لؤم الخطاب السياسي الغربي!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1888)

بسبب الاضطراب العظيم الذي أصاب المكانة الإمبراطورية الدولية للولايات المتحدة، والذي أصاب النظام الدولي الرأسمالي الربوي عموماً، طرأ تغيير كبير على شكل الخطاب السياسي الغربي عموماً والأميركي خصوصاً، فهو يبدو اليوم أقلّ عدوانية عن الأمس بما لا يقاس في تعبيراته المباشرة، لكنّ المستمع لا يحتاج كبير جهد كي يكتشف أنّه احتفظ ضمناً بكلّ ما عرف عنه من لؤم! إنّ اللؤم نقيض العفّة والشهامة وعنوان الخسّة والإجرام، وسوف نشير إلى ما يؤكّد ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في تناول الخطاب الغربي لكلّ من كوبا وفلسطين، ولنبدأ بفلسطين:

مشروع ضريح لقضية ميتة!

تتأهّب الإدارة الأميركية لنقلة يقال أنّها ستكون نوعية بصدد القضية الفلسطينية، وخلاصة هذه النقلة هو العمل الجاد على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش بسلام جنباً إلى جنب مع جارتها الإسرائيلية! والخطاب الغربي عموماً، بما فيه فرعه العربي، يظهر هذا المشروع في حال إنجازه على أنّه انتصار للفلسطينيين والعرب: الفلسطينيون يحققون حلمهم بالحصول على دولتهم الخاصة! كأنّما فلسطين ليست بكاملها بلادهم المغتصبة بالأمس القريب، والمعترف دولياً بشرعية اغتصابها تحت ضغط الولايات المتحدة بالذات! أمّا الحكّام العرب فيحققون حلمهم بنجاح مبادرتهم وبالحصول على “إسرائيلهم” التي سوف تندمج بكلّ عبقرياتها في نسيج المنطقة، كأنما العبقرية وقف على الإسرائيليين وحماتهم! وبالفعل كان أحد الملوك العرب قد عبّر، في وقت مبكّر، عن أمله في اجتماع العبقرية الإسرائيلية والمال العربي!

لكنّ الدولة الفلسطينية المزعومة سوف تقام، في حال إقامتها، على رقعة من الأراضي الفلسطينية الممزّقة لا تتجاوز مساحتها الإجمالية ثلاثة أو أربعة آلاف كيلو متراً مربّعاً، أي على حوالي نصف خمس مساحة فلسطين الإجمالية (27 ألف كيلو متراً مربّعاً) حيث يعيش أربعة ملايين فلسطيني من أصل عشرة ملايين، فما هو هذا المشروع إن لم يكن مجرّد ضريح لقضية يريدون إغلاق ملفاتها والإقرار بموتها؟

أمّا عن الاندماج الإسرائيلي في النسيج العربي فإنّه لمن شبه المؤكّد أنّ ذلك لن يتحقّق، وأهمّ الأسباب، بكلّ بساطة، عدم وجود نسيج عربي معاصر، حتى على مستوى المال والأعمال، حيث حجم التبادل بين الدول العربية، بجميع أنواعه المادية والمعنوية، لا يتجاوز سبعة في المائة، والاستثمارات المالية العربية العظمى موظفة في الغرب الأوروبي الأميركي، ولم يستثمر منها في البلاد العربية سوى فتات الفتات!

والحال أنّ هذه الدول العربية في معظمها، في الواقع، مجرّد مناطق مدارة بحكم ذاتي لصالح الغرب، وهكذا فإنّ اللؤم في الخطاب الغربي يبرز في محاولته إظهار الفلسطينيين أنداداً للإسرائيليين، بل إظهار غزّة لوحدها ندّاً خطيراً، وأنّها تهدّد أيضاً أمن النظام العربي، أي أنّ الفلسطينيين هم من يعتدي على الإسرائيليين ويهدّد وجودهم، الأمر الذي يستدعي تدخّل الحكّام العرب لصالح الإسرائيليين! أمّا عن منح الفلسطينيين دولة فهو في أحد وجوهه رضوخ غربي دافعه اتقاء الشر الفلسطيني! وأمّا عن النظام الرسمي العربي فيدأب الخطاب الغربي على إظهاره ندّاً للغرب، بل معتدياً على الغرب ومهدّداً لوجوده بأمواله وبنفطه!

