استخدام اللغة كقنابل دخانية في العراق المحتل

هيفاء زنكنة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1899)

لم يكتف المحتل الأنكلو أمريكي، منذ نيسان (ابريل) 2003، بتخريب البنية التحتية للعراق واستهداف أهله بل انه يواصل بمثابرة، من خلال أصوات مستخدميه، تزوير التاريخ عبر تفريغ اللغة من الحقيقة.

وإذا ما اتفقنا مع الفيلسوف والشاعر الأمريكي رالف أمرسون بأن اللغة هي أرشيف التاريخ لوجدنا أن استنباط المفردات والمصطلحات وإعادة تكرير المفاهيم من قبل المحتل ومستخدميه يهدف إلى تكريس سياسة المحتل والمستعمر، لغويا، من جهة وتشويه الحقيقة الكامنة في الحدث التاريخي من جهة ثانية. وكما هو معروف، إذا لم يكن للغة الخطاب اليومي والكتابة ونقل الأفكار والتواصل، وضوح المعنى والهدف فإنها تصبح، لا محالة، نباحا أو نقيقا أو نهيقا. إنها أصوات تطلق لتضليل المواطن فلا يعود قادرا على فهم فحوى القضايا، مشابهة بذلك القنابل الدخانية، المستخدمة عسكريا، لإحداث سحابة دخانية من أجل إخفاء تحركات القوات. إنها أيضا ترسيخ للسرد الرسمي للأحداث وتغييب مقصود للحقيقة بكل مستوياتها الإنسانية والأخلاقية.

والأمثلة على استخدام اللغة كقنابل دخانية للتضليل وما يترتب على ذلك من تشويه للحقيقة والتاريخ، في العراق المحتل، كثيرة. بدأها المحتل بوصف الاحتلال ‘تحريرا’ والغزو عملية ‘الحرية المستدامة’، وانتقل إلى وصف جلادي معتقل أبو غريب بأنهم ‘بضع تفاحات فاسدة’ أو أنها ‘تافهة بمقياس ما جرى في الماضي’، وان ضرب المعتقلين الأبرياء واغتصاب الفتيات والرجال ليس تعذيبا بل ‘أسلوبا لا بد منه لحماية أمن العالم’. وتمت تسمية قتل الأبرياء ‘ضررا جانبيا في عمليات فائقة الدقة ‘، والمجازر المتكررة ‘أخطاء غير مقصودة’، ومقاومة المحتل ‘إرهابا صداميا سنيا بعثيا وهابيا’. ووصف افتتاح اكبر مبنى لقوات الاحتلال في العالم بموظفيه من المخابرات والاستخبارات والمستشارين الأمنيين بأنه ‘تعزيز لسيادة البلد المضيف’.

وبعد فترة ثبت فيها فشل فكرة الترويع والصدمة التي سار عليها الأمريكيون في بدايات الحرب والاحتلال، انتقلوا إلى تغيير أسماء قواعد الاحتلال العسكرية من الأسماء الأجنبية إلى العربية وبمعان تمتد عميقا في الوعي الجماعي العراقي، كطريقة لإيحاء بأنها قواعد تنبع من حاجة الشعب العراقي وتمثل ما يصبو إليه وليست مفروضة عليه قسرا. فصارت القواعد العسكرية التي سميت في بداية الأمر الذئب الرمادي والحصان الحديدي والتنين الفولاذي تدعي التوحيد الأول والوطني والشرف. أما العمليات العسكرية التي شنتها قوات الاحتلال والبالغ عددها 4959، فقد تم تغييرها من أسماء تنضح بالعنجهية والقسوة والإشارة إلى الحملات الصليبية مثل المثقاب الصليبي ومعبر الشيطان والمطرقة الحديدية ولدغة العقرب إلى أسماء ذات معان لطيفة، تظهر عكس ما تبطن، وتتماشى مع استخدام العراقيين المنخرطين في الجيش كدرع لحماية قوات الاحتلال. فتفتقت أذهان سياسيي الاحتلال في حكومة المالكي عن أسماء على غرار صولة الفرسان وأم الربيعين وبشائر الخير لتغطية رائحة الموت الناتجة عن عمليات الإبادة الجماعية التي شنت بالتناوب، على مختلف المدن، تحت ذريعة محاربة القاعدة والإرهاب.

ويقوم الباحث والمحلل السياسي الأمريكي ويليام أركن في كتابه الرائع ‘الأسماء المشفرة: تفكيك شفرة الخطط العسكرية والبرامج والعمليات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان منذ 11 أيلول/سبتمبر’ بتوضيح طبيعة ما يزيد عن ثلاثة آلاف عملية مشفرة خطط لها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان وتم تصنيفها بأنها سرية او بالغة السرية بحجة الحرب على الإرهاب.

وقد تنافس مستخدمو الاحتلال من العراقيين مع أسيادهم في إلقاء القنابل الدخانية بل وأصبحوا، أحيانا، أكثر دخانية منهم. ولنا في خطب وتصريحات الجعفري، رئيس وزراء حكومة الاحتلال الثانية، كنز لا يفنى. فهو أبو الشفافية والمقاسات والنمطية والمكونات والإفرازات والتمازج والتفاعل وكيف نمتد بايجابياتنا إلى الساحة، ونمنع سلبيات الساحة علينا، والحوار من موقع الاختلاف وخندق البرلمان والشعور اللذيذ بالفشل!

ويقوم عدد من سياسيي الاحتلال، خاصة من الحزبين الكرديين، مثل كل مبتدئ في صف للغة جديدة، بتكرار واستخدام ألفاظا سياسية معينة في غير موقعها الصحيح، فصارت ‘الفيدرالية ‘ هي البسملة التي يفتتحون بها تصريحاتهم و’ المناطق المتنازع عليها’ هي الخاتمة مرورا بصلاحيات ‘ حكومة الإقليم والحكومة المركزية’. مما يوحي بان العراق قد تم تقسيمه حقا ولم يبق أمام الحكومات الثلاث في بغداد وأربيل والسليمانية، غير بضع مناطق متنازع عليها ليتم رسم خارطة ‘ العراق الجديد’ وكتابة تاريخه المعاصر، وهذا نجاح حقيقي لسياسة فرق تسد الاستعمارية. ويقودنا مصطلح ‘المناطق المتنازع عليها’ المستخدم، عادة، لفض النزاع بين الدول وليس أبناء الشعب الواحد، إلى تصريح لمعاون محافظ ديالى استخدم فيه مصطلحا، قد يفوز به على الحزبين الكرديين، وهو ‘المناطق منزوعة السلاح’. وكما يبدو من التصريح أن هناك سياسة جديدة تبنتها القوات الأمنية بتوجيه من المالكي في ‘خطة بشائر الخير الثانية’ تدعو إلى خلق مناطق منزوعة السلاح. أو على الأقل هذا ما يبدو ظاهريا ضمن حملات الانتقام والاعتقال الكيدي والقتل الموجهة ضد السكان في منطقة ديالى. حيث يشارك في الهجوم نحو 35 ألفا من قوات الشرطة إضافة إلى قوات الفرقة الخامسة من الجيش العراقي ولواءين تابعين إلى إحدى الفرق العسكرية من خارج المحافظة وبدعم من قوات الاحتلال الأمريكي ومشاركة قوات حرس الإقليم (البيشمركة) كما قال المتحدث الرسمي باسم لواء الفريق القتالي الأول التابع للقوات ‘المتعددة الجنسية’ الرائد كريس هايدي. وقد تحاشى المتحدثون الرسميون من القوات الأمنية العراقية، وكذلك أعضاء مجلس المحافظة، ذكر مشاركة قوات الاحتلال والبيشمركة، لما قد تثيره المشاركة من غضب شعبي، خاصة وان القوات الكردية، حسب صحيفة ‘هاولاتي’، كانت قد رفضت أن ينشأ الجيش العراقي غرفة العمليات في مدينة خانقين وطالبوا بنقلها إلى مدينة جلولاء. وأكد مصدر مسؤول من المناطق الكردية في محافظة ديالى، لـ’هاولاتي’، ‘إن الجيش العراقي يريد التقدم صوب مدينة خانقين وجبارة، لانتزاعها من أيدي الجانب الكردي، كما فعل في المرة السابقة بحق مدينة قرة تبة وجلولاء’.

وأشار المصدر إلى ‘أن عبوة ناسفة زرعت في قارعة الطريق بين قرة تبة وجبارة قبل أيام قليلة، وطبيعة زرعها أكدت إن العملية ليست من صنع الإرهابيين، حيث شاهد أهالي المنطقة قبل زرع العبوة، قوة أمريكية عبرت الطريق ووقفت في مكان العبوة، مما خلّق فرضية لدى المراقبين بأن الجيش العراقي يريد أن يقول إن المنطقة غير آمنة وتحتاج إلى عملية عسكرية’.

والمعروف إن حملة بشائر الخير الأولى التي شنت في الثامن من آب /أغسطس 2008 كانت قد أدت وحسب مصدر أمني مسؤول في ديالى إلى اعتقال 800 مواطن، معظمهم ليسوا مطلوبين بل مشتبها بهم. ولا تزال الحملة مستمرة في اعتقال المواطنين وكالعادة بتهمة ‘الإرهاب واستهداف خلايا القاعدة والجماعات الخارجة على القانون’، ويتم تصنيف المعتقلين بعد اعتقالهم بالجملة مابين ‘مشتبه بهم’ أو ‘مطلوبين’، ومصيرهم في كل الأحوال واحد وهو النقل إلى غياهب معتقلات لن يتمكنوا من مغادرتها إلا بقدرة قادر. ومن بين نتائج حملة بشائر الخير الثانية، حسب التصريحات الأمنية، حتى الآن