المشكلة صهينة كردستان… لا عُقوق أدونيس

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1893)

أصبح مألوفاً أن يثير أدونيس، مثل غيره، حراكاً معيناً في الواقع العربي، (وأقصد هنا العرب وغير العرب كشركاء في هذا الوطن المستباح، ليس من الأنظمة العربية وحدها، بل من المركز الراسمالي المعولم ) الراكد والمقصود تركيده. بل ويبخل على هذا الوطن من يُولجوا فيه وباء الركود، يبخلون عليه حتى بدور استعماري يساعد العرب على تجاوز الدوران على الذات أفقياً، كما يتهمهم كارهو الأمة العربية بغض النظر عن جنسياتهم الفكرية قبل القومية. فالمألوف أن الغرب “العبقري والمغامر” وحده القادر على التجاوز، أما غيره فيحتاج الغرب لينقله من مرحلة لأخرى، أما نحن، بالتحديد، فلم “ينقلنا” هذا الغرب!

وأعتقد أن كارهي العرب قصدوا حصر كرههم في العرب بوعي كي لا يختلط الأمر ويُتهمون بأنهم في لاساميتهم يُصيبون اليهود بشيء، فما أقل من يجرؤون على وصول الخطوط الحمراء فما بالك بتجاوزها. ولو أعمل هؤلاء عقلهم أكثر قليلاً، لأبقوا على موقفهم اللاسامي لأن الساميين هم العرب، بمعنى أن غالبية من في الكيان الصهيوني الإشكنازي ليسوا ساميين قط بل زرق العيون وربما الدماء.

وكره العرب لا يرتد حقيقة إلى ما زعمه أدونيس، إلى تخلفهم في المساهمة في “الحضارة” أو وصول حضارتهم لحظة نهاية العطاء، بل هو أمر اساسه تلك الحملة الممنهجة للأكاديميا التي مفرختها الأم بريطانيا وعلى راسها برنارد لويس الذي انتهى متكهنا او مسيحاً دجالاً. ففي التحريض لضرب إيران، بشَّر أميركا قبل عام أنه في يوم كذا ستضرب إيران قنبلتها النووية، ومر الأمر كما لو لم يقله أحداً! تصوروا لو كانت هذه فتوى من أحد آيات الله في الحوزات، أو من أي رجل دين مسلم، ماذا كانت ستفعل أعشاش دبابير الأكاديميا في الغرب وتمفصلاتها العربية، ومرة أخرى من العرب وغير العرب! أليس في هذا نفاقاً؟

كما شاركت ولا تزال في هذا الكره فرق من اليسار التي هي في الجوهر صهيونية وبعضها يهود في ثياب ماركسية، لم يتخلوا عن يهوديتهم بمعنى أن الماركسية قد تم امتطاؤها يهوديا وصهيونياً. بل وحتى لبراليون من طراز ناحوم تشومسكي الذين يوقد له كثير من اللبراليين العرب بخور التعبد في معبده. فهو يرفض دولة واحدة للعرب واليهود لأنه يرى أن اليهود سوف يخسرون بذلك.

وكره العرب كان لا بد أن يمتد إلى كثير من المثقفين العرب الذين “تعلموا” في الغرب وخاصة في بريطانيا ومنهم شيوعيون ولبراليون فكان لا بد لهم أن يؤكدوا كرههم للأمة العربية كي يُقبلوا في دوائر الأكاديميا الغربية، أي كتابة التقارير، وخاصة البريطانية. ومن يذهب إلى جامعة لندن وخاصة بيرك بيك كولج، يرى الكثير.

باختصار، يرتد كره العرب اساساً إلى “محبة بل عشق” الصهاينة وأهداف الإمبريالية والانخراط في مشروعهما. بمعنى أن العرب مستهدفين ليس لأنهم مسلمين ولا سمر البشرة، بل لأن هناك بعض الثروة لا بد من نهبها! ولي في هذا كلمة بعد اسطر لأنتقل هنا إلى قضيتين متعلقتين بأدونيس وهما:

