حزب مصري جديد…معارض للحياة

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1894)

حزب جديد معارض ظهر في مصر. لا يعارض سياسات ولا يطلب علاوات، بل يعارض الحياة ذاتها.

حزب يتزعمه الموت، بلا صحيفة، ولا كتاب، ولا قراء، شعاره الوحيد : الراحة الأبدية.

حزب المنتحرين الذين تتزايد أعدادهم بين الشباب العاطلين عن العمل. وقد رصد استجواب تقدم به أحد النواب الأسبوع الماضي لمجلس الشعب أن مصر شهدت انتحار 12 ألف شاب خلال الأربعة أعوام بسبب البطالة التي يعاني منها ما بين مليوني إلي ستة ملايين معظمهم شباب يظل بدون بدون عمل أو أمل أو زواج حتى سن الأربعين فلا يبقى أمام العديد منهم سوى حزب معارضة الحياة، الذي جدد الموت به شبابه، حين طالت ثاني أعلى نسبة من المنتحرين أعمار الإبداع والطموح والحب ما بين 25 إلي 40 عاما.

ويوما بعد يوم تتسع صفوف قاعدة حزب الراحة الأبدية بينما يتقلص وجود وتأثير الأحزاب التي نشأت بقرار علوي عام 1976 كمنابر للرأي، ثم كمنظمات. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاما تحولت أحزاب المعارضة – التي يفترض أنها تعارض الحكومة لكنها تتلقى دعما ماليا منها – إلي مؤسسات استثمارية وغدا زعماؤها في أفضل الأحوال أصحاب شركات وصحف خاصة من دون أن تتمكن من مراكمة أي وعي بأي أمل.

أما حزب ” معارضة الحياة ” الجديد فقد أثبت جديته بعمل متصل راكم خلاله الوعي المؤسف بأنه ما من أمل. ولا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ عن حوادث انتحار بسبب ضائقة ذات اليد والبطالة واليأس. وقد نشرت الصحف في مطلع ديسمبر العام الماضي أن ربة منزل في قرية شريف باشا ببني سويف عثرت على جثة زوجها ملقاة داخل حجرته. وقالت الزوجة صابرين محمد إن زوجها جابر سعيد، البالغ من العمر 45 سنة كان يعمل مدرسا، لكن الديون كانت تطارده من كل مكان، وبحث عن فرصة عمل إضافي فلم يجد، ولم يكن راتبه ( مائتي وخمسين جنيها ) يكفي مصاريف بيته لأسبوع واحد، واقترض من أقاربه ومن البنوك، وعجز عن سداد ديونه.

وفي مايو الحالي تنشر الجرائد أن مواطنا يدعي ” البيلي ” وقف عند كوبري طلخا بالدقهلية لمدة ساعة يحملق في المياه، ثم ألقى بنفسه إلي النهر. وشرحت أرملته فردوس عبد السلام الأمر بقولها ” ربنا رزقنا بطفلين لكن كانت ظروفنا المالية سيئة، وماكنش لاقي شغل من مدة “.

وتظل الضائقة الاقتصادية السبب الرئيسي وراء اتساع عضوية حزب الراحة الأبدية، الضائقة التي تصبح البطالة أقسى أشكالها. وبينما تعلن الحكومة أن نسبة العاطلين لا تتجاوز 9 %، فإن الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء يرصد رقما آخر هو 12 %، بينما يجزم البنك الدولي بأن نسبة البطالة في مصر هي 22 %، وترجح مصادر مستقلة أنها قد تصل لثلاثين بالمئة خاصة في الوجه القبلي.

وفي ظل الضائقة لا يكون مستغربا أن ينشر أطباء مركز السموم بالقاهرة في سبتمبر العام الماضي أن مدينة القاهرة وحدها شهدت العام الماضي أربع عشرة ألف حالة انتحار معظمها بين الشباب بسبب العجز المادي، والأزمات النفسية، وافتقاد الأمل في إمكانية تغيير تلك الأوضاع إلي الأفضل. ورصدت جهات مختصة أن أعلى نسبة في حالات الانتحار تتم في شهر رمضان والفترة التي تسبق دخول الأولاد المدارس نظرا لاحتياجات العائلات في تلك الأوقات والضغوط المالية التي تعاني منها.

عام 1976 صرح الرئيس السادات بإنشاء المنابر فالأحزاب، واعتمد حزبا لليسار، وآخر لليمين، وثالثا للوسط سرعان ما أصبح ” الحزب الوطني “، ثم ظهرت أحزاب عديدة كان من بينها حزب الأمة، الذي تمسك رئيسه أحمد الصباحي بارتداء الطربوش، ثم افتتح مدرسة لتفسير الأحلام وقراءة الطالع، ثم أقام صالون لحلاقة الشعر وآخر لتلميع الأحذية داخل مقر حزبه. وكان الصباحي في كل ذلك رائدا، رأى مبكرا نهاية حزبه، فبدأ بها.

والآن بعد ثلاثين عاما من تجربة الحياة الحزبية التي يتباكي عليها أنصار الديمقراطية، نجد أن حزبا جديدا يظهر ليعارض الحياة نفسها، ويدعو لليأس والموت، فيغدو أقوى الأحزاب من دون ترخيص أو صحيفة أو كتاب أو قراء.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com