عباريم تحده الأوهام غربا والحقائق شرقا!

جواد البشيتي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1893)

وصعد البابا إلى جبل عباريم، لينظر منه إلى الأرض التي، على ما زعموا في تلمودهم، أعطاها الرب لبني إسرائيل، والتي من عيدانها، ومن شعب الكراهية للمحبة، صنع لمسيحها الصليب، ليحمله على ظهره، قبل أن يصلب عليه.

على قمة جبل نبو وقف البابا بندكتوس السادس عشر، ونظر غربا، ليرى أرض الميعاد، وليرى، أيضا، في سمائها حمامة سلام، من أجله جاء حاجا; ولكن أي سلام?

إنه السلام بين الكنيسة الكاثوليكية والشعب اليهودي، فثمة رابطة لا يمكن كسرها، على ما قال، بين أكثر من 1000 مليون مسيحي وبين كسرة من البشر، يسمون الشعب اليهودي; ويا ليت الناظر غربا نظر شرقا، فعلى مقربة من ورائه احتشد الملايين من المسيح على صلبان التشريد والتهجير، وكأنهم يحاولون تذكيره بأن الرب، الذي حرّم على موسى وأخيه هارون دخول أرض كنعان; لأنهما لم يمجداه أمام جماعة بني إسرائيل في برية صين، عند ماء مريبة، لا يمكن أن يحلل للصهاينة ما حرمه على كليمه; فهل من تسييس للدين أسوأ من التسييس الصهيوني للوعد الرباني لإبرام العبراني لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصريم (النيل) إلى نهر فرات (الفرات)?!

جاء إلى عباريم ليعلن أن زيارته تعكس عمق وقوة العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والشعب اليهودي، وكأنه لم يصعد إليه إلا ليتخذه جسرا للمصالحة مع دولة الشعب اليهودي!

لقد فاضل بين تلك الكسرة من البشر وبين أكثر من 1000 مليون مسلم، ففضل أن يعتذر لـ الشعب اليهودي على الجريمة التي اقترفها المسيحيون في حقه إذ اتهموه زورا وبهتانا بارتكابه، أو بمشاركته في ارتكاب، جريمة صلب المسيح، وأن يبتني من هذا الاعتذار جسرا للمصالحة معهم. فضل هذا على الاعتذار لأكثر من 1000 مليون إنسان، وكأنه لم يخطئ حتى يعتذر، فأين هو الخطأ الذي ارتكب إذ اقتبس، في محاضرته الأكاديمية، بعضا من رأي في الإسلام أدلى به الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني?!

كان على الحبر الأعظم، ولو آثر عدم الاعتذار، أن يشرح لنا أوجه العلاقة بين الاستعمار الأوروبي القديم ونشر المسيحية بين الشعوب والأمم غير الأوروبية. لقد جاءوا بجيوشهم أولا; ثم جاء المبشرون، لينشروا المسيحية، بوسائل عديدة منها الحوار العقلاني، حيث سيطرت جيوشهم. ويا ليتهم اكتفوا بما يشبه الجزية.. لقد مارسوا من النهب والسرقة ما لم يعرفه التاريخ من قبل.

البابا يرفض كل قتال أو حرب باسم الدين، فلم لم يعتذر إلى البشرية جمعاء عن كل الحروب الداخلية والخارجية التي خاضها الأوروبيون باسم الدين?!

ولم لم يستنكر كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة باسم ديانتها الرابعة، أي باسم الديمقراطية والحرية?!

لم لم يوبخ بوش لزعمه غير مرة أن الرب هو الذي ألهمه قرارات الحرب، ولزعمه أنه والرب يناقشان في استمرار كل أمر سياسي يعتزمه الرئيس المؤمن?!

حتى سنة ،1965 كانت الكنيسة الكاثوليكية تتهم اليهود بارتكاب جريمة صلب المسيح، فهل أوضح لنا الفاتيكان الأسباب التي حملت المجمع المسكوني الثاني على تبرئة ساحة اليهود?!

هل ألفوا لجنة تحقيق تاريخية انتهت إلى جمع أدلة على أن اليهود أبرياء?!

ومع ذلك، لن يرضى عنه شعب الله المختار، فها هي إسرائيل التلمودية، والتي اتخذت من الكوميدي ليؤور شلاين لسانا لها لترد الصاع صاعين لمنكري الهولوكوست من مسيحيي العالم، لم يتناه إلى أسماعها الخبر، الذي بثته وكالة آكي الإيطالية، والذي جاء فيه أن الفاتيكان قرر، أخيرا، أن من ينكر محرقة اليهود (الهولوكوست) ينكر الله.

حتى زيارة البابا بندكتوس السادس عشر لمعسكر آوشفيتز النازي، والتي أنكر في خلالها كل إنكار لما أسماه حقيقة مأساة ملايين اليهود.. وحتى قرار المجمع الفاتيكاني الثاني تبرئة اليهود من تهمة قتل المسيح، لم تشفع له، ولا للفاتيكان، ولا لمئات الملايين من المؤمنين المسيحيين في كل أنحاء العالم، فجوهر الإيمان الديني المسيحي مسخته دولة التلمود، بعنصريه الميشناه والجمارا، عبر البرنامج الهزلي، الذي بثته القناة العاشرة، والذي قال فيه معد البرنامج ليؤور شلاين: المسيحية تنكر الهولوكوست؛ ولقد قررت أن أرد لها الصاع صاعين…

تجرؤ البابا على مساواة إنكار الهولوكوست بإنكار الله، وقرار المجمع الفاتيكاني الثاني، من قبل، تبرئة اليهود من تهمة قتل المسيح، وغير هذا وذاك مما قاله وفعله الفاتيكان توصلا إلى مصالحة تاريخية بين المسيحية واليهودية، لم يغفر له، ولا للفاتيكان، الإثم الأعظم، بحسب وجهة نظر ممثلي دولة العهد القديم، وهو قرار الكنيسة الكاثوليكية رفع عقوبة الحرمان الكنسي عن الأسقف الجريء ريتشارد ويليامسون الذي أنكر الهولوكوست إذ قال للتلفزيون السويدي: غرف الغاز لم يكن لها من وجود؛ واليهود الذين هلكوا في معسكرات الاعتقال النازية لم يزد عددهم عن 300 ألف شخص.

(العرب اليوم)