بين أزمة في تسويق السيارات والتحدي الصيني؟

د. ثابت عكاوي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1885)

رغم أن الأزمة الاقتصادية شاملة عالمياً ولا سيما في بلدان المركز، ورغم المؤتمرات وبيانات التنسيق بين الدول الغنية، إلا أن سياسة كل دولة مخالفة وربما منافسة للأخرى تبعاً لمدى تاثير الأزمة على كل منها. يمكننا قراءة الاختلاف من خلال سوق السيارات التي تشكل محركاً للسوق بعامته، لا سيما في أميركا حيث تقترب النسبة إلى سيارة لكل فرد، فهي تعني كل مواطن، مما يؤكد أن خلخلة هذه السوق تؤثر على مجمل الاقتصاد، بغض النظر عن حدود التأثير.

لذا، تتصاعد المطالب أوروبياً وأميركياً لتقديم يد العون لهذه الصناعة التي أصبحت في خطر، إلا أن رئيسة الهيئة الأوروبية للمنافسة التجارية نيللي كروز أطلقت تحذيراً شديد اللهجة إلى كل من فرنسا وألمانيا من مخاطر مجاراة الحكومة الأميركية بدعم صناعة السيارات في بلديهما، ودعت كروز جميع الحكومات إلى عدم الوقوع في فخ سباق دعم صناعة السيارات بعد تصاعد الدعوات في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا.

يستدعي الفارق بين الحالتين الأوروبية والميركية قراءة أوسع لموقع ودور السيارات في أميركا.

دولة ” في ” السيارات وليست سيارات في الدولة!

يكاد يعتقد المرء أن اميركا دولة تعيش داخل السيارات سواء من حيث عدد المشتغلين في صناعتها أو مستخدميها أو الذين يوفرون لها الوقود. أنتجت الولايات المتحدة عام 1999 لوحده 13 مليون سيارة. ويبلغ اجمالي فرص العمل المتولدة عن صناعة السيارات 6,6 مليون فرصة عمل. وفي عام 2003 اتضح ان 1 من كل ستة عاملين في اميركا يتعامل بشكل او آخر مع السيارات والشاحنات صنعا او قيادة او تأمينا او ترخيصا او عملا في بناء او صيانة الطرق.

لكن الصورة الحقيقية لوضع السيارة في المجتمع الأميركي تتجلى في وقت الرفاه. فبين عامي 1985-2001 ارتفعت نسبة السيارات الرياضية في أميركا من 27 إلى 63% أي تضاعفت السيارات المستهلكة للوقود!!!

وكان عدد السيارات المسجلة في أميركا عام 1980 هو 155,790,000 سيارة، ووصل عام 2001 إلى 215,580,000 سيارة، وهذا في بلد يبلغ عدد سكانه 300 مليون نسمة. في أميركا هناك 834 مركبة لكل 1000 شخص أي بأكثر من خمسين بالمئة من أوروبا. ومع ذلك ما هو أهم من الملكية هو استهلاك النفط وغزارة الاستعمال، ففي أميركا لا يعرق سكان المدن التنقل مشياً من اي مكان إلى آخر، ناهيك عن أن السيارة الأميركية تتفاخر بحجمها الضخم.

السيارات والوقود وماذا يبقى من الاقتصاد

وصل استهلاك أميركا عام 1999 من الوقود إلى 19,4 مليون برميل يوميا سيصل عام 2020 إلى 26 مليون برميل يوميا. ويبلغ استهلاك المركبات في أميركا من الوقود 10,6 مليون برميل يوميا وهو يزيد عن نصف الاستهلاك الأميركي، ويساوي الإستهلاك الإجمالي لأميركا الحنوبية، وأفريقيا والإتحاد السوفييتي السابق معا.

كانت حصة وسائط النقل من استهلاك أميركا من النفط أي سيارات وطائرات وسفن وقطارات.

1950 54%

1970 60%

1990 67%

وتبلغ حصة السيارات من هذا 53% وهذا وصل بالأرقام إلى 10,1% سنة 2001.

