استراتيجية بلير!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1888)

حسناً فعلت جامعة الدول العربية بمسارعتها لنفي شبهة النية في تعديل ما تسمى “مبادرة السلام العربية”. نقول هذا مع تأكيدنا سلفاً على رأينا في هذه المبادرة، وذلك باعتبارها خطوة تنازلية عربية من شأنها إن مسّت جوهر القضية الفلسطينية، الذي هو حق العودة، المفترض أنه غير القابل للتصرف، عندما أحالته إلى ما دعته بحل “عادل متفق عليه”، بين الطرفين، أي مدار توافق بين من اغتَصب الحق ومن اغتُصِب حقه. ونقوله أيضاً، بعد التذكير بأنها لم تحظ بقبول من طُرحت لمسالمته والتطبيع معه، بعد التنازل له عن 80 بالمائة من فلسطين التاريخية، والاستعداد لمساومته على ما تبقى، والذي، كما هو معروف، سارع لوئدها في مهدها ولا زال يؤكد كل يوم على ما كان منه.

لكنما، وحيث، كما يقال، لا دخان بلا نار، فإن دخان التسريب الذي كانت له مقدماته عن نية تعديلها، أصحّ ما حمله أو لم يصح، لا زال يلبد بكثافة أجواء المنطقة التي يشكل تردي حالها مرتعاً خصباً لمثل هذا الدخان، لدرجة أنه لم تنجح التصريحات التي أعقبت اجتماع نصف وزراء خارجية العرب ومقرراته الباهتة في تبديده.

الحراك العربي باتجاه واشنطن، المعلق الآمال المبالغ فيها على مشجب الإدارة الأمريكية الأوبامية، واستنطاقها بأكثر مما تنطقه وتعنيه حول إلتزامها بما يعرف ب “حل الدولتين”، ومعه ما توحي به من نذير شؤم تحركات وتصريحات طوني بلير الأخيرة، وربطنا لكل ذلك بمواقف الحكومة الإسرائيلية المعلنة، كلها أمور، إلى جانب ضآلة حجم التمثيل في اجتماع الجامعة وتواضع مقرراته، الذي يفترض منه أن يتخذ المواقف لمواجهة مواقفها، تدعونا موضوعياً إلى ترجيح سير الراهن العربي باتجاه مثل هذا التعديل مثار التسريب!

وفق المعلن، سوف يتقاطر في الأيام القادمة زعماء عرب على واشنطن، التي سبقهم آخرون منهم إليها، وبعد أن يحل نتنياهو في شرم الشيخ سوف يتوجه إلى هناك، وكل هذا يأتي في سياق ما يوصف بتحرك دولي واسع يهدف إلى “رسم خطوات إحياء عملية سلام شاملة”، خلال الأشهر الثلاثة القادمة. يتم التمهيد لها بما وُصفت ب”سلسلة متشعبة” من المشاورات الأوروبية الأمريكية مع إسرائيل والعرب لوضع خطة عمل لاتفاق سلام “متكامل”، بلير يتوقع أن تعلن خلال أسابيع!

الأوروبيون اللذين لا يكلون ولا يملون منذ أمد على طرح وساطتهم “لخلق ظروف ملائمة لجلوس الفلسطينيين والإسرائيليين معاً”، وكأنما هذا الجلوس قد انقطع! يثابرون على عزف ما يتردد الآن على هامش هذه الحركة، التي، وفق ما يقولون، أنها تهدف للخروج ب “خطة عمل مشتركة”، يأملون أن يعلنها أوباما بعد لقاءه مع نتنياهو، حيث على أثرها تجتمع الأطراف “للبحث في كيفية دفع العملية إلى الأمام”. كما أن “الرباعية” وفق ما يقوله مبعوثها بليرسوف تجتمع في واشنطن لمناقشة ما دعاه “الاستراتيجية الجديدة وتقديمها إثر لقاءات أوباما بكل من الرئيس المصري، ورئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، وطبعاً، نتنياهو، وكل من سبقهم إلى واشنطن!

