الاحتلال واليسارالانتهازي في العراق!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1892)

العمال والفلاحون والكسبة والشرائح المتنورة من الطبقة المتوسطة كل هؤلاء يشكلون القاعدة الطبقية لليسار بمفهومه العام. اما القاعدة السياسية لهذا اليسار فهي مجبولة تاريخيا على تخطي المقدسات الموروثة للطبقات السائدة، والتي راحت تتعامل مع حواجزها المصطنعة على انها مسلمات دونها ينهدم العقد الاجتماعي، فالانماط السياسية المحافظة للطبقات الميسورة ـ الملاك وكبارالتجار ونخب البيروقراطيين والارستقراطيين ـ التي تجاذب اليسار في سعيه، هي عقبات معرقلة للنمو السوي ليس للفئات الطبقية المسحوقة فقط وانما لكامل الحركة الاجتماعية كمنظومة متكاملة في اي مجتمع كان، وهي في كل الاحوال لا تغادر مواقعها السياسية الداعية للمحافظة على تميزها وامتيازاتها الطبقية المترجمة الى اجندات سياسية تريد تكريس الاستقرار السياسي والسلطوي بممارسة ديمقراطية مجتزئة تضخم من اهمية السلطة المنتخبة بالاقتراع العام، على حساب الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، التي يركز عليها اليسار بل يقدمها كجوهر لقضيته!

للدولة الشمولية اليسارية وجهان متقابلان غالبا ما يتناقضان ونادرا ما يتكاملان، بين النزوع الكلي الشمولي للفكرة وممارستها وبين اندياحها الى حضيض الممارسة الناقصة عضويا والتي تعود لتكرس الفردية وتدغم الجماعة فيها، بين التكامل والمصادرة، بين التساوي السلبي والتمايز الايجابي. لقد اجتهد الفكراليساري اثناء سفرسعيه لبلورة حلول متوازنة تحقق مراده في دمقرطة شاملة لمنظومة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وكان منسجما مع نفسه حينما راهن في هذا الاجتهاد على النمط الشمولي ـ للبنية الجديدة ـ في معالجة مسالة التمايزات المسببة للاضطهاد والقهر والعسف بمختلف اشكالها الخشنة والناعمة، العسكرية والمدنية، والفكرة ما زالت ولادة لحل اشكاليات لم تاخذ حقها بعد في التدقيق والتفحص، الغايات النبيلة والوسائل التي تناسبها، القمع والاقناع، ديكتاتورية الاكثرية بين الاطلاق والنسبية، ما زالت الممارسة ناقصة تنتظر كل انواع القراءات النقدية المصحوبة بمقاربات الحاضر الذي يريد اسياده اجتثاث جذور الفكرة النبيلة والفاضلة لصالح المغالطة الموهومة بالحرية الفردية المطلقة التي تسعى لتنميط لاانسانية الانسان في تعامله مع نفسه ومع الاخرين ومع الطبيعة!

ان دولة القطاع العام المتوازن مع المختلط والخاص، والمخططة بارتباطات محسوبة مع السوق العالمي بحيتانه وقروشه ودلافينه، هذه الدولة المبرمجة بتعددية سياسية تضمنها مؤسسات محايدة وقوانين للحماية الوطنية غير الانعزالية، والمتوجهة للداخل بروح التنمية البشرية المستدامة، وبشبكة للتامينات الاجتماعية الشاملة، وبخطط متكاملة لاطلاق طاقات المجتمع المتصالح بين قدراته الانتاجية وطاقاته الاستهلاكية، والاستثمار المنتج للخيرات والريع المدور، هي دولة الحلم اليساري، والذي لا يجب ان يغبن او ان يبخس حقه بوصمه بالطوباوية لانه ممكن التحقيق!

لقد اجهض هذا الحلم بفعل عوامل متعددة، لا يمكن ان تعيد انتاج نفسها، وعليه سيعاد الاعتبار للسعي ذاته وان كان باشكال مختلفة تناسب الاعتبارات الجديدة!