كما يبلغ استهلاك الفرد الأميركي الواحد من بنزين وديزل السيارات 2,043 ليترا في السنة اي ثلاثة أضعاف الفرد في اليابان.

ونظراً لهذا الحضور الضخم لصناعة السيارات في أميركا، فإن هذه الشركات تتحكم بسياسات الدولة. فقد تمكنت شركة جنرال موتورز منذ العشرينات من شراء الترامواي الكهربائي كي تحل السيارات محله، أي سيطر احتكار السيارات في وقت مبكر.

وفي عام 1956 صدر قانون الطريق العام الفدرالي بإقامة شبكة طرق بين الولايات بكلفة 41 مليار دولار دفعت الحكومة الفدرالية 90% وذلك في فترة حكم ايزنهاور. ورغم أن هذا يعتبر “إنجازاً” لأيزنهاور إلا أنه إنجاز فيما يتعلق بتحكم راس المال في المجتمع، بمعنى أن النقليات العامة كالقطارات والباصات هي اقل كلفة على المواطن الذي يضطر لاتساع أميركا وطول المسافات لشراء سيارة خاصة في غياب المواصلات العامة.

وتتضح هيمنة شركات السيارات على الحكومة من جوانب أخرى مثل الضرائب التي تتقاضاها الدولة على وقود السيارات، فقد كانت في عام 1999: اميركا 33% ، كندا 49% اليابان 59%، بريطانيا 76%.

ألسيارات نموذج الأزمة والعلاج

ترتب على الأزمة المالية الاقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان اختلاف الآراء والمواقف فيما يخص آليات العلاج. وكان أكثر الاختلافات وضوحاً في الولايات المتحدة، حيث متطلبات الاقتصاد القومي تتباعد عن متطلبات النخب الحاكمة والمتحكمة، اي النخبة المالية والنخبة الصناعية المدنية والنخبة السياسية والنخبة العسكرية والنخبة الثقافية (الإيديولوجية والأكاديمية) ، بمعنى أين تعطى أولوية ضخ أموال خطة الإنقاذ.

من جانبه كان قد أعلن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أنه سيؤيد مشروع قانون يمثل حلاً وسطاً لإنقاذ صناعة السيارات ويجب أن يمررها الكونجرس في أسرع وقت. وحينها قالت دانا برينو المتحدثة باسم البيت الأبيض «إن الخطة المطروحة لإنقاذ صناعة السيارات بتقديم قروض عاجلة تصل إلى 25 مليار دولار تحظى بتأييد ودعم البيت الأبيض، ونحن نشجع الكونجرس على الموافقة عليها في أسرع وقت ممكن». لكن رئيسي مجلس النواب والشيوخ طالبا بإعادة هيكلة صناعة السيارات. وتطلب شركات صناعة السيارات الأميركية الثلاث الرئسيسة مساعدة حكومية طارئة قيمتها 25 مليار دولار لاجتياز تباطؤ حاد في النشاط، اي بمقدار ما تحدث عنه الرئيس الميركي نفسه.

وأدلى الرؤساء التنفيذيون للشركات الثلاث بشهادات أمام لجنتين للكونجرس مفادها إنه دون تدخل حكومي بخطة إنقاذ فإن شركاتهم ستكون معرضة للانهيار، محذرين مما سيمثله ذلك من مخاطر أوسع على الاقتصاد الأميركي. م

من جهة أخرى، لا تلقى مصاعب شركات السيارات تعاطفاً كبيراً من جانب المشرّعين، فقد رد رئيس اللجنة السيناتور الديموقراطي كريستور دود على كلام واجنور قائلاً إن شركات السيارات «تحاول الحصول على علاج من جراح ألحقتها بنفسها في الغالب» لكن السيناتور دود اتفق مع التحذير من أن ترك هذه الشركات لتواجه الانهيار، سيؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف في الولايات المتحدة.

