كيف تم احياء النكبة الفلسطينية بامريكا اللاتينية؟

جادالله صفا ـ البرازيل

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1896)

النكبة ليست مناسبة عابرة للوقوف امامها لالقاء الخطب وكتابة المقالات، وانما هي مناسبة للتاكيد بها على مواصلة النضال من اجل الدفاع عن الحقوق والثوابت الفلسطينية، وتاكيدا على حق الشعب الفلسطيني بالعودة الى ارضه ووطنه ودياره التي شرد منها، وباعتبار هذا الحق حقا مقدسا وليس حقا للتفاوض او المساومة.

البرازيل، تشيلي، فنزويلا، ثلاث دول بامريكا اللاتينية بكل دولة سفارة فلسطينية لها ميزات خاصة، فسفارة فلسطين بفنزويلا هي سفارة جديدة تم افتتاحها بتاريخ 27/04 اي قبل اقل من شهر، اما بسنتياغو فالسفيرة الفلسطينية جاءتها من مدينة بيرزيت، من فلسطين، دخلت سجون الاحتلال الصهيوني نتيجة لمواقفها الوطنية، ولها تاريخ مشهود له بالنقاوة والنزاهة، اما السفير الفلسطيني بالبرازيل فهو متواجد بامريكا اللاتينية والوسطى منذ ما يزيد على خمسة وثلاثين عاما، كان ببداية التسعينات يعتبر الموظف الثاني بالسفارة، والان عاد اليها بعد اربعة عشرة عاما كسفير بعد ان خدم بكولومبيا وكوبا كسفير لفلسطين.

تشيلي استقبلت مجموعة من اللاجئين لم تستقبلهم دول عربية صديقة وشقيقة، وفرت لهم الامن والامان، كذلك البرازيل استقبلت عددا من اللاجئين رغم ان الصوت البرازيلي بالجمعية العامة للامم المتحدة هو الذي شرع مأساة شعب فلسطين، وشرع الوجود الصهيوني على الارض الفلسطينية، اما فنزويلا فمواقفها منذ وصول هوغو شافيز الى رئاسة الدولة، بلا شك منحازة الى الحق العربي بشكل عام والحق الفلسطيني بشكل خاص، وتوج هذا الموقف بطرد السفير الصهيوني وقطع العلاقات الدبلوماسية مع هذا الكيان ردا على مجازره البربرية اثناء العدوان الصهيوني على القطاع وفتح سفارة لفلسطين.

تشيلي شهدت ثلاث نشاطات بمناسبة النكبة، حيث شاركت السفيرة الفلسطينية بالنشاط المركزي الذي اقيم بالنادي الفلسطيني بالعاصمة سنتياغو، وهذه المشاركة كانت تعني الكثير، التأكيد على حق الشعب الفلسطيني بالعودة الى ارضه ووطنه، والتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة ارضه ونضاله، اما النشاطات الاخرى فكانت عبارة عن تسمية ساحة باحدى المدن التشيلية باسم فلسطين وتسمية شارع باسم القدس على اعتبار ان القدس عاصمة الثقافة العربية.

اما فنزويلا، فكانت ذكرى النكبة حاضرة وموجودة بقوة، من خلال مهرجانين بالمناسبة وعرض فيلم عن النكبة، تغيب عنها السفير الفلسطيني رغم دعوته، مبررا هذا الغياب بانه لم يقدم بعد اوراق اعتماده كسفير فلسطين للحكومة الفنزويلية، فلا اعتقد ان هذا المبرر هو السبب، فالموقف الفنزويلي اتجاه القضية الفلسطينية موقف متقدم مقارنة مع مواقف دول اخرى بالقارة وحتى من مواقف دول عربية، وكان اكثر متقدما حتى على مواقف للسلطة الفلسطينية اثناء العدوان الصهيوني على غزة، فمشاركة سعادة السفير بالتاكيد لن تغضب حكومة فنزويلا لمشاركته بنشاط النكبة قبل تقديم اوراق اعتماده، فالحقيقة قد تكون غير ذلك، لمعرفة النوايا الحقيقية للسفير الفلسطيني ودورالسفارة الفلسطينية وتمثيلها، اذا هي سفارة منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل الشعب الفلسطيني بكافة اماكن تواجده، ام سفارة تابعة للسلطة الفلسطينية.