1) التطبيع

2) والتخوين

أولاً التطبيع

بعد أن أُتخم الوطن العربي بالمطبعين الفلسطينيين والعرب، ولا أريد لوم غير العرب، طالما أن المسألة قومية وليست موقفأً عقيدياً وطبقياً من الكيان الصهيوني الإشكنازي. ولكن في حدود ما أعرف أن أدونيس عربياً، وهو من الذين شاركوا في مؤتمر غرناطة للتطبيع قبل أكثر من عشر سنوات. هل كان يريد التعرف على العدو عن كثب؟ لا أعتقد أن حصافته تتطلب كل هذا التورط حتى يفهم العدو. حين سألت عزمي بشارة لماذا ذهبت، إلى مؤتمر غرناطة، وكنا ما زلنا اصدقاء بعد، قال: “بدي اعرف شو بيقولوا” وعزمي ولد وعاش ونضج وتأكنس (اصبح عضو كنيست) بين ظهرانيهم ويعتبر نفسه الخبير بهم! بل إن الأنظمة العربية، (التي يُعيِّرنا إخوة أكراداً بعارها -تعييرا رجعيا شوفينيا، ليس له وجه حق لأننا نحن ضحاياها-) تحتضنه باعتباره خبير الخبراء في الكيان.

وإذا كنا عرفنا عن غرناطة، فمن يدري كم غرناطة سرية حصلت؟ ناهيك عن أن الصهاينة، ونحن نعرفهم، لا يعبثون لا بالزمان ولا بالمكان. فهم اختاروا لمؤتمر مدريد قاعة فيها فارس إسباني يقطع راس فارس عربي! أما غرناطة فعقد فيها مؤتمر تطبيع تذكيراً، بطرد العرب وهزيمة فارس غرناطة. هل يخفى هذا على أدونيس وبشارة؟ لا أعتقد.

لقد كتبت كمواطن عربي عادي جداً أنني أتمنى لو ينفصل الأكراد والأمازيغ وغيرهم من الإثنيات، وليس الأديان، ويأخذوا “خْلِوْ رِجِلْ” من العرب. فبرجوازية هذه الإثنيات هي ضمن برجوازيات موجة القومية الثالثة التي هي عميلة للمركز بامتياز. وطالما أن الوعي السياسي الطبقي لجماهيرها ليس في المستوى المطلوب، فهم ضحايا كمبرادور إثني. وهنا أميز بين حزب العمال الكردستاني وبين طالباني وبرازاني. لكن هذا يفترض أمراً آخر، فالذين وزعوا كردستان إرّباً فعلوا ذلك بالوطن العربي، وهذا ما جعل من الطبيعي أن يقوم صدام حسين باستعادة الكويت. لكن الذين مزقوا كردستان، إذا كانت موحدة، هم الذين يدعمون توجه برجوازيتها ليس للانفصال وإنما لتكون قاعدة ضد العرب. ما اشبه هذا بما حصل بتيمور الشرقية التي كي تحول أميركا دون استلام الماركسيين (جبهة فريليمو) السلطة سلَّحت سوهارتو ليبيد ثلث شعبها، ثم عادت وسلحت برجوازية تيمور لتنفصل عن إندونيسيا!

ما نطلبه ممن يريدون الإنفصال أن يتعجلوا بذلك، ولكن شريطة أن لا يكونوا بؤرا صهيونية ضدنا كشعب وليس كأنظمة، فالأنظمة العربية في غالبها صهيونية، والصهينة ليست بالدم وإنما بالانتماء العقيدي. وإلا ماذا نسمي ترويج مبادرة أوباما لاعتراف 57 نظاما عربيا وإسلاميا بالكيان! وهذا سؤال موجه لكردستان كذلك.

هنا بيت القصيد، وهنا مشكلة أدونيس، وهو يعلم أن احتلال العراق لم يكن لأن الرئيس صدام حسين كان ديكتاتوراً. فهناك في العالم وفي الوطن العربي دزينات من الديكتاتوريين، ولكن…الخونة. والغرب الراسمالي لا يدعمهم وحسب بل يفرِّخهم، أنفلونزا الكمبرادور مثلاً. وليس هنا مجال التفصيل، فإذا كان المقصود “دمقرطة” العراق، ها قد اغتيل صدام حسين، واصبح “حسين السُّنة” فماذا يفعل المستوطنون الأميركيون هناك، هل ينتظرون عودة الإمام “صدام حسين ثانية ليحموا العراق منه”. ألا يمكننا وصف قرابة نصف مليون بين جنود وخدم للجنود…الخ بانهم تجمعا إثنياً، ولولا المقاومة لأقاموا مشاريع تجارية في شارع المتنبي؟

