ألم تر كيف فعل اصحاب الفيل والحمار بالعراق والعالم؟

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1898)

يتحكمون بمصائر العالم دون رقيب او حسيب، يريدونه غابة وهم ملوكها، 10 % يملكون ويتخمون ويعبثون، والاكثرية جائعة، مريضة وممرضة ـ باوبئة مصنعة ومحولة ـ مخدرة ومشلولة، الاكثرية تستعبد ليسعد العابثون، لم يعد خطر هذه الطغم جزئيا، ولا محصورا بشعوبهم او شعوب الجنوب، ولم يعد كما كان محصورا بابادة شعوب مغمورة لنيل ما بين يديها، ولا في رفضهم لزيادة الاجوروتقليص ساعات العمل، اوفي رفضهم لزيادة حجم المعونات والمنح، ولا في تقنين سباق التسلح، ولا في ايجاد بدائل نظيفة للطاقة ولا في تزايد وتيرة النهب الكولونيالي، فكل هذه الاخطار قد تحولت الى كيف جديد يهدد الحياة برمتها، ان خطرها بات كونيا على الحياة الطبيعية في هذه الارض، حتى حولتها الى كرة تضربها بغرور قل نضيره، ولا حل الا بابعادها عن تقرير مصير العالم، وذلك بمقاومتها ونزع مصادر القوة منها، لتنظيف الارض والانسان من مخاطر لوثتها وتلويثها الشائن!

ما جرى في العراق هو نموذج لعولمة القبح واعلان صريح لطغيان غريزة الافتراس في زمن يعرف نفسه بانه زمن المعرفة الانسانية!!

نوجه السؤال الى كل من يهمه الامر، نوجهه الى التاريخ قبل واثناء وبعد 9 نيسان 2003، الحرب على العراق سبقت تاريخ احتلاله باكثر من عقد كامل، ومنذ ان انتهت الحرب العراقية الايرانية، بل لا نغالي اذا قلنا ان حرب الثمان سنوات ذاتها كانت حلقة غير مباشرة في مسلسل الاستثمار الامريكي الصهيوني المدفوع من كارتلات النفط والسلاح لجعل كل الشرق الاوسط من باكستان وحتى جزر القمر، منطقة مغلقة لهيمنتها ونفوذها، فكان الطرفان يزودان بالاسلحة وكلاهما كان يزود بالمعلومات عن خفايا الاخر، وعندما انتبه العراق لما يحاك له حاول الانسحاب باقل الخسائر، واستطاع انتزاع الاستجابة الايرانية لقرار ايقاف الحرب، وامام المخاطر الجدية لانقلاب السحر على الساحر، اضطر اصحاب الفيل ـ ريغان وقتها ـ لدعم جهود ايقاف النزف المتعمد!

الغازات الكيميائية التي استخدمت من الطرفين اثناء الحرب لم تكن لتثير الاهتمام او الفزع وقتها عند امريكا وبريطانيا، فهي ذاتها من ورد مكوناتها للجهتين عبر وسطاء، والادلة كثيرة منها، فضيحت ايران غيت، وصفقات الاسلحة الاسرائيلية لايران بواسطة تجار السلاح، وزيارة رامسفيلد الموثقة ضمن وفد من البنتاغون الى بغداد ولقائه بصدام حسين، ثم الدور الغربي في تقليل الشأن النوعي لطبيعة هذا الاستخدام، خاصة بعد انتشار خبر مقتل اعداد كبيرة من مواطني مدينة حلبجة العراقية الواقعة على الحدود العراقية الايرانية عام 88 عام انتهاء الحرب، فقد صرح الناطق باسم الخارجية البريطاني وقتها قائلا: من الصعب ادانة جيش يدافع عن ارضه ازاء جيش اخر باستخدام ما يملكه من اسلحة تمنع العدو من تحقيق اهدافه، ووافقه الناطق الامريكي بتعليقه: لا وجود لادلة قاطعة على هوية المبادر باستخدام هذا النوع من الاسلحة، وعلى كل حال يجب الاهتمام بايقاف هذه الحرب المؤسفة!