هنا، لابد لنا من التوقف أمام تصريحات رئيس السلطة “الفلسطينية” إثر لقاءه مع الرئيس المصري، والذي قال فيها لقد “رتبنا الأمور فيما بيننا جيداً… ونريد تقديم مشروع لحل قضية الشرق الأوسط وليس فقط قضية فلسطين”… بالإضافة إلى تأكيده على أنه لم يقبل استقالة حكومة سلام فياض بعد “ولذا فهي عائدة في وقت قريب مع نوع من الإضافات”، معتبراً أن هذا لن يؤثر على ما يسمى “الحوار الوطني”… الحوار الذي خبت ضجته وفترت الحماسة للحديث عنه بما قد ينبئ بمصيره المتوقع!

قد يكون من قبيل إعادة اكتشاف المكتشف أن الإدارة الأمريكية الأوبامية لم و لن تغير وليست في وارد أو حتى قدرة تغيير الثوابت الأمريكية المعروفة اتجاه إسرائيل، ومن نافل القول أن كل ما سوف يتبدل في مقاربتها للصراع في بلادنا هو الأسلوب وليس الأهداف و المنطلقات التي لن تجافي تلك الثوابت. لكنما جديدها هو قناعتها بأن مواصلتها لحرب سابقتها على ما يسمى الإرهاب ومواجهتها مع إيران لن يكتب لهما النجاح بدون حل أو تصفية هذا الصراع أو على الأقل تهدئته. وهذا هو مصدر كل ما يشاع أو ما يؤمّل ويحمّل على حالة ما يمكن وصفه بالدفع والجذب من بين مواقف كل من واشنطن وتل أبيب هذه الأيام حيال حكاية “حل الدولتين”، أو ما لم ولن يصل إلى مستوى الخلاف بينهما… فما هو الموقف الإسرائيلي؟!

سلفاً، وإذا وضعنا جانباً تصريحات أفيغدور ليبرمان، يعتبر نتنياهو في آخر تصريحاته أن “حل الدولتين” هو “غير قابل للتطبيق في المستقبل المنظور”، وسيطرح على أوباما، وفق ما أوردته صحيفة “يدعوت أحرنوت”، بديلاً أو عوضاً عنه فكرة “الحكم الذاتي”، والعمل تدريجياً من أجل ما دعته بناء قاعدة للتسوية الدائمة “من أسفل إلى أعلى”، في شكل يقود إلى بناء كيان يتمتع بالسيادة “على أن يتم تعريفه لاحقاً”!!!

هناك شيء ما يطبخ… لكنما هناك أيضاً ما يطرح سؤالاً هو برسم جميع الواهمين في الساحة العربية تحديداً حول جدية ما يطرح استرضاءاً لنتنياهو… يقول بلير حول الأمر: “نحن بصدد بلورة إطار عمل جديد… لكني لا أملك سوى تكهنات عن مضمونه. وإن كنت أعتقد بأن هناك دافعاً للتفاؤل لأن هذا الإطار يتم صوغه على أعلى مستوى في الإدارة الأمريكية و المجتمع الدولي”!

وإذا كان من عادة العرب أنهم دائماً في موقع من عليه أن يقدم شيئاً ما بعيد كل حكومة إسرائيلية جديدة، فإن استرضاء نتنياهو، وفق من ينطق باسمهم المنطق البليري، هو وجوب ملاقاته في وسط الطريق، الأمر الذي يصب في مطلب تعديل المبادرة العربية لزوماً… مقابل ماذا؟!

مقابل تفاوضوا وتفاوضوا، لأن عملية تهويد ما تبقى من فلسطين لم تستكمل بعد ويحتاج استكمالها لمزيد من الوقت، وحيث عملية التهويد هذه مستمرة فإن نتائج العملية التفاوضية لابأس من أن تترك إلى أن يكتمل التهويد… أو عليكم انتظار الآتي الذي يظل في علم الغيب!

هذه هي الاستراتيجية الجديدة المنشودة التي يحاول أن ينسجم معها الدور الأوروبي، أو يسعى لتمريرها الغرب أو “المجتمع الدولي”، والتي سيناقشها وقدمها بلير ولجنته في واشنطن بعيد أن تودع هذه زوارها… الاستراتيجية التي جوهرها أن المطلوب هو شطب جوهر القضية… إسقاط حق العودة… وإذا ما أُسقط، و اُعترف بيهودية الدولة، وتم التطبيع مع الغاصب… ترى ما الذي يتبقى من قضية العرب المركزية في فلسطين؟؟!!