يرى بعض النواب الجمهوريين أن الأزمة المالية العالمية ليست السبب فيما تعانيه شركات صناعة السيارات الأميركية، ويقولون إن إنتاج فورد وجنرال موتورز وكرايسلر لا يتسم بالكفاءة التي يتسم بها منافسوهم، وإن تكلفة عمالتها عالية قياساً بالشركات الأجنبية المنافسة. وهذا الحديث وإن بدا نقداً للشركات، إلا أنه يصب لصالح إيديولوجيا الجمهوريين التي تلقي بالعبىء على العمال ليقبلوا بأجور اقل إذا أرادوا البقاء في وظائفهم! والطريف أن تدني مداخيل الطبقات الشعبية كان هو الأساس وراء أزمة عجز الاستهلاك وبالتالي الركود الاقتصادي الحالي! لذا، لعل تدقيقاً مناسباً في هذا الحديث يبين أن معارضة مطالب هذه الشركات هي ضعيفة، بمعنى أن النخب المذكورة أعلاه، سوف تقدم لهذه الشركات ما تريد، أو على الأقل ما تحتاج. ويجد مؤيدوا الدعم ما يبرر مواقفهم معتمدين على دور السيارة في المجتمع الميركي. مثلا يقول آلان مولالي رئيس فورد من أن انهيار شركة واحدة سيكون له عواقب وخيمة واسعة وقال «إن هذه الصناعة متداخلة، نحن نمثل 10% من الناتج القومي الأميركي وإذا تعرضت إحدى الشركات لمصاعب خطيرة فسوف ينعكس ذلك على كامل الصناعة». ولهذا السبب ربما جاءت موافقة إدارة الرئيس الحالي على ما اقرته إدارة الرئيس السابق.

وماذا عن أوروبا؟

تجدر الإشارة إلى أن هناك مستويين من التداخل الراسمالي بين بلدان المركز. فالمستوى الأول هو وجود اسهم لمواطنين من مختلف هذه الدول في شركات بعضها البعض، والثاني شراء الشركات لبعضها البعض ايضاً. فمن المعروف أن شركات السيارات البريطانية أقامت تحالفات صناعية مع عمالقة صناعة السيارات في كل من ألمانيا وأميركا هرباً من اضمحلال هذه الصناعة في بريطانيا حيث انضمت شركتا جاكوار ولاندروفر إلى شركة فورد الأميركية، فيما أصبحت شركة بنتلي تابعة لشركة فولكسفاغن الألمانية ولحقت بهم شركة رولزرويس والأنواع الصغيرة من سيارة ميني لتنضم إلى شركة بي إم دبليو. لذا، ترى مصادر بريطانية، أن دعم هذه الصناعة هو بمثابة تصدير المشكلة إلى الدول الأخرى وليس حلاً لها، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك وسائل يمكنه عبرها مساعدة هذه الصناعة مثل صندوق المساعدة البيئية حيث ستكون الفائدة التي يحصل عليها الاتحاد مزدوجة لإنقاذ صناعة السيارات ومحاربة الاحتباس الحراري. وكان صانعو السيارات في القارة الأوروبية قد طلبوا مبلغ 50 مليار دولار على شكل قروض ميسرة.

فقد طلبت شركة أوبل الألمانية، وهي فرع لشركة جنرال موتورز الأميركية، من الحكومة الألمانية الحصول على أكثر من مليار دولار أميركي على شكل ضمانات لحماية صادراتها والتعويض في حال امتناع زبائنها الخارجيين عن دفع الأموال المتوجبة عليهم.. وبحسب تقارير محلية فسوف توفر بعض حكومات الولايات الألمانية المحلية مبلغ مليار دولار أميركي إضافي لفروع الشركة في المناطق المختلفة من البلاد.

وأعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في وقت سابق عن استعدادها لمساعدة شركة أوبل إذا استدعت الضرورةً ذلك. كما صرحت خلال عطلة نهاية الأسبوع «من المهم.. محاولة مساعدة صناعة السيارات» كما دعا وزير المالية الفرنسي كريتسين لاغارد إلى اعتماد استراتيجيات أوروبية ملائمة من أجل مساعدة قطاع صناعة السيارات، حيث يعمل، على سبيل المثال، عشرات آلاف الفرنسيين في شركتي بيجو ورينو، وقال كل من رئيس حكومة لوكسمبورج جان كلود يونكر ووزير الخارجية الألماني فرانك وولتر شتاينماير إن خطط مساعدة شركات صناعة السيارات يجب أن تعمم على نطاق واسع في دول الاتحاد الأوروبي.

