دولة فلسطينية أم ضريح للقضية؟

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1891)

هل هناك من يجهل وينبغي إعلامه أنّ الإسرائيليين يحتلون منذ عام 1948 معظم أراضي فلسطين التي مساحتها الإجمالية 27 ألف كيلو متراً مربعاً، وأنّ أراضي الضفة والقطاع المحتلة عام 1967 مساحتها حوالي ستة آلاف كيلو متر مربع، أي حوالي خمس مساحة فلسطين؟ إنّ هذا الخمس المتبقي هو الذي ستقام عليه الدولة الفلسطينية، في حال قيامها، غير أنّه ليس معروضا بكامله على الفلسطينيين لإقامة “دولتهم القابلة للحياة” حسب التعبير الأميركي، بل ولا حتى معظمه، فالمعروض هو نصفه أو أكثر قليلاً، حيث النصف الآخر من هذا الخمس استولى عليه الإسرائيليون وحوّلوه إلى مستعمرات استيطانية، ومزّقوه بالجدران العازلة، فكيف ستنهض دولة فلسطينية قابلة للحياة على مساحة تتراوح بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف كيلو متر مربع، في حال تفكيك بعض المستعمرات الصهيونية تحت الضغط الأميركي؟

إنّ السكان الفلسطينيين الحاليين في نصف الخمس المتبقي من أرض فلسطين يعدّون حوالي أربعة ملايين نسمة، علماً أنّ مليوناً ونصف المليون منهم محشورون في القطاع الذي مساحته حوالي 360 كيلو متراً مربّعاً فقط لا غير! هذا من دون إدخال فلسطينيي الشتات في الحسبان، وعددهم حوالي أربعة ملايين! ومن دون الاهتمام بمصير مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة عام 1948 تحت سيف إعلان الدولة اليهودية العنصرية المسلط على رقابهم، فإمّا العبودية بكلّ معنى الكلمة تحت نير الدولة اليهودية وإمّا التهجير والشتات! فأيّة دولة “قابلة للحياة” سوف تقام على هذا الأساس؟

غير أنّ الإدارة الأميركية الجديدة تؤكّد وتكرّر أنها مصمّمة على بذل الجهد من أجل إقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة والقطاع، الأراضي المحتلة عام 1967، وأنّ هذه الدولة سوف تكون قابلة للحياة، وسوف تعيش إلى جانب جارتها الإسرائيلية في سلام، وبالتالي يصبح ما ينبغي التساؤل بصدده هو: أيّة “حياة” يعنونها، وأيّ تعايش وأيّ سلام يقصدون؟

إنّ الأسس والوقائع والخطط التي ينطلق منها الأميركيون تقول أنّ ما سوف يحقّقونه، إذا ما تحقّق، لن يكون أبداً دولة فلسطينية قابلة للحياة، بل ضريحاً للقضية الفلسطينية! وقد وصف المبعوث الدولي، السويسري جان زيغلر، الوضع الحالي في فلسطين قائلاً أنّه نظام استعماري، وأنّ الفلسطينيين العزّل يعيشون كلّ يوم بيومه، فهم لا يعرفون ماذا سيأكلون في اليوم التالي، بينما أراضيهم تقضم بشكل دائم والاحتلال يواصل ضمّ الأراضي! قال زيغلر: “أنا لا أعتقد أنّ بالإمكان إقامة دولة فلسطينية، فلم تعد هناك حدود يمكن التفاوض عليها، ولم تعد هناك دولة يمكن أن تقام على ما تبقّى من أرض (صحيفة “الأخبار” البيروتية – 27/11/2007)!

