مَن يجرؤ على الكلام من الفلسطينيين؟ جدلية الخطاب السياسي والسلطة والمكان

د. إبراهيم أبراش* ـ غزة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1882)

يُنسب لطرفة بن العبد مقولة (لكل مقام مقال) وللفلسطيني المشتت مقالات بقدر ما فرضت عليه النكبة من مقام والتشرذم الحزبي من إيديولوجيات.الخطاب السياسي والمشهد الثقافي الفلسطيني بشكل عام ينوءان بأعباء وخطايا لمشهد السياسي:تشتت في التوجهات وضعف في المؤسسات وحضور ضاغط للمكان والايدولوجيا، كل ذلك لعب تاريخيا ويلعب حاضرا دورا في تأطير مخرجات الخطاب والمُنتج الثقافي الفلسطيني بما لا يخدم كثيرا الثقافة الوطنية الفلسطينية، ثقافة الهوية والمشروع الوطني التحرري، وبما يسئ للمشروع الوطني وللمثقف الفلسطيني نفسه، لأن فلسطينية المثقف لا تتأتى إلا من التزامه باستقلالية رأيه وقراره وبقضيته الوطنية.لأن الحرية هي الرئة التي يتنفس منها المثقف وكل صاحب رأي حر، وحيث أن حرية المثقف الفلسطيني محجور عليها من مصادر خارجية متعددة تضاف للحجر المُستمد من الرادع الذاتي، هذا أنتج ارتباك وتشوش الخطاب السياسي الرسمي وغير الرسمي وأنتج الحالة الثقافية الحالية، المتراجعة والمأزومة، حيث تغيب المشاريع الفكرية والثقافية الكبيرة ويتناقص عدد المثقفين والكتاب الكبار مع الاحترام لمن ما زال يناضل ثقافيا بما هو متاح.لأنه في الحالة الفلسطينية يتداخل الثقافي مع السياسي حيث يصبح المثقف سياسيا حتى وإن لم يشأ ذلك، فقد أربكت الحالة السياسية بعد تأسيس السلطة عام 1994 ثم بعد الانقسام، المشهد الثقافي :المثقف والثقافة والخطاب السياسي العقلاني والمستقل حزبيا ومجمل ومنظومة الحريات.

في الحقل السياسي الفلسطيني تأخذ العلاقة بين المثقف (كل مثقف فلسطيني سياسي والعكس ليس صحيحا) والمتلقي والسلطة والمكان، طابعا خاصا يجعل هذه العلاقة تدخل في حيز التراجيديا، بل مفهوم الحرية ومفهوم المثقف كما مفهوم السلطة يتشكلون في إطار خصوصية نابعة من خصوصية الحالة السياسية الفلسطينية.واقع الاحتلال والجغرافيا السياسية والايدولوجيا السياسية وحتى الاقتصاد السياسي، كلها محددات ترسم حدودا وتضع قيودا على حرية الكلام وتؤطر المجال المتاح للحرية بسياج، المساس به يؤدي للتهلكة، سياج يحرسه الاحتلال وسلطات فلسطينية وعربية. في الحقل السياسي الفلسطيني محاذير الجرأة على الكلام كثيرة ومتعددة بسبب تعدد السلطات التي يخضع لها المواطن الفلسطيني وبتعدد أماكن إقامته وبسبب تشابك الأطراف التي تلعب في القضية الفلسطينية وتتحكم في مصدر رزق الفلسطيني وجواز سفره وفي حريته وحرية أبنائه وحقهم في التعليم والعلاج والسفر الخ.