هناك معلومات من مصادر موثوقة تقول بان السفارة الفلسطينية التي تم افتتاحها بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس هي سفارة تابعة للسلطة الفلسطينية، وليست لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتقول المصادر ان التوجه العام لدى السلطة هو اتباع السفارات الفلسطينية بدول العالم الى السلطة الفلسطينية برام الله، وتجريدها من مسؤوليات منظمة التحرير الفلسطينية، فهذا التوجه بالتأكيد لا يصب بمصلحة القضية الفلسطينية، ويهدد وحدة الشعب الفلسطيني وانجازاته، وهذا يقود الى تخلي الهيئات المسؤولة والقيادية عن جزء من القضية الفلسطينية من برنامجها، وحصر الموضوع باراضي الضفة والقطاع وجماهيرها، فالتصاريح الصادرة عن قيادات باللجنة التنفيذية على راسها ابو مازن والعديد من من حوله، بالموافقة على حل الدولتين، تؤكد بلا شك اقدام السلطة على اتخاذ خطوات فعلية وجدية لتثبيت اي حل بهذا الاتجاه، والتي هي بالاساس سياسة تفريطية وتنازلية.

وهنا تكثر علامات الاستفهام حول السفارة وتمثيلها والسفير وادائه بالبرازيل، فمتابعة حركة السفير وتوجه السفارة، تاخذ المراقب والمتتبع الى حقيقة ان الموقف العام للسفارة والسفير لا تصب باتجاه التمسك والدفاع عن حق العودة للشعب الفلسطيني الى الديار التي طردوا منها عام 1948. فالسفارة والعاملون بها لم يتذكروا هذه التاريخ الاسود بتاريخ الشعب الفلسطيني، وبقوا معتكفين بمقر السفارة، فالنكبة الفلسطينية تذكرتها فقط لجنتان برازيليتان للتضامن مع الشعب الفلسطيني، حيث اقمامتا نشاطين بكل من مدينة ساوبولو واخر بمدينة فلوريانابوليس، والسفارة ببرازيليا لم تكلف نفسها اصدار بيان بهذا المناسبة، علاوة على الموقف السلبي للسفارة الفلسطينية وادائها اتجاه اللاجئين الفلسطينين، وهذا يضع العديد من علامات الاستفهام حول دورها، فمنذ اللحظة الاولى لوصول اللاجئين الى البرازيل، لم تكلف السفارة نفسها بتلفون، وما زالت تتجاهل موضوعة اللاجئين ومأساتهم ومعاناتهم بشكل يضمن حقوقهم ومطالبهم باعتبارهم اصحاب حق، كانهم جاؤوا من كوكب اخر، والادهى ان تحمل اللاجئين مسؤولية معاناتهم، فهذا التراجع يضع امام الجالية الفلسطينية وقواها تحديات ومسؤوليات لتدافع عن انتمائها الوطني والسياسي، فالقضية الفلسطينية ليست من خلال جمع شمل لابناء الضفة الغربية وقطاع غزة، وانما هي قضية عودة الى حيفا قبل رام الله والى البرية – قضاء الرملة قبل العودة الى يطا – قضاء الخليل.

هل حقيقة نحن امام وضع جديد بعد كل ما سبق؟ وهل منظمة التحرير الفلسطينية بدات بالتخلي والتراجع عن مسؤولياتها الوطنية اتجاه الشعب الفلسطيني؟ فاذا كانت الحالة هكذا، فما هو المطلوب منا كفلسطينين مقيمين بهذه القارة؟ وهل ستكون سفاراتنا وسفرائنا عبارة عن ادوات لتثبيت هذا الواقع الجديد تماشيا مع السياسة التفريطية والتنازلية التي تسير بها قيادة رام الله والبقية من قيادة المنظمة، باعتبارهما الاطراف التي تتمسك بمراكز القرار المعترف بهما اسرائيليا ودوليا؟ اسئلة مشروعة والمستقبل هو الذي سيجيب عليها، ولكن هل نحن كفلسطينين علينا ان نستسلم لهذا الواقع ام نواجهة؟ ولكن كيف؟