انفلونزا جنون البشر!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1884)

ما اغتنى غني الا بفقر فقير”

الامام علي بن ابي طالب


العولمة الامبريالية بحد ذاتها ليست وباءا او طاعونا او انفونزا، وانما هي حاضنة طبيعية وحافظة جينية لكل هذه الانواع وغيرها من الاعراض الجانبية لفساد العلة وخصوبة فيروساتها المتحولة تكيفا مع مدارات صراعتها المتصاعدة والمتواصلة للنيل من المضادات الطبيعية في الطبيعة والانسان!

انها الوريث الشرعي لكل عبثيات الانسان بالطبيعة وبنفسه منذ ان ظهرت الملكية الخاصة وطقوس تقديسها المتوالدة في احضان سوقها الذي لا يقبل بغير الربح والخسارة قانونا وجوديا له!

اربح ما تحتاجه ولو على حساب خسارة العالم اجمع، اربح العالم حتى ولو خسرت نفسك، قال ماركس واصفا مراتب الجشع الراسمالي: كلما تضاعفت النسب المئوية في الارباح كلما تنازل الراسمالي عن مكنوناته الانسانية!

لم يكن التملك الاستغلالي غريزيا عند الانسان وانما هو خاصية تاريخية مكتسبة ومرتبطة بظهور الطبقات، فالفقر والغنى مظهران طبقيان في سياق اجتماعي واحد، ولا يتمظهران الا معا، وبالضبط كما ورد في وصف الامام علي بن ابي طالب لحالة التمايز الاجتماعي المتقابل عندما قال: ما اغتنى غني الا بفقر فقير!

كلما تمركز ريع ثروات العالم وزادت عمليات تركز اسواقه واندماجها كلما ازدادت مخاطر التلوث الشامل وتكاثفت عوامل الخلل البنيوي فيه واتسع نطاقه، حتى نجده معمما على كل زوايا الارض واثيرها، وعلى كل زوايا الانسان وانفاسه، وتصبح شرايين الحضارة هي ذاتها شرايين لبربرية ما بعد الحداثة !

احصائيات علمية موثقة تؤكد ان الجهود العلمية والاموال المسفوحة على التسلح وسباقه منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى بداية هذا القرن، كانت كافية لتحقيق هدف عولمي انساني ينتج طفرة نوعية في معالجة كافة الامراض التي تصيب الانسان والحيوان والنبات، وكافية لتقليص نسبة ثاني اوكسيد الكاربون في الجو، وكافية لمعالجة مشاكل دورات الجوع الناتجة عن الجفاف، وكافية لايجاد حلول علمية وعملية لمشكلة المياه الصالحة للاستعمال البشري، وكافية لايجاد حلول لمشاكل التصحر وكافية لاحداث اختراقات كشفية ومعرفية في كافة مجالات العلوم الطبيعية والانسانية مما يوفر على البشرية الكثير من الالام والمعاناة والوقت الذي لا يسير لمصلحة الانسان غير الجاهز لمواجهة ما تضمره الطبيعة من متغيرات ومفاجئات!

ان الراسمالية كمنظومة اجتماعية اقتصادية سياسية وفكرية قد اصبحت معيقة موضوعية لانطلاقة انسانية لقوى الانتاج ووجهتها، ولا تنفع ترميمات وترقيعات وتجريبات كل المتشبثين بها والمتضررين من اضمحلالها، فلا العودة لليبرالية القديمة حلا ولا تشذيب الليبرالية الجديدة نافعا، فاهدار الطاقات وتضليل القوى يزيد من تعمق الازمة الشاملة ويسرع بتحولها الى كارثة كونية، مما يستوجب تشديد العمل المقاوم للسياسات اللا انسانية لللاحتكارات المسيطرة على العالم ومصيره، ويستوجب وحدة عالمية اممية لكل القوى والشعوب المتضررة بشكل مباشر وغير مباشرة من هذه السياسات الانانية واللا مسؤولة، ويستوجب التثقيف الحثيث بالخرافة المثالية للراسمالية ومنظومتها الفلسفية!

النضال المهني والنقابي سيلعب دورا رائدا في هذا الدفع المطلوب عالميا، وكذا الحال بالنسبة لتجمعات احزاب اليسار والخضر وجمعيات العلماء والباحثين والمثقفين!

ان استعادة زمام المبادرة لقوى التغيير في العالم لا يتحقق الا بتبني بديل انساني للراسمالية الفاسدة والا بابتكار اساليب تنظيمية فعالة تستثمر ثورة الاتصالات لمصلحة التحشيد والتثوير

والتاثير الذي لا يتوقف مدده حتى يتحقق التغيير المطلوب!

الهجوم افضل وسيلة للدفاع، هذه القاعدة في الصراعات هي رافعة ضرورية باتجاه تحقيق الاهداف الانسانية المرجوة، والتتشعب المطالب النضالية بهذا الاتجاه!

لتكن المطالبة العمالية بتبني شعار اعادة تقسيم يوم الانسان العامل بين 6 ساعات عمل و 10 ساعات راحة ومعرفة و 8 ساعات نوم، اي 30 ساعة عمل في الاسبوع، والنضال من اجل تبني قانون لا اجبار للعمل بعد عمر الستين، نموذج مطلبي من ضمن المطالب الضرورية الاخرى!