على هافانا الاعتذار من واشنطن!

وفي مؤتمر القمة القاري الأميركي، الذي انعقد قبل أيام، خلا خطاب واشنطن الموجّه إلى دول أميركا الجنوبية من النبرة العدوانية المباشرة المعتادة، لكنّه احتفظ ضمناً بكلّ لؤمه، فقد أبدت هذه الدول رغبة مخلصة في إقامة علاقات نزيهة مع الولايات المتحدة، وألحّت جميعها على رفع الحصار الظالم المفروض على كوبا منذ ستين عاماً، فكان ردّ الرئيس الأميركي أوباما أنّ على هذه الدول، بما فيها كوبا، أن تقرن رغبتها بالأفعال، الأمر الذي دفع فيدل كاسترو إلى وصف باراك أوباما بالكذّاب، حيث خطابه إنساني سلمي في شكله ولئيم إجرامي في مضمونه، وإلاّ فكيف يطلب من كوبا مثلاً، وهي المحاصرة من قبل حكومته، أن تقرن رغبتها بالأفعال؟ هل المطلوب منها هو الانصياع وتمكين الحصار من تحقيق أهدافه؟ وما هي هذه الأهداف؟

يبلغ عدد سكان كوبا اليوم حوالي 12 مليون نسمة، وعندما احتلّها الأسبان مطلع القرن السادس عشر، عام 1511، كان عدد سكانها الأصليين مائة ألف نسمة، وبعد أقلّ من خمسة أعوام من انطلاق عملية الإبادة والاستيطان، مابين العامين 1514 – 1519، هبط عدد أصحاب البلد الأصليين من مائة ألف إلى بضع مئات الأشخاص، أي أنّهم زالوا من الوجود، حيث تمّ القضاء عليهم بطرق منهجية على أيدي المتحضرين الغربيين، وانفرد المستعمرون الأسبان بالثروات الهائلة من الذهب الكوبي، الذي سرعان ما نفد، فبدأوا بشحن الأفارقة كالقطعان إلى كوبا لتشغيلهم كعبيد، بل كآلات، في زراعة التبغ وقصب السكّر!

في القرن التاسع عشر بدأ سكان كوبا الجدد المستعبدون بدورهم نضالهم لإلغاء نظام الرقّ الأسباني، وبالفعل أعلنت المساواة بين البيض والسود في العام 1893، ثمّ اندلعت الثورة ضدّ الأسبان بقيادة خوسيه مارتي في العام 1895، وفي العام 1898، وهو تاريخ تحوّل الولايات المتحدة إلى إمبريالية، تدخّلت واشنطن التي تسيطر على تجارة السكر في كوبا ضدّ الاستعمار الأسباني القديم، وفي العام نفسه أبرمت معاهدة تخلّت مدريد بموجبها عن كوبا لواشنطن، وأقيم نظام كوبي تضمّن دستوره منح واشنطن حقّ التدخّل في الشؤون الكوبية وحقّ إقامة قاعدتين بحريتين فيها! وقد سيطر الأميركيون على كوبا حتى عام انتصار الثورة الكوبية بقيادة كاسترو عام 1959، ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا تعيش كوبا تحت الحصار، وعندما تدعو اليوم إلى رفعه، وإلى علاقات جديدة نزيهة مع محاصرها المنهك بالأزمات، المتظاهر بالنزوع إلى السلم والعدل، تسمع من الرئيس أوباما الجواب الذي يقطر لؤماً، وهو أنّ عليها أن تقرن رغبتها بالأفعال!

ns_shamali@yahoo.com