الفلسطيني الذي يعيش في الأردن أو الضفة الغربية لا يجرؤ على الكلام بصراحة منتقداً النظام الأردني بوضوح وكذلك الفلسطيني الذي يقيم في سوريا لا يجرؤ على انتقاد النظام السوري والفلسطيني الذي يعيش في لبنان مضطر للصمت بحيث لا يجرؤ على الكلام بان الفلسطينيين هناك يعيشون بحقوق أقل من حقوق العمال الأجانب حيث لا يُسمح لهم بممارسة المهن التي يمارسها اللبناني أو يرمم بيته وحريته محصورة في المخيم المُحاصر بكل أشكال المنع، والفلسطيني المقيم في مصر أو غزة لا يجرؤ على نقد النظام المصري حيث هاجس معبر فح والدخول والخروج منه تشكل لديه حالة رعب مزمن، والفلسطيني داخل فلسطين وبالرغم من عدم خضوعه لدولة وطنية مستقلة فهو يخضع إما للاحتلال الصهيوني الذي هو أسوأ أشكال نفي الحرية وامتهان الكرامة، أو لإحدى الحكومتين الفلسطينيتين المتواجدتين في غزة والضفة، والقيود على حرية الرأي والتعبير وبالتالي الخوف على النفس والمال والأبناء في ظل الحكومتين أصبح اكبر مما هو عند الاحتلال. وهكذا.. في جميع الحالات هناك خوف على النفس والمال وعلى فقدان جواز السفر أو الإقامة أو مصدر الرزق أو حرية التنقل.

عندما نقول تراجيديا فلأنه بالإضافة لتراجيديا الاحتلال والشتات، وفي سابقة تاريخية تحولت الحركة الوطنية الثورية ثم الجهادية الإسلاموية الفلسطينية إلى سلطة استبدادية أضيفت لسلطة الاحتلال وأنتجت ثقافة خوف بدلا من أن تنتج الحرية والاستقلال للشعب. السلطة في غزة وفي الضفة، من حيث نظرتهما للحريات العامة وعلاقتهما بالمعارضة، تُعيدُانا لزمن السلطة السياسية العربية قبل أربعة عقود، أي في زمن القمع والتخلف والاستبداد السياسي، حيث إغلاق المؤسسات الأهلية ومصادرة المطبوعات ومنع العلم والأغنية الوطنية واعتقال الناس بسبب معتقداتهم وانتمائهم السياسي.بات الشعب الفلسطيني والمثقف خصوصا واقعا تحت إرهاب وقمع ثلاثي المصدر:إرهاب الاحتلال العنصري الصهيوني وقمع سلطة فلسطينية وثقافة خوف وعنف تسود المجتمع، في ظل هيمنة ثقافة الخوف والشك حتى بأقرب الناس وفي ظل وجود الجماعات المسلحة التي تسمى فصائل وحركات مقاومة وفي ظل وجود حكومات (ربانية) و حكومات مفروضة بقوة الممول الخارجي ومتحكمة بأرزاق البشر…، فمَن يجرؤ على الكلام؟ حتى و إن وُجد من يجرؤ، فما جدوى الكلام؟

في ظل الحالة السياسية الملتبسة تداخلت ثقافة مشوهة للمقاومة مع ثقافة تتمسح بالدين مع ثقافة سلطوية قامعة مع ثقافة ترعاها وتغذيها ماليا جهات مانحة لها أغراض متعددة إلا دعم والحفاظ على الهوية الوطنية، مع ثقافة أنصار العولمة الثقافية ومؤسسات مجتمع مدني لا علاقة لها بالمشروع الوطني ولا بعمل المجتمع المدني الحقيقي الخ، في ظل كل ذلك بات الحديث عن ثقافة وطنية ومثقفين وطنيين بل وقضية وطنية، إشكالا كبيرا.المكان أو الجغرافيا السياسية لها القول الفصل في حرية الرأي والتعبير بالنسبة للفلسطيني، فما يقال مقيد بالمكان ودائماً هناك ما لا يقال أو مسكوت عنه، وقد يكون المسكوت عنه أكثر أهمية وخطورة مما يقال، وفي كثير من الحالات يلجأ المثقف الفلسطيني للتعبير عن رأيه السياسي وغضبه ورفضه للواقع من خلال الشعر والرواية والرسم والأغنية والشعار والرمز حيث لا يستطيع التعبير عن رأيه بخطاب سياسي مباشر، حتى في هذه الحالة فلا ضمان ان ينجو من العقاب، رحم الله غسان كنفاني وناجي العلي.