ألم يسمع أدونيس أن الصهاينة في كردستان قد اقاموا مستوطنات أمنية وقواعد تدريب للأميركيين لقتل المقاومة واغتصاب الجنسين، واشتروا أراضِ واقاموا شركات…الخ. وطالما النقاش تدنى إلى مناكفات قومية، دعني اقول، لا نلوم الشوفينيين من الأكراد على فتح البلد للعدو، ولكن نلوم أدونيس الذي يعطي شرعية شعرية لصهينة كردستان، ولا شرف في الصهينة، فكل أحرار العالم اليوم يصطفون ضد الكيان الصهيوني.

نعم، إن الزيارة أخطر من تصريحات أدونيس، فالتصريحات وجهة نظر، هي استنتاج، تقييم، ورأي، وطبقاً لإسلامية أدونيس القديمة هي اجتهاداً . اما الزيارة لمكان تحت سلطة هؤلاء والصهاينة والإمبريالية فهي مثابة ولاء لهم أو عشقا لما فعلوا.

ما معنى زيارة اي مثقف عربي لكردستان الحالية سوى انه يهنىء بتبعية هذه المنطقة للاستعمار المتجدد؟ وإذا كان الأمر تعاطفاً مع الأمة الكردية، التي ليست متخيلة، وليست الأمة العربية متخيلة كذلك، فبإمكان أدونيس أن يلتقي المناضلين الأكراد في باريس وبلجيكا وكل العالم، هناك جاليات كردية في غاية الثورية والنقاء في مختلف أرجاء أوروبا، فهل التقاهم أدونيس وأمثاله كما التقى الصهاينة على الأقل في غرناطة! أما انا فالتقيتهم، واحب أن اكرر لو حصل وخرجت. ليس لأي إنسان نظيف وشريف أن يدخل العراق المحتل إلا مقاتلا. وبإمكان ادونيس أن يقاتل بالكلمة في الخارج، أو على الأقل أن لا يشارك الاحتفال بالمذبحة.

ينتقد أدونيس العرب حكاماً ومقموعين، لكنه يمارس ما تمارسه الأنظمة نفسها، مما يربكنا اين يقف؟ فالعرب الذين يزورون العراق هم الأنظمة الذين يعترفون بالنظام الذي أنجبه الاحتلال، وبين هؤلاء أمين عام جامعة الأنظمة العربية، فهل لاحظ أدونيس أنه يقف إلى جانب من يُعيرنا بهم؟ ومتى يفعل هؤلاء ذلك، في الوقت الذي تتراخى فيه قبضة المركز الراسمالي مما يتيح هامشاً للباحث عن كرامته أن يحاول. فلماذا يفعل أدونيس ذلك. فالمشكلة ليست لأن أدونيس قال ما قال في كردستان، بل في كون كردستان العراق قاعدة نفوذ صهيوني وأميركي.

هل يمكن لمن هو في وعي وخبرة أدونيس أن يصدق أن كردستان طالباني وبرازاني واحة للديمقراطية وهو ما أغراه بأن يذهب إلى هناك ليغني شعراً لمليون ونصف عراقية وعراقي قد ذُبحوا، ولم تتوقف المذبحة بعد! هل هذا غير أن المرء يستهين بعقله هو.

وثانياً التخوين

أتخيل، وربما اتأكد أن هناك مدرسة مكتملة العدة والعتاد في الوطن العربي تقوم على تعليم أدونيس وغيره بأن يتهموا من ينقدهم بأنه يُخونهم ويستدعي من يقتلهم. فما اسرع ما يقفز هؤلاء إلى إلقاء حجارة التخوين علينا. من هؤلاء لدينا في الأرض المحتلة فيالقاً. يمارسون معاصي التطبيع قياماً وقعودا وعلى حنوبهم، وحين نذكر ذلك مجرد ذكر نصبح مخونين لهم! كل هذا كي لا يُشار إلى ما يفعلون. فهناك نمط من النخب، حين يُعجزها الإبداع -وهي الكلمة الذي تُحب-تلجأ إلى ممارسة الشذوذ كي تتميز! وأدونيس من قدماء مُلصقي هذه التُهمة. فهو ألصقها بصادق جلال العظم منذ عقدين.