لم يرق للفيل الشره وعريفه بوش الاب وقتها ان يخرج العراق متعافيا من هذه الحرب التي اريد لها ان تكون مقبرة جماعية لكل الامكانات الفعالة داخل البلدين النفطيين والاستراتيجيين بحيويتهما البشرية، وما قد ينمو فيهما من تطلعات لا تساير المد العولمي لزعيمة الامبريالية العالمية وفيلها الذي لا يشبع. لم يرق لاصحاب الفيل ان يطور العراق خبرته الحربية ذات الاستخدام المزدوج ـ مدني وعسكري ـ لم يرق لهم ان يخرج العراق من بوتقة الاستهلاك الشامل الى مشارك في الانتاج، فنصبت الكمائن ودقت الاسافين و لغمت الطرق السالكة، واجبر من روحه بيد اصحاب الفيل على ركوب موجة الاستفزاز، ثم تحول الضرب من تهويش الى ضرب تحت الحزام والى دك على الوتر الحساس ـ اسعار النفط، واسعار الدولار ـ!

*

قبل دخول الجيش العراقي الكويت عام 90، شنت حرب مخابراتة واعلامية جهنمية على العراق، وجرى تصويره بعبعا يملك كل انياب الاسلحة الفتاكة، وله نوايا ـ موثقة ـ لارتكاب المعاصي، كتدمير اسرائيل ومهاجمة المصالح الغربية في المنطقة، في حين ان النظام العراقي نفسه كان واضحا في طروحاته التي كانت دفاعية في جوهرها، وعلى سبيل المثال، كان اقوى تصريح رسمي قد صدر عن القيادة العراقية وقتها يقول: لو هاجمتنا اسرائيل فاننا قادرون على حرق نصفها، واذا كانت هي تملك السلاح الذري فنحن قادرون على الدفاع عن انفسنا بالسلاح المزدوج!

ننوه هنا ان اسرائيل كانت قد شنت غارة مكثفة على مفاعل تموز ودمرت اجزاءا هامة منه، في مطلع الثمانينات اي اثناء انشغال العراق بالحرب مع ايران!

قامت حرب الخليج الثانية عام 91، وقد تحقق ما خططت له الدوائر الامريكية والاسرائيلية تحت مظلة الشرعية الدولية، فكانت الحرب بالنسبة للجانب الامريكي هي حرب ترويض وتكسير دون حسم، لان الحسم مكلف وغير مضمون وقتها، فتكتيف العراق وتجميد نشاطه الحيوي ثم استنزاف ثرواته النفطية دون اسقاط نظامه، ودون مساعدة المعارضين على اسقاطه هو الخيار الامريكي الامثل لتقطف الثمار اليانعة لاحقا ودون خسائر تذكر، حتى تضمن جعل العراق سائرا بفلكها والى اجل غير مسمى!

ان اي تغيير انقلابي او شعبي للنظام في العراق لا يخدم هدفها المستتر، فتغيير نظام صدام حسين دون اسقاط الدولة القائمة لا يفي بالغرض المطلوب، المطلوب العراق ودولته، وليس مجرد صدام حسين ونظامه، والادلة على ذلك كثيرة، منها ما يردده المتعاونين معها لاحقا في عملية احتلال العراق، حيث تقدم الكثير منهم بمقترحات تقتضي بدعم تحرك داخلي لاسقاط النظام واقامة نظام جديد اكثر انفتاحا على الداخل والخارج ويكون معتدلا في سياسته ازاء امريكا واسرائيل، لكن الامريكان كانوا لا يرغبون بسماع ذلك، كانت لهم اجندتهم التي صيغت وبشكل رسمي وعلني في عام 98 ايام حكم حزب الحمار وعريفه بيل كلنتون ـ قانون تحرير العراق الذي شرعه الكونغرس الامريكي ـ!

كان الحصار الشامل المفروض على العراق منذ عام 91 وحتى احتلال بغداد يوم 9 نيسان 2003، بمثابة حرب تحتية شاملة لتجريد العراق من كل اسباب الوقاية والحصانة، كان برنامجا منظما لشله وجعله لقمة سائغة عندما تحين ساعة الصفر!

لقد حاول النظام فضح النوايا الحقيقة لامريكا واصرارها الكاذب، على عدم تنفيذه للمقررات الدولية الملزمة، وحاول سد كل الذرائع التي يتشبث بها الامريكان والبريطانيين، فسمح للجان التفتيش بدخول كل مكان في العراق على الرغم من معرفته المسبقة بانها ملغمة بالجواسيس، وتعاون مع لجان رسم الحدود مع الكويت، ولم يتشدد ازاء ملف الاسرى والمفقودين، واقر بدفع التعويضات، ناهيك عن موافقتة على اشراف الامم المتحدة على كل البرامج الحكومية وميزانيتها!