ويعمل ما لا يقل عن 750 ألف شخص في قطاع صناعة السيارات أو لدى الشركات التابعة لها في ألمانيا، ويأتي ذلك في وقت يتراجع فيه الطلب في الولايات المتحدة على شراء سيارات فاخرة مثل مرسيدس وبي أم دبليو.. ويرى خبراء إن إفلاس أي شركة لصناعة السيارات في ألمانيا ستكون له نتائج كارثية على أكبر اقتصاد في أوروبا.

ولكن هناك معارضة لتطبيق خطط للمساعدة الشاملة على حساب دافع الضرائب. ويقول منتقدون إنه ليس من الصواب ضخ الأموال على شركات أخفقت في تبني استراتيجيات تسويق حقيقية وجديدة. وأشار هؤلاء إلى أن الحكومة البريطانية دفعت لشركة لايلاند لصنع السيارات حوالي 16.5 مليار دولار أميركي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قبل أن تقفل هذه الشركة أبوابها وتخرج من هذه الصناعة تماماً. وقال جون كاسيسا من شركة كاسيسا شابيرو غروب في نيويورك إنه من الملائم الإشارة إلى تجربة لايلاند البريطانية من باب التحذير. وأضاف أن هذه المخاطر قد تتكرر في كل من الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً.

ولكن باختصار، فإنه رغم ضخامة المساعدات المطلوبة، ووجود معارضة في الشرائح العليا التي لا تتناقض مصالحها كثيرا مع شركات السيارات، إلا إن المعارضة الفعلية من الطبات الشعبية غير موجودة، وهذا يعني في النهاية أن هذه الشركات سوف تأخذ ما تطلب. صحيح أن أوروبا لن تدفع كما تفعل أميركا، لكن دافع الضرائب الأوروبي سيدفع ايضاً.

السيارة الصفراء على الأبواب

يركز مؤيدو الدعم على خطر المنافسة الصينية. ويأتي ذلك في الوقت الذي تتخذ فيه السيارات الصينية الرخيصة منحنى آخر، فقد بلغ الإنتاج الصيني 7.31 مليون وحدة بينما بلغت المبيعات 7.23 مليون وحدة في أول تسعة أشهر من العام الماضي بزيادة 12.35 % و11.94 % على التوالي عن مستوى العام الذي سبقه. إلا أن معدلات النمو كانت أقل بـ11.91 نقطة مئوية و10.84 نقطة مئوية على التوالي عن العام الماضي.

وهذا يطرح على الأوروبيين والأميركيين أسئلة كلها تحديات. فإما أن يضغطوا على العمال لقبول أجور اقل، وهذا ينتهي إلى ركود استهلاكي يُطال الاقتصاد بعامته، وإما أن ينقلوا الشركات إلى الصين أو يوقفوا شركاتهم ويشتروا اسهماً في الشركات الصينية، وهذا يزيد البطالة والركود مرة ثانية في بلدانهم ويزيد فرص السبق والهيمنة الصينية، وإما أن ينقلوا الصناعات إلى بلدان أخرى، وهذا ايضا يزيد معدل البطالة في بلدانهم ويزيد الأموال المتدفقة إلى النخبة، والتي ثبت أن استهلاكها لا يحل محل الاستهلاك الجماهيري. في مختلف الأحوال، فإن الخطر ليس في الأزمة وحدها، بل في وجود الصين التي وهي تعبر من مرحلة التراكم الأولي إى الموسع تهلك عمالها بأقل الأجور، وإلى أن تصل الأجور لديها بما يقارب المتسويات الغربية سيظل وجودها هو التحدي الأشد! فما العمل؟