ما بعد تأسيس السلطة عام 1994و قبل الانقسام الذي أوجد كيانين فلسطينيين-خاضعين للاحتلال- بمرجعيتين سياسيتين مختلفتين بل وثقافتين مختلفتين ومنظومتين مختلفتين لمفهوم الحقوق والواجبات والشرعية والثوابت الوطنية…، كانت سلطة واحدة خاضعة للاحتلال شأنها شان الشعب والأرض، ومع ذلك كان المشهد الثقافي أكثر انفتاحا والحريات متاحة أكثر إلا ما يمنع الاحتلال، بل كان هناك حالة من فوضى الحرية الثقافية والسياسية، حرية القول والفعل حتى عشنا ما يمكن تسميتها بحالة فوضى الحرية، صحيح انه في بداية السلطة مُورست حالات تضييق على المعارضة وخصوصا حركة حماس ولكنها كانت في نطاق ضيق ثم توقفت لتمارس قوى المعارضة حريات وصلت لدرجة تشكيل دولة لكل تنظيم داخل السلطة، وحيث باتت السلطة تُخفي عجزها السياسي في مواجهة العدو وتخفي فسادها المالي، بالسكوت على ما تقول وتمارس المعارضة، كانت هناك حالة من التواطؤ بين الطرفين بأن يسكت كل طرف على ما يقوله ويمارسه الطرف الآخر.

مع الانقسام تعمق تأثير المكان على المثقف والخطاب السياسي حيث بتنا نتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان وحد وانتهاكات للحريات في غزة وفي الضفة، صحيح أن نوع وحجم الانتهاكات لحرية المثقف وللحريات الشخصية بشكل عام وبالتالي نوع وحجم العقاب يختلف ما بين غزة والضفة، فهي وهو في غزة أكثر دموية وفي الضفة أكثر خطورة سياسية، إلا أنه في جميع الحالات فالمثقف والمعارض السياسي وكل صاحب رأي مستقل، محاصر ولا يجرؤ على الكلام إلا ضمن حدود، وإن تكلم فعليه أن يتحمل مسؤوليته كلامه وقد دفع كثيرون من صحفيين وأكاديميين ومواطنين ثمنا لأنهم جرؤوا على الكلام.

في ظل حكومتين وسلطتين أوجدهما الانقسام وتُسقطان حالة العجز التي تعيشانها تجاه العدو على الشعب، من يجرؤ على الكلام بأن هاتين السلطتين أصبحتا نقيضاً للمشروع الوطني ونقيضاً لحركة التحرر ومعيقتا لهما؟.من يجرؤ على الكلام والقول بان الفصائل والأحزاب أصبحت تعيش على ذكريات تاريخ نضالي كان، دون عمق جماهيري ودون أن تمارس مقاومة حقيقية حيث جنود الاحتلال في كل مدينة وقرية وفي كل شارع وعند كل ناصية وخصوصاً في الضفة الغربية؟ من يجرؤ على الكلام في الضفة الغربية بان التنسيق الأمني في الضفة لم يخلق أمناً للمواطن الفلسطيني بقدر ما خلق أمنا للمحتل الصهيوني وخلق ظروفاً مناسبة لاستمرار الاستيطان وتبييض وجه الاحتلال؟ومن يجرؤ على الكلام ويسأل لماذا لم تُشكل لجنة تحقيق جادة حول اغتيال الرئيس أبو عمار وخصوصاً انه قُتل بالسم وربما على يد أفراد ممن كانوا متواجدين معه بالمقاطعة أو يترددوا عليها؟ ومن يجرؤ على الكلام ويتساءل لماذا لا توجد مقاومة و إطلاق صواريخ في الضفة الغربية حيث الاحتلال والاستيطان والتهويد على أشده فيما استعراض القوة الساذج وإطلاق الصواريخ العبثية أستمر من قطاع غزة حتى بعد خروج الجيش الإسرائيلي من غزة، مع أن الفصائل والحركات السياسية التي تطلق صواريخ من القطاع هي نفسها الفصائل والقوى المتواجدة في الضفة وتتعايش مع الاحتلال؟.