ان تقليص ساعات العمل علاج منطقي لمشكلة البطالة، وهو خير من ان تلقي بالعمالة الزائدة الى خارج دائرة العمل، وان تستثمر في مجال رعاية البيئة والحفاظ على توازنها دون ربح نقدي خير من الاستثمار المعاكس، وان تستثمر بمشاريع الخدمة الاجتماعية الانسانية خير من ان تستثمر في مجالات اخرى مفيدة للاستهلاك والربح الراسمالي ولكنها مضرة للبيئة والانسان!

امثلة عديدة مشابهة تعري تناقضات الربح والسوق المفتوح والديمقراطية البرجوازية المحصورة في تقديس الحقوق الفردية التي تخدم قدسية الملكية الخاصة وتدور في فلكها!

الديمقراطيات الراسمالية نعم متفوقة بالتراكم على كل الانماط غير المتراكمة، لكنها ذاتها مصدر من مصادر البؤس والحرمان والابادة، انها كالمريض بدورات الملاريا، فهو يبدو سليما معافى عندما لا تظهر عليه الاعراض لكنها كامنة فيه وستبقى اذا لم يعالج جذريا!

الديمقراطية الرسمالية كتصميم عولمي لم يعد يتناسب مع التراكم النوعي الحاصل ولا بد من طريق جديد، ليس بالضرورة عبر ثورة شاملة وبضربة واحدة وانما على مراحل ودرجات بعضها ذاتي واخر موضوعي!

النظام الراسمالي تجاوز ما قبله في تركيزه على الفرص الفردية وعلى الحرية الشاملة لها ضمن اطار السوق، لكنه اعجز من ان يواجه الحقائق الجماعية والتي ستلح مع كل اكتشاف واختراع يؤدي الى طرح المزيد من المعضلات الجماعية، ومنها مكثفات التواصل والمواصلات بين امصار الارض وما عليها، وتزايد فاعلية تاثير العوادم الفردية على الحالة الكلية للبشر!

الملكية في العراق كانت تابعة ولم تكن في وارد برمجتها ترسيخ الدمقرطة المنشودة، فالتغيير كانت له دوافعه التي تلاقحت ووجت عند اكثر الفئات انضباطا وتنظيما، الجيش الذي يعكس ايضا نمط من انماط الشمولية الفردية، باحتضان غير مفتعل من قبل الاكثرية الطبقية والسياسية. الثورة كانت مطلوبة ومرغوبة بشعاراتها واهدافها، ثم انتكست، ليس لان قيامها معلول او لانها لا يجب ان تقوم، ولكن لتناقضاتها الداخلية، لاضطراب بوصلتها ولتفاوت منطلقات القائمين عليها. فالصراع كان متجسدا بين فئات اليسار ذاته الذي ادار دفتها، وانشقاقه الذي ادى بدوره الى قيام تحالفات بديلة مشوهة ـ البعثي مع الحكيم مع البرزاني مع شركات النفط مع المخابرات الامريكية مع قوميين يساريين، مع جمال عبد الناصر مع حكام الكويت ـ وتفاقم هذه التناقضات لم يكن بمعزل عن التاثيرات الخارجية!

حركة الشواف، وناظم الطبقجلي، وضربة الزعيم، وانقلاب63، وحركة حسن سريع، وحركة 18 تشرين، والكفاح المسلح الاول ـ القيادة المركزية ـ، انقلاب 17 تموز 1968، حركة 30 تموز 68 حركة ناظم كزار 73، حركة صدام 79، الكفاح المسلح الثاني ـ اللجنة المركزية ـ كلها فقاعات مفقوسة من صنبور الدم المسفوك على مذبح اوهام متعارضة ولكنها متناسلة ومتواصلة في مسلسل التغيير المتخبط والباحث عن مستقر بفعل قلق داخلي مسكون بالتجريب الارادوي ومهيج بمنشطات خارجية، وبفعل استسهال القفز للسلطة نحو الشمول الفردي الانعزالي ـ حركيا كان ام حزبيا ـ مبتذلين شارة الشرعية الثورية ـ الانقلابية ـ التي اصبحت شماعة تعلق عليها خيبات الهروب من استحقاقات التحول من المؤقت للدائم، ومن الانتقالي للثابت، ومن الشرعية الثورية الى الشرعية الانتخابية القائمة على عقد اجتماعي متوازن!

