعرف تاريخها ، خلال 18 كنيست أغلبية ساحقة، بل غدى الإئتلاف الحكومي صعباً، والتحايل على القانون سمة فيها… ليصل غازيت معدداً إلى الاقتصاد، الذي هو رهن باستمرار حبل الصرة الذي يربطه باقتصاد وليّ النعمة الأمريكي المترنح.

شلومو غازيت لم يأت على ذكر التحولات والمتغيرات الإقليمية والدولية… لم يذكر نهاية قدرة المشروع الصهيوني على التوسع في الأرض العربية والبقاء فيها، كما ثبت في اندحاره من جنوب لبنان عام ألفين، ولا وصول قدرته العسكرية الهائلة إلى حدودها القصوى بعد فشل استهدافاتها العدوانية أمام أسطورية روح الصمود والمقاومة في لبنان عام 2006، وفي غزة نهاية 2008. والأهم، تعثر و اندحار المشروع الأمريكي الإمبراطوري في كل من العراق وأفغانستان… وبوادر ذلك قريباً في كل العالم… هنا، وفيما ذكره وما لم يذكره، يكمن سر سؤال شلومو غازيت المرعب الذي لم يستطع الخلاص منه، ومرد احتشاد اليمين واليسار الإسرائيلي في حكومة وزير خارجيتها رجل من نوع ليبرمان، وتمترسها هي ومعارضتها اليمينية أيضاً، في خندقٍ واحدٍ تظلّه عنصريتها ويقبع تحت طائلة قلقها ورهن عقدة الوجود المزمنة.

فلسطينياً، لا أدل على عمق الأزمة من ما يرشح من فصول حوار القاهرة، أو ما يعرف فلسطينياً بحوار عمر سليمان، هذا الذي تم مؤخراً تأجيله إلى جولة خامسة اختير لها موعداً هو اليوم التالي لذكرى النكبة منتصف الشهر الجاري… لماذا هذا التأجيل المتوقع سلفاً؟

إنه للتشاور! والتشاور هذا بعد اجماع طرفيه على لوك المعتاد إثر فشل كل جولة واللجوء إلى جولة لاحقة، أو ما يلي:

الحديث المتواصل عن “إيجابيات”، وعن “الاحساس بالمسؤولية”، والكلام الدائم عن الحرص على “المصلحة الوطنية” لدى الطرفين، وعن “تقدمين جوهريين”، وإهمال الكلام عند نقطة خلافية كثر الجدل حولها وهي “برنامج الحكومة” التوافقية المنشودة للسلطة تحت الاحتلال… ثم اعتراف ذات الطرفين: أن لا اتفاق على “القضايا العالقة”!!!… ويردف هذا ، تأكيد أبو مازن على ضرورة الإلتزام بشروط الرباعية… وأخيراً، التهيئة في رام الله لتشكيل حكومة فياضية جديدة!!!

طبيعة الصراع المفتوح في بلادنا تقول: أن الأزمة الإسرائيلية لا شفاء منها، أما الأزمة الفلسطينية أو العربية الأشمل، فلا شفاء منها، أو من ما حري بنا وصفه بانفلونزا “السلام”… وحوار التكاذب، وخلاف المعتدل والممانع… إلا بالعودة إلى أبجديات الصراع وإدراك طبيعته أو العودة لإدراكها وفهم التحولات والمتغيرات الكونية… هذه التي هي وراء سؤال شلومو غازيت المصيري الذي يرعبه!