يستنتج أدونيس من نقد صادق العظم[1] ل تُلوُّع إدوارد سعيد على المعاملة الأميركية الاحتقارية للعرب بأن صادق إنما يُرشد المخابرات العربية إلى إدوارد سعيد.”

حبذا لو الأمر حتى بهذا المستوى الأرفع بكثير من سقف المخابرات العربية، فهي نفسها عميلة للمخابرات الغربية . هل سمعت أن مختلف المخابرات العربية أرسلت لأميركا كل ما تعرفه عن العراق قبيل الغزو عام 2003؟ بل إن الرئيس اليمني أخذ معه مدير مخابراته إلى أميركا وأصر على أن يحمل بنفسه ملف العراق! لكن المهم هنا ليس قفز أدونيس إلى اتهام العظم، بل هي “موضة”. فإن افضل مخرج أو مهرب للمتخارجين غرباً، من المثقفين، وحتى المتصهينين العرب، هو القفز لاتهام المثقف النقدي العربي، المثقف المشتبك بأنه يحكم عليهم بالإعدام. هكذا اتهمني محمود درويش عام 1987 أثناء مساجلاته مع ناجي العلي، أما الذي أُغتيل، فكان ناجي العلي، بينما أمد الله في عمر درويش حتى دخل الأرض المحتلة عبر تطبيع أوسلو! أما الذين طبَّع معهم واعترف لهم بفلسطين المحتلة 1948 فبخلوا عليه أن يُدفن في قريته فدفن في رام الله ليصبح قبره مزاراً لفيالق من بُغاث الشعر.

***

حين يغرق أدونيس في التنمية!

وفيما يتعلق بتخلف العرب، أو خروجهم من التاريخ كما كتب فوزي منصور، فيبدو أن أدونيس التزم “بثابته دون متحوله”. فهي لحظة الاقتصاد السياسي، لا لحظة الشعر، التي لم يلتقطها ادونيس، فراح عميقاً في تقييم العجز العربي ليقترب من القول أن هذه الأمة بصدد الانقراض، ولا اقصد هنا البيولوجي، وهو أخف من الانقراض العلمي والثقافي والحضاري عامة.

لقد عيِّرنا أدونيس باليابان وغيرها، لكنه بدا كمن لم يقرأ في تاريخ الاستعمار والامبريالية والتنمية شيئاً، وليس شرطاً أن يقرأ الإنسان كل شيىء، ولكن حين يحاول التقييم، وليس الفتوى، عليه ان يفعل بعلم لا بخيال شاعر.

لعل اكثر ما اجمع عليه خبراء التنمية، وفي مقدمتهم سمير امين، وهو عربي بالمناسبة، انه : “لا يابان بعد اليابان” ، اي ان الغرب أغلق طريق الانتقال إلى الراسمالية بعد اليابان التي أفلتت في غفلة من المركز. أما سنغافورة، فجرى خلقها مع بلدان النمور كفترينة لمنافسة التطور الشيوعي الصيني ولا تزال رغم إشكالات الصين اليوم. ويكفي أن ينظر المرء إلى عام 1997 كيف قامت البنوك الغربية بنهب فوائض النمور والتنينات معاً على رؤوس الأشهاد.

لا يابان بعد اليابان هي وراء احتجاز تطور الوطن العربي وغيره. وأنا بدوري أرى الأمر أخطر، فهو : “لا أوروبا بعد أوروبا، وهنا تندرج المستوطنات البيضاء في تسمية اوروبا”.. لا اسوق هنا مبررات، ولكن لا بد من بعض القراءات خارج الأدب على قيمته وأهميته، لا بد من قراءة : “الثابت والمتحول” في التنمية كذلك، وهذا لا ينفي دور البرجوازية العربية في تخلف الوطن، لكنها برجوازية في الوطن العربي، أي ليست عربية فالأمر ليس بالإسم والدم.