لقد تحدّث زيغلر بوضوح واستقامة عن الاحتلال الإسرائيلي المحمي والمموّل من الولايات المتحدة، وقال أنّه، بصفته أوروبياً، لا يستطيع قبول تواطؤ الاتحاد الأوروبي مع الاحتلال الإسرائيلي، وأنّه ينبغي على الأوروبيين التمسّك بحدّ أدنى من المبادئ، غير أنّ أوروبا – حسب زيغلر – تعاني فقراً مدقعاً في الاستقلال (عن الولايات المتحدة) وفي التضامن (مع الشعوب المظلومة) مضيفاّ أنّ منظمة الأمم المتحدة تبدو بلا حول ولا قوة، فما معنى وجودها في اللجنة الرباعية ما دامت لا تستطيع سوى الكلام؟ أمّا عن اللجنة الرباعية فقد وصفها زيغلر بأنّها لا تعدو كونها واجهة لمحلّ تجاري، فهي مجرّد وهم من الأوهام، يراد منه التعمية على الوضع وإبقاء الحال في فلسطين على ما هو عليه! وها نحن بدورنا نرى أنّ الأسس والوقائع والخطط التي تريد الإدارة الأميركية أن تقيم عليها دولة فلسطينية قابلة للحياة لا يمكن أن يترتّب عليها سوى الوهم، للأسباب التي عرضنا عموماً جوانب منها!

إنّ المعلومات الرسمية الدولية عن الوضع في فلسطين المحتلة، قبل عمليات القتل والتدمير الشامل الأخيرة ضدّ قطاع غزّة، تقول أنّ 65 في المائة من الفلسطينيين يعانون سوء تغذية دائم، وأكثر من 15 في المائة من الأطفال دون العاشرة يعانون تشوّهات عصبية نتيجة سوء التغذية، ونحو 80 في المائة من المياه الجوفية في الضفة والقطاع تصبّ في المستعمرات الإسرائيلية وفي الأراضي المحتلة عام 1948، بحيث فرض على الفلسطينيين شراء الماء من شركات إسرائيلية خاصة، كذلك كانت هناك حتى العام 2007 أكثر من 285 بلدة وقرية فلسطينية في الضفة والقطاع معزولة بالكامل نتيجة الحصار العسكري الإسرائيلي، فصار العمل الزراعي محدوداً للغاية، وكذلك العمل التجاري! وجدير بلفت النظر أنّ هذا يحدث بوجود سلطة فلسطينية متساهلة ومتعاونة إلى أبعد الحدود، أمّا في قطاع غزة ” فإنّ مليوناً ونصف المليون فلسطيني محتجزون في قفص مغلق مساحته 360 كيلو متراً مربّعاً بتهمة تهديد أمن “إسرائيل” والولايات المتحدة والنظام الرسمي العربي! ومع ذلك يريد الأميركيون أن يستخلصوا اليوم من هذا الواقع حصراً دولة فلسطينية قابلة للحياة! فهل هذا معقول؟

ولكن ماذا عن موقف حكومات النظام الرسمي العربي، التي ينهمك بعضها اليوم في السعي لإنجاح المبادرة الأميركية الجديدة؟ إننا لا نجد ما نقوله عنهم ولهم أفضل مما قاله الشهيد الشيخ أحمد ياسين في رسالته الموجهة إلى مؤتمر القمة في العام 2004، قبل استشهاده بأيام قليلة، فقد خاطب الحكام العرب قائلاً: ” إنّ تمزّق الوطن العربي وضعفه وتنازعه أنتج تبعية لأميركا والغرب أضرّت بفلسطين وشعبها كما أضرّت بالمواطن العربي عموماً، وهذه الحالة المؤسفة هي نتاج تخطيط استعماري صهيوني قديم جداً.. إنّ السياسة الغربية، وبالذات البريطانية والأميركية، هي المسؤول الأول والأساس عن حالة التمزّق العربي وعن قيام الكيان الصهيوني واستمراريته، وأيضاً عن معوقات التحرير ونهضة الأمتين العربية والإسلامية، لكنّ مسؤولية الغرب عن نكبتنا لا تعني إلقاء التبعة كلّها على العوامل الخارجية وإعفاء النظام العربي والأمة من المسؤولية، فاستمرار النكبة وتفاقمها يعود إلى فشلنا أيضاً، وليس إلى قوة العدو والتآمر الدولي فقط”! وقد ختم الشهيد نداءه إلى الحكّام العرب بالقول: “لا تنتظروا منّا أن نستسلم ونرفع الراية البيضاء، لأننا تعلّمنا أنّنا سنموت أيضاً إن فعلنا ذلك، فاتركونا نموت بشرف المجاهد.. نرجوكم أن لا تكونوا علينا.. بالله عليكم لا تكونوا علينا يا قادة أمتنا”!

ns_shamali@yahoo.com