“صداقة” الفتى اللاجىء والاتحاد الأوروبي !

الحماية الشعبية لإعادة بناء البلد: الصحافة الورقية تحجب ثقافة الاحتجاج

(2)

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1897)

لفت نظري اثناء مروري في شارع فرعي بمدينة رام الله (المحتلة برأي بعض الفلسطينيين) ورقة بنصف حجم صفحة كتاب متوسط القطع عليها علم الاتحاد الأوروبي وعلم فلسطين (وهو بالمناسبة نفس العلم قبل الحكم الذاتي)، والورقة موضوعة تحت مسَّاحات عدد من السيارات الواقفة بجانب الأرصفة (انظر الصور أدناه). تناولت الورقة وإذ بها دعاية لمعرض بعنوان: ” 38 عاماً من الصداقة الأوروبية الفلسطينية، يوم 9-5-2009 يتضمن منتجات فلسطينية وفقرات تراثية وفنية www.delwbg.europa.eu“.

خالطني شعور بالغضب والمقت فور قراءة هذا الإعلان لأسباب عديدة، لكن السبب الأول كان لفكرة قفزت في ذهني عاجلاً: من هي اليد التي وضعت هذه الورقة على السيارات؟ بالتأكيد هي يد صبي من مخيم اللاجئين قدورة أو الأمعري على حواف المدينة، فالفقراء يتقاضون اقل أجر، وينفِّذون أعمالاً تزيد اغترابهم، فهو الفقر!.

وسيكون الصبي بالطبع ابن أسرة لاجئة طُردت حفاة عراة من فلسطين عام 1948، على يد القوات الصهيونية المسلحة باسلحة قدمتها لهم أوروبا نفسها وقدمت للقوات الصهيونية متطوعين ومدربين ومقاتلين ناهيك عن الطائرات المقاتلة والقاذفة ناراً وحقداً…ولا تزال. وبالطبع أُعطي الفتى بضعة فلوس هي بالنسبة له قوت شهر!

هل يعرف هذا الصبي إذن ماهية علاقتنا باوروبا :

أولاً: ليست علاقة صداقة فهي، اي اوروبا، طردتنا من وطننا وما تزال تؤيد وتدعم الكيان الصهيوني.

ثانياً: ما تزال أوروبا وخاصة أعضاء الاتحاد الأوروبي يصرون على أن يعترف كل فلسطيني على حدة بالكيان الصهيوني وأن يعتبر المناطق المحتلة 1948، اي ثلاثة ارباع فلسطين ارضا يهودية.

ثالثاً: إن معرفتنا بأوروبا ليست إبنة 38 سنة بل عمرها ألفيتين من الصراع الذي ربما قرأه هذا الصغير في المدرسة، وربما لا، بعد دخول فيروسات التسوية إلى المناهج المدرسية[1] ومسح كل ما يمت إلى حقنا في العودة بصلة.

رابعاً: إن الحديث عن علاقة صداقة منذ 38 سنة مع أوروبا يعني تضليل الجيل لشاب من شعبنا، وهي “صداقة” لا شك مسمومة خاصة إذا حاولنا مقارنة طبيعة هذه “الصداقة” بعلاقة الاتحاد الأوروبي مع الكيان الصهيوني.

قد يكون اسهل الأدلة على الصداقة المسمومة قرار الاتحاد الأوروبي في متنصف الثمانينات السماح بمنتجات زراعية فلسطينية بدخول اسواقه. لقد رافق هذا ضجيج وطنين يفوق عزيف الجنِّ في الأرض العراء. ولكن الاحتلال قام بتخريب المنتجات سواء باحتجازها في الموانىء أو وقف تبريدها في البواخر[2]، وما كان للمشروع إلا أن يفشل، ولم يوجه الاتحاد الأوروبي اية ملامة أو عتاباً للكيان، بل لملم أوراقه، واخذ ينصح الفلسطينيين بأن لا يحلموا بحق تصدير او استيراد اي شيىء إلا ما يرضى عنه الاحتلال!

لا بد لهذا الصبي ان يعلم أنه بعد أن سلمت أوروبا فلسطين للمستوطنين اليهود، واصلت تصفية وجودنا سواء باعتبارنا لاجئين وفقط وليس شعب له حقوق، وأرسلت فرنسا مثلا هدية للكيان هي مفاعل نووي لينتج القنبلة النووية، ووقفت بريطانيا وفرنسا ضد قرار الأمم المتحدة بحق العودة، وأرسلت تشيكيا الصغيرة باخرة اسلحة للعدو عام 1948 وقدمت ألمانيا للكيان ما يقارب 60 مليار دولار تعويضات على مذبحة النازية، وقبل بضع سنوات أهدى شرويدر للكيان اثناء حملته الانتخابية غواصتين تعملان بالوقود النووي كي يتمكن الكيان من مواصلة المحرقة ضد شعبنا، فأي تكفير !. والقائمة تطول ولا تتوقف.

وماذا قدموا لنا مقابل هذه الكارثة؟ بعض المال الذي سرقه الفاسدون المحليون برعاية أوروبا نفسها ليكون هذا المال رشوة لتمرير اتفاق أوسلو. وهم الأوروبيون انفسهم الذين يحاصرون غزة كي لا تنفذ إليها علبة حليب ولا حبة دواء بحجة منع الأسلحة “غير الشرعية” إلى غزة، في حين أن تسليح العدو المعتدي هو “شرعي”.

سيذهب الصبي وكثيرون أمثاله إلى مقر المعرض، وسيرون هناك أناساً شقر الوجوه وربما حمر الشعر Red heads والرقاب Red necksمن المستوطنات الأوروبية في بلدنا: مثلاً المجلس الثقافي البريطاني British Council، والمركز الثقافي الفرنسي والألماني والتشيكي…وغيرها، يبتسمون كما التماسيح، ويقف إلى جانبهم جيش من المخاصي المحليين، من الجنسين لنحفظ مشاعر الجندريين والجندريات، يردون على الابتسامة الصفراء بانحناءات تقارب وصول التراب المقدس!.

مسكين أنت ايها الصغير، لن يشرح لك المحليون حقيقة هؤلاء الأنيقين جداً، وكيف أن أناقتهم هي من فوائض ما نهبوه من ثروات الأمم وخاصة الأمة العربية، لا بل إن هؤلاء المحليين سوف ينكرون عليك هويتك العربية، هم يقولون لك أنك فلسطيني فقط، بل إنك من هذا المخيم أو تلك القرية، وليس لذاكرتك أن تمتد اوسع، فإذا امتدت وابتعدت سوف تدرك معنى الاستعمار الثقافي الذي يمثله المركز الثقافي البريطاني والفرنسي والألماني والأميركي، وعندها سوف ترمي كتب المنهاج في كانون النار الطيني او القصديري الذي تتدفىء به اسرتك في المخيم، فأنتم لا تملكون تدفئة مركزية ومدافىء كهربائية، وغرف المخيم لا يتحمل جدارها (وجاك نار -بلغة المثقفين والأثرياء Fire place)، ولا تملكون حتى مدفأة على زيت الكاز، وحين ترمي ذلك المنهاج سوف تقرأ فرانز فانون. هل تعرفه؟ إسأل استاذك عنه ، بل اسأل منظمي المعرض، لتعرف أنهم لا يعرفون عنه شيئاً فهم يحملون في مخيلتهم صورة جورج دبليو بوش “بطل” مذابح العراق، وتوني بلير الذي “يسمسر” لإنهاء حق العودة، وفي أجمل الأحوال كوندي رايس احتراما لساقيها .

ايها الصغير، لن تجد مثل هذا الحديث التنويري في الصحف الورقية، بل ستجد صورة توني بلير على الأولى يتحدث مع طفلة من أحد المخيمات، بينما تاريخ بريطانيا وحاضرها يرمي الصواريخ على عرب فلسطين والعراق ولبنان ولا تنسى أفغانستان كذلك.


[1] لتغيير المناهج قصصا طويلة، اكتشفت ذات مرة أحد الذين وظفتهم أوسلو في تغيير المناهج ومراقبة الكتابات التي تحرض على “الإرهاب” و “كره “الأصدقاء الصهانية”، وبالطبع في اللجنة غيَّر اسمه واشياء أخرى. ولأني أعرف شخصيته لم أفاجأ بذلك. المهم أن كل من يعملون في مقاولات تخريب الوعي والذاكرة، التارخ والجغرافيا في الأرض المحتلة ومصر والأردن، اي المعترفين بالكيان “يحظون” بتوجيهات الثعلب شمعون بيرس.

[2] انظر عادل سمارة، اقتصاد تحت الطلب، التبادل بين الاتحاد الأوروبي والمناطق المحتلة 1989 مركز الزهراء القدس.