لا اسوق هذا لتبرير وضع العرب الماساوي، ولكن لأضيف إليه أن القومية العربية التي تتعرض للكراهية، والأهم للعدوان، هي قومية الطبقات الشعبية التي هي اشتراكية في جوهرها، بينما القومية التي يتحدث عنها أدونيس والمنتصرين له هي قومية الطبقات الحاكمة، الكمبرادور والريع…الخ. وضمن هذه القومية هناك قومية طالباني وبرازاني، بعكس حزب العمال الكردستاني. فليست القومية العربية “متخيلة” كما يزعم أحد كارهي العرب وأحد حواريي أدونيس، واؤكد له انني أعرف العربي العراقي الذي روج هذا بالإسم، واعرف اساتذته في بريطانيا أثناء وجودي في لندن، الذين قرأوا نظرية بندكت اندرسون قراءة عنصرية أو تابعة ومهزومة، كل حسب جنسيته.

هناك مدرسة عالمية في كره العرب، ومن حقك ان تكون منها، فليس شرطا أن يحبنا كل الناس، بل إن هذا الكره يحفزنا على نقد الذات. أما المهم أن تكرهنا كإنسان، وليس كداعم لعدونا الذي حقيقة يحتل كردستان لا يبنيها. هل حقا أنت معجب بديمقراطية ميليشيات برازاني وطالباني؟ فهي في المقام الأول ميليشيات، وثانيا تربت على ايدي الصهاينة.

كارهو العرب مشبعة لندن بهم حتى التخمة، مشبع بهم الوطن العربي. وكثير منهم عادوا إلى العراق على الدبابات أو في اعقابها. أنا أفهم أنهم عادوا للتشفي بصدام حسين. لا باس، ولكن هناك من يكرهون صدام حسين ويقاوموا الاحتلال.

خلط الضحايا العرب بالأنظمة

كتب أحد المنتصرين لأدونيس: “… إنما لم يمنعه ذلك من الإشادة بالهامش الذي مُنح لحرية التعبير في كردستان حيث بات بالإمكان الحديث عن الجنس والدين والسلطة أمام الجمهور بالشكل الذي يراه الكاتب مناسباً، بينما فُصل مدير المكتبة الوطنية في الجزائر بسبب محاضرة له. ويقول أدونيس في حوار أجرته معه صحيفة «الصباح» البغدادية: لماذا في هذه القاعة نتحدث عن الجنس بحريّة، ونتحدث عن الدين وعن مشكلات الثقافة بنفس الحرية؟ لم لا نرى هذه الحريّة في بلدان عربية أخرى؟ هذا واقع فلما نغيب عنه؟ لماذا أستطيع أن أقول هنا ما لا أستطيع أن أقوله في مكان آخر؟ نعم قلته في الجزائر مثلاً فما كانت النتيجة؟ طُرِدَ رئيس المكتبة الوطنية الذي دعاني إلى أن أقول ما قلته، لدرجة اني أحسست بأني مجرم”.

من المعيب جداً أن يقوم المرء بكل هذا الخلط علناً. ما أقصده أن الكره للعرب يدفع الكثيرين لدمج المواطن العربي بالحاكم! هل يغيب عن أحد أن الأنظمة العربية لا تمثل الناس؟ بل إن الوطن العربي محتل من قبل هذه الأنظمة، فلماذا يُؤخذ المثقفون العرب بجريرة نظام الجزائر أو غيرها!

أما حديث الناس في كردستان عن الدين والجنس والسلطة بحرية، فهذا ما نتمنى أن يبقى. ولكننا نتمنى كذلك أن نراه حينما تستقر الأمور في العراق لنرى الحديث عن الصراع الطبقي كيف سيواجه. لن تكون كردستان للكرد حتى لو انفصلت عن بغداد إلا بعد أن تُحرر من طالباني وبرازاني، حينما يتمكن مثلا حزب العمال الكردستاني من محاكمة طالباني وبرازاني على التفريط بالأرض والثروة وعلى “صهينة” البلد.

أختم بكلمة قيلت في مؤتمر هرتسليا الصهيوني عام 2008: “ليس الخطر على إسرائيل قنبلة إيران النووية، إن الخطر هو القومية العربية”، هل هذا ما يخيف كارهي العرب؟


[1] صادق جلال العظم، ذهنية التحريم، سلمان رشدي وحقيقة الأدب، الناشر: رياض نجيب الريِّس 1991، ص 135 .