من ينكر ان قانون رقم 80 ومن ثم قيام شركة النفط الوطنية ومن ثم تاميم شركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق، هي اهداف ثورية وشعبية متسقة مع نهج التحرر والتقدم، وان النظام الملكي التابع لا يستطيع تحقيقها مهما طال به الزمن؟

من ينكر ان الاصلاح الزراعي بمرحلتيه الاولى بعد ثورة 14 تموز والثانية بعد 17 تموز هو ضرورة اقتصادية واجتماعية للتنمية المستدامة؟

من ينكر ان مشاريع الري وغسل التربة كانت سائرة نحو تحقيق غاياتها؟

من ينكر ان مجانية التعليم ومحو الامية والرعاية الصحية الشعبية هي مكاسب شعبية لمصلحة النمو والتطور؟

من ينكر ان تنمية الصناعات الوطنية، الاستخراجية والتحويلية والتجميعية والصناعات الثقيلة والخفيفة المعتمدة على المواد الخام المحلية كليا او جزئيا هي خطوة واثقة نحو الاكتفاء الذاتي؟

من ينكر ان الخروج من سطوة الكتلة النقدية الاسترلينية هو لمصلحة الاقتصاد الوطني العراقي؟

من ينكر ان تعزيز المؤسسة العسكرية وتطويرها وتخليصها من الفساد هو لمصلحة عراق قوي مستقر قادر على تحقيق الامن وردع التجاوزات الخارجية؟

هذه وغيرها من المهام حققتها الثورة الوطنية الديمقراطية بمسارها المتعرج منذ 14 تموز وحتى 9 نيسان 2003!

نستنتج من كل ذلك ان تحرر العراق من الانتداب والوصاية الاجنبية، وتحرير ثرواته وطاقاته يقع في صميم التوجه اليساري العام في العراق، وان الاعتماد على نضالات الطبقات والفئات ذات المصلحة في تحقيق هذه الاهداف وتعديل مسارات الانحراف والتشوه والنكوص الذي صاحبها، دون سواها، هو جوهر اخر من جواهر اليسار الوطني غير الانتهازي!

لب اليمين المتمثل بالقوى الطبقية المحافظة والمتضررة من هذه التحولات ـ ورثة البرجوازية الكمبرادورية، بقايا الاقطاع والاغوات، الارستقراطيات القبلية والطائفية، والبيروقراطية العسكرية والمدنية، كلها على استعداد كما يعلمنا التاريخ للتعاون مع القوى الخارجية لاجهاض المشروع الوطني اليساري، وهذا ما حصل في العراق وفي اوقات مختلفة وخاصة في فترة حكم قاسم، وما هو ملفت كان انخراط بعض قوى اليسار الى جانب هذا الحلف الا وطني!

ما حصل في 9 نيسان 2003 بالنسبة لبعض القوى العراقية التي كانت محسوبة على اليسار وكانت تعارض قمع السلطة الوطنية فيه، حيث تجندت للانخراط بالسعي الامريكي لاحتلال البلاد، هو بعينه عملية انسلاخ عن تطلعات القاعدة الاجتماعية لليسار فيه، من عمال وفلاحين والشرائح المنتجة من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، كانت حالتها شبيهة بانسجة شرنقة فقدت العذراء التي تحتضنها، فالقيادات السياسية انعزلت في الخارج ولعقود عن القوى الاجتماعية في الداخل، ومما زاد الطين بلة هو انهيار التجربة السوفياتية التي عمقت من حالة الانفصام والتوهان بحيث صار يسهل جرها الى الخنادق المقابلة بتخريجات غير مستقرة وليس لها سند اجتماعي، ومن هنا حصلت المفارقة حيث وقف اليسار الانتهازي بصف واحد مع القوى الطائفية والعنصرية والليبرالية اللقيطة تحت خيمة الغزو الامبريالي للعراق الذي ادى لتحطيم دولته وليس حكومته السابقة بذريعة اقامة دولة ديمقراطية مستودة بحراب المحتلين!