وفي المقابل من يجرؤ على الكلام في قطاع غزة بأن حركة حماس غررت بالجماهير ووظفت الدين وشباب متعطش للجهاد في سبيل الله والوطن من اجل الوصول لسلطة هزيلة على حوالي 1، 5% من مساحة فلسطين وعلى حساب المشروع الوطني؟ من يجرؤ على الكلام ويتساءل لماذا لم تفتح حركة حماس ملفات الفساد في السلطة السابقة والتي تحدثت عنها الحركة وملأت الدنيا ضجيجاً حولها؟وما الثمن الذي حصلت عليه حركة حماس مقابل هذا السكوت؟ من يجرؤ على الكلام ويتساءل لماذا توقف إطلاق الصواريخ وكل عمليات المقاومة تقريبا بعد العدوان على غزة دون التوصل لتهدئة مشرفة مع العدو؟من يجرؤ على الكلام ويتساءل لماذا كان القول بعبثية الصواريخ خيانة وطنية فيما يصبح إطلاق الصواريخ اليوم عملا غير وطني؟ ومن يجرؤ على الكلام ويتساءل لماذا تترك إسرائيل شاليط أسيراً عند آسريه ومن المستفيد النهائي من عملية أسره؟من يجرؤ على الكلام عن جو الخوف والتوتر الذي يسود القطاع وعن عمليات الاعتقال العشوائي وإطلاق النار على الأقدام والقتل بدم بارد ومحاولات اغتيال دنيئة للبعض و برعاية عناصر من أجهزة أمن حماس؟ من يجرؤ على الكلام ويسأل حركة حماس عما جرى خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع ولماذا لم تُشكل لجنة تحقيق لأسباب العدوان ولأداء المقاومة في مواجهة العدو وفي الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون؟.من يجرؤ على القول أخيراً بأن طرفي المعادلة – سلطة غزة وسلطة الضفة- سيتصالحان ويتفقان ولكن على إدارة الانقسام بدلا من إنهائه، على محاصصة لتقاسم سلطة هزيلة منحتها لهم إسرائيل على ما تبقى من شعب على ما تبقى من أرض؟

لا نريد أن نبدو كمن يسير معاكساً للتوجهات التصالحية فنحن أكثر الناس حرصاً على نجاح حوارات المصالحة حتى ضمن حدودها الدنيا المقتصرة على وقف حملات التحريض والاعتقال المتبادل، ولكن هذه المصالحة يجب أن تكون مؤسسة على المصارحة حتى لا تتكرر ألأخطاء أو يفلت من العقاب من ارتكبها سابقا. المصارحة ليست نكئاً للجروح بل وضعاً لليد على مكمن الخلل ومن هنا تأتي ضرورة الجرأة على الكلام.

نخلص إلى القول بأن خوفا ينتابنا بأن المثقفين وكل أصاحب الرأي الحر الذين يعيشون تحت سلطة الاحتلال وسلطات الأمر الواقع، سيواجهون محنة شديدة وقد يُقدمون كقرابين على مذبح مصالحة المصالحة التي يحيكها السياسيون في القاهرة.ونخشى أننا دخلنا في زمن ينطبق عليه قول الشّيخ محي الدّين ابن عربي “هذا زمن السّكوت وملازمة البيوت والاقتصار على القوت والتّوكل على الحيّ الذّي لا يموت”.

*Ibrahem_ibrach@hotmail.com