لم يكن هناك مسوغ قانوني او اخلاقي لبقاء العقوبات بل لبقاء العراق تحت البند السابع اصلا، لا سيما وان تداعيات هذا الحصار الغاشم تعتبر عقوبات جماعية لشعب لا ذنب له في وقائع السياسة الحكومية المعاقبة، لقد ازهق الحصار ارواح مئات الالوف من ابناء الشعب وخاصة الاطفال، والحق اكبر الضرر بحقوق الانسان العراقي ـ التعليم والصحة والعمل والتنقل والخدمات ووو ـ!

*

بعد عودة حزب الفيل للحكم بعريف جديد، بوش الابن، كامتداد استئنافي حسي وايديولوجي، لحكم بوش الاب، ثم وقوع احداث 11 سبتمبر 2001 التي لا يوحي حدوثها ولا اسرار تفاصيلها باي صلة بالبراءة!

هبت الرياح المسمومة والمكبوتة بكل عنفوانها داعية للرد، حتى قبل ان يتحقق اصحاب الشأن ولو شكليا من هوية الفاعل، ديك شيني ورامسفيلد وكل طاقم المحافظين الجدد في حزب الفيل اخرجوا خرائط الطريق نحو الهدف الجاهز والذي تفوح منه رائحة النفط والغاز والسطوة، انه العراق، لكن هناك مشكلة فابن لادن في كابل مع الملا عمر وليس في بغداد مع صدام حسين، وقاحتهم جعلتهم يتصرفون كالاغبياء، فراح بعضهم يقول هناك ادلة على دعم صدام للقاعدة، فرد عليهم كولن باول وهو احد الذين لم تعميهم بعد عمولات النفط عن رؤية الموقف دون جنون، حتى ذلك الوقت طبعا، قائلا: حتى لو كان ذلك صحيحا فهل يترك من يوجه له الاتهام المباشر ويلاحق من كان يساعده؟

شنت الحرب على افغانستان واسقط نظام طالبان واحتلت البلاد بغطاء من الشرعية الدولية، وتجرع العالم الفعلة الامريكية كنوع من التعاطف وايضا لاتساق رد الفعل بهول الفعل الاصلي، 11 سبتمبر واعتراف القاعدة بالوقوف خلفه، اضافة لكون حكومة طالبان ذاتها هي مصدر للمتاعب المحلية والاقليمية وهي حكومة لم يعترف بها امميا رغم سيطرتها وقتها على اكثر من 80 % من الاراضي الافغانية!

لقد تشجع اصحاب الفيل على استثمار التعاطف الدولي مع ضحايا 11 سبتمبر، لمواصلة نهج العدوان والاحتلال. وكانت اغراءات رخص تكلفة حرب اسقاط حكومة طالبان دافعا جديدا لحث السير بطريق الترويع والصدمة والاستباق لتنفيذ ما في الادراج من مخططات. فكان العزم على الاحتلال الموعود للعراق موجودا قبل افغانستان، وها هي ساعته تهل الان ليحل على بغداد بعد مرانه الناجح في كابل، وبحساب الربح دون الخسارة فان الكلفة لن تكون باكثر من قرينتها الافغانية، الثمر يانع وهو جاهز ودون جهد كبير للقطاف، حتى صور البنتاغون الامر وكانه نزهة، فالمعلومات السرية تشير الى ضعف كبير في القوة العسكرية العراقية والى تدني المعنويات والى الوضع المعاشي المنهك، ناهيك عن معرفتهم الدقيقة بعدم وجود اسلحة نوعية كاسلحة الدمار الشامل، هذا اضافة الى ان العراق مسرح عمليات مكشوف بسبب غياب الغطاء الجوي تماما وتحطم نسيجه الراداري وبالتالي تاكل اي امكانية للمناورة فلا اشارات للانذار المبكر ولا هم يحزنون. وبالمختصر المفيد فان كل التقارير السرية للعمليات العسكرية الامريكية في العراق كانت تؤكد على ان القوة العسكرية العراقية ستهزم وعن بعد، وستكون الاقتحامات ميسرة جدا، واذا تبقت جيوب تقاوم فانها ستواجه بنيران مفرطة تنزع عنها اي مبادرة ممكنة، هذه هي الحالة قبيل الهجوم الشامل، جوا وبحرا ثم برا، مسنودة بصور الاقمار الصناعية وبالتقارير اليومية لبؤر التجسس والاستطلاع المتقدم في مناطق شمال العراق وبعض الاختراقات في بغداد، وايضا من خلال كشوفات فرق التفتيش عن الاسلحة!

*

لم يقتنع مجلس الامن الدولي بما ادعته امريكا وبريطانيا من ان السلم والامن الدوليين يستدعيان دخول قسري للعراق لتجريده من سلاحه بالقوة، فراحت امريكا وبريطانيا تشكلان حلفا دوليا ضاغطا لانتزاع تفويض من المجلس لتحقيق هذه الغاية ومجلس الامن يصرعلى لا شرعية هكذا تحرك!

لقد شهدت اغلب مناطق العالم حركة احتجاجات شعبية عارمة بالضد من الحرب وبالضد من العربدة الامريكية، وعانت امريكا ومن حالفها من ازدراء عالمي تجاوز ما حصل ايام حرب فيتنام، وقد عاقبت شعوب اوروبا حكامها المشاركين في جريمة حربها على العرق، فكانت الانتخابات هي المحك، وهكذا سقط ازنار، وسقط بلير، واهتزت مافيا برسكوني، كما سقط مرشح حزب الفيل سقوطا مدويا لصالح اوباما الذي يحاول ان لا يكون عريفا تقليديا لحزب الحمار!

بدأ الهجوم البري من الكويت يوم 20 اذار معززا بانزال قوات خاصة بالصحراء الغربية عبر سماء الاردن، وبتحرك لاغراض المشاغلة من قبل عمليات الاستطلاع التابعة للمخابرات الامريكية التي استخدمت ميليشيات البيشمركة في اختراقاتها من الجانب الشمالي، كانت أم قصر الحدودية تقاوم ولمدة اسبوع كامل، القوات الامريكية واصلت تقدمها متجنبة دخول المدن على طول طريقها من البصرة باتجاه بغداد، وتفرع التقدم الى شقين احدهما راح يتقدم بمحاذات دجلة باتجاه بغداد والاخر بمحاذات الفرات، في مخارج الناصرية حصل قتال ضاري، وفي كربلاء وصولا لابو غريب ومطار بغداد حيث معركة السور، لقد استخدم الامريكان الاسلحة المشبعة بالاشعاعات وتلك العبوات ذات القدرة الهائلة على التدمير في معارك الناصرية وكربلاء والمطار!

اما التقدم السريع فكان مباغت لانه استخدم تكتيك ـ الزخم الخفي ـ اي استخدام المساحات الفارغة من السكان وبالتالي من المقاومة للوصول الى بغداد حيث مركز الثقل، دون الانشغال باحتلال المدن الاخرى، فاستطاعت القوات الغازية قطع نصف المسافة دون خسائر تذكر، في ذات الوقت الذي تقصف به وبشدة كل التجمعات العسكرية العراقية داخل وخارج المدن بما فيها بغداد!

لم تكن خسائر الغزاة كبيرة حتى وهم يهمون بدخول بغداد، كانت خسائرهم متواضعة 136 امريكي، و24 من جنسيات اخرى والجرحى بحدود الالف، اما الخسائر العراقية فتجاوزت العشرة الاف عسكري واضعاف هذا الرقم من المدنيين!

كانت نشوة الدخول غير المتعب تغمر بوش وشيني ورامسفيلد وجعلتهم يتحمسون في التلويح ـ للدول المارقة ـ بالمصير ذاته!

يا فرحة ما تمت!

بعد اسقاط تمثال ساحة الفردوس راح الامريكان ومن معهم يتعقبون وحسب قوائم معدة سلفا لاعتقال اصحاب الشأن العسكري والاقتصادي والصناعي والنفطي والعلمي، وببرمجة معدة سلفا ايضا حلت الفوضى الشاملة لالهاء الناس وتبرير ما سيحصل من تصفيات وسرقات وترتيبات، اكتضت السجون وازدادت اعمال المقاومة تنظيما وضراوة، ووقتها بدأ الامريكان يعون ان العبرة ليس بالدخول وانما ما يجري بعده!

حل الجيش وصدر قانون اجتثاث البعث، وحلت وزارات الدفاع والداخلية والاعلام، وبدأت الحلقة الثانية من مسلسل الفوضى الشاملة بتعريق المواجهات على اسس التقسيم الطائفي والعرقي للمكون العراقي، تشكل مجلس الحكم من المتعاونين، وصار هناك دستور وعلم ومجلس امة، لكنها جميعا عن المعانى الصحيحة محرفة، فمن يقرأ الدستور يعرف انه وفقا لصك الانتداب مصنف، بالضبط كما وصف الرصافي دستور ومجلس نواب ايام الانتداب البريطاني!

دخلنا في 9 نيسان 2009 العام السابع من الاحتلال الذي تفنن بتدمير دولة العراق وشعبها، لقد خسر العراق منذ الحصار وحتى يومنا هذا اكثر من 10 ترليونات دولار ـ بنى تحتية، وسرقات نفطية، وفروق بالاسعار، وتعطيل في الانتاج، وسرقة وتدمير اثار، وتصحر وتلوث بيئي ـ والاهم من ذلك خسر العراق اكثر من ثلاثة ملايين انسان مدني وعسكري، والاهم انه خسر اكبر ثروة لديه، خسركادره العلمي والطبي و التعليمي الذي لا يقدر بثمن، خسر طياريه وخسر الكفاءات، لقد اغتيل منهم الكثير وطورد الكثير وهاجر وتغرب من بقي منهم، لقد اجج المحتل واعوانه نار حرب اهلية كانت من اثارها المدمرة نزوح الملايين داخل وخارج العراق!

كل هذا حصل وشعبنا لن يستسلم فهو ما زال يقاوم، اكثر من 5 الاف قتيل امريكي واكثر من 30 الف مصاب ومعوق، اما الخسائر المادية فهي تقدر بحوالي 3 ترليون دولار!

حاول بوش من خلال توقيع الاتفاقية الامنية ايجاد مخارج تستبعد وقوع الهزيمة الكاملة، لكن هذه الاتفاقية لا تملك اسس البقاء، فالاوضاع التي اقامها الامريكان هشة ولا تصمد في حالة انسحابهم،

وهذا بالضبط ما اشار اليه اوباما بزيارته المفاجئة للعراق، عندما قال ان الاوان لان يتولى العراقيون المسؤولية بانفسهم، وان السنة والنصف القادمة ستكون حاسمة في مهمة هذه القوات لترك العراق وهو امن مستقر موحد متصالح مع نفسه ومع جيرانه!

مقاومة شعبنا جعلت بوش يعترف بان ما اقدم عليه كان خاطئا، وجعلت الشعب الامريكي يلح على حكامه لسحب الجيوش من هناك ولهذا السبب فاز اوباما لمعارضته تلك الحرب ولوعوده بالانسحاب واتباع سياسة مخالفة لسلفه، وكان حلول الازمة المالية الخانقة قد زاد من تمسلك الادارة الجديدة بما اعلنته فالحرب في العراق وافغانستان كانت حمل ثقيل على كاهل الاقتصاد الامريكي ونموه!

ان تصاعد مقاومة شعبنا بالضد من نشاط القوات المحتلة هو الضمانة الوحيدة المسرعة لانسحابهم وترك العراق لاهله دون وصاية وانتداب، وكلما فرضت مقاومتنا نفسها وبقوة كلما تراجع المحتلون وسلموا بشروطها المشروعة!

*

ما يحصل اليوم في افغانستان وباكستان من ردة فعل عكسية على الحرب التدميرية والتدخل الامريكي السافر في الشؤون الداخلية لفرض الهيمنة الغربية على عموم تلك المناطق الحيوية يذكرنا بحتمية الفشل الامريكي في سلب الارادة الحرة للشعوب، كما حصل في فيتنام سابقا وكما سيحصل في العراق لاحقا!

في الداخل الامريكي الفيل علامة انتخابية للحزب الجمهوري يراد منها التعبير عن القوة والمتانة والاكتناز، اما الحمار فهو ماركة انتخابية للحزب الديمقراطي المنافس كترميز عنده للصبر والمطاولة والالفة، وللفيل مكانة متداولة في اغلب اداب وموروثات الشعوب حتى انه عند بعضها صار تجسيدا حيا لقدرات الانسان على تسخير القوة واخضاعها لخدمة نوازعه السلمية الخيرة!

في الخطاب القرأني نجد سورة الفيل التي سردت حكاية ابرهة الحبشي الذي قاد جيشا جرارا لتهديم بيت الله الحرام ـ الكعبة ـ قاصدا من وراء ذلك بناء هيكلا في بلاده يكون محجا بديلا!

كان جيشه يتبختر بفيلة في مقدمته لاثارة الفزع بين الخصوم، لكنه صدم بموقف اهل قريش الذين هم ادرى بشعاب مكة حيث تركوا مكة مقفرة واعتصموا في المرتفعات الجبلية القريبة، ولم يجد ابرهة شعبا يخدم جيشه المنهك، ففتكت به الاجواء والانواء ـ عواصف وعطش وجوع ـ ورجع بمن بقي معه خائبا، وقتها قال عبد المطلب جد النبي محمد: ان للبيت رب يحميه!

في حالة العالم والعراق اليوم، يمكن القول، بان مقاومة الشعوب قادرة على الحاق الهزيمة باصحاب الفيل والحمار وكل الذين يفكرون ويعملون بطريقة ملوك الغابة!