النتائج تنطق بنفسها، فبعد مرور اكثر من 6 سنوات على تنفيذ المشروع الامريكي في العراق، خسرت البلاد ربع سكانها بين قتلى ومعوقين ومهجرين، وبات ربع اخر من سكانها ارامل وايتام، والاكثرية المتبقية تعيش حياة مشوهة مليئة بالامية والبطالة والامراض والجوع ونقص في الاحتياجات الاساسية للحياة الطبيعية، خاصة وان اغلب الكفاءات العراقية وفي مختلف المجالات قد غادرت العراق! حتى سكان شمال العراق الذين تتمتع مناطقهم باستقرار نسبي في الحالة الامنية يجتهدون للهجرة بسبب البطالة والفساد والخوف من المجهول!

الشيء المعبر هنا ان غالبية قواعد التنظيمات اليسارية التي كانت في الخارج لم تعد للعراق مع قياداتها بل فضلت البقاء في بلدان اللجوء عن العودة غير الحميدة تحت راية الغزو البغيضة، القيادات رجعت لتسكن المنطقة الخضراء تحت حماية شركات الامن الخاصة، اما الاحزاب الطائفية والعرقية فهي استندت على ميليشياتها التي لعبت دورا كبيرا في تعميم الفوضى الشاملة بين ابناء الشعب، ثم راحت تتعامل مع السكان على اسس الهويات البدائية ـ العشائرية والطائفية والعنصرية ـ وساقت الناس لانتخابات على نفس تلك الاسس وكذا الحال بالنسبة لعملية تمرير الدستور المتعجلة لفرض امر الواقع الذي ما زال مرفوضا من كل وطنيي العراق ومقاومتهم الباسلة!

لقد انعزلت قوى المعارضة التقليدية ذات الثقل في الخارج ـ اليسارية والقومية والاسلامية ـ والمختلفة مع نظام البعث في بغداد عن القوى الطبقية ذات المصلحة الحقيقية في تعديل المسار، من خلال ازاحة الديكتاتورية واستئناف مسيرة الثورة الوطنية الديمقراطية، عندما استسلمت تماما لوهم التغيير من الخارج، وتصاهرت مع المشروع الاحتلالي، وراحت تتنافس على خدمته لنيل مكاسب وغنائم السلطة المحتلة!

اليوم وبعد ان حلت ساعة الحساب نتيجة لفشل المشروع الاحتلالي واستمرار الخسائر البشرية والمادية بين صفوفه، ونتيجة لهزيمة نهج ادارة بوش وحروبها الاستباقية ومجيء ادارة جديدة تحاول الافلات من الهزيمة المحققة في العراق للتفرغ لازماتها العميقة في الداخل، راحت هذه القوى نفسها تتخلى عن خطابها الذي دخلت به مع المحتلين، وصارت اليوم تبادر بنفسها لانتقاد الاوضاع وانتقاد المحتلين واجراءاتهم، كحل الجيش، واجتثاث البعث، واستعجال طبخة الدستور، ثم اخذت تفكر جديا بالمصير المجهول الذي ينتظرها بعد الانسحاب الكبير للقوات الامريكية من العراق، واغلب ما سيصدر منها حتى موعد الانتخابات البرلمانية القادمة سيكون بتاثير هذا القلق على مواقعها المكفوله لها من قبل المحتل الهارب من وجه الهزيمة!

ان مستقبل اليسار الانتهازي في العراق كمستقبل اليمين الانتهازي فيه، الى تقزم وانقراض، وستفرز القوى الاجتماعية ذات المصلحة الجذرية بانتصار المشروع الوطني يسارها السياسي السوي والذي سيكون حريصا على استكمال مسيرة الثورة الوطنية الديمقراطية من خلال تجذير مقاومة شعبنا للتبعية والتخلف والتشوه والتقسيم، فالاوضاع في العراق تبشر بمتغيرات كبيرة سيعاد من خلالها توصيف المواقف ومحاسبة كل القوى التي باعت نفسها وشاركت المحتل في نهش الدولة العراقية والاجرام بحق مواطنيها!

كل المؤشرات تصب بهذا الاتجاه فالطبقة العاملة وكادحو العراق ومثقفوه الوطنيون ينبذون التنظيمات الانتهازية والوصولية التي تتبجح بتمثيلها لليسار فيما يسمى بالعملية السياسية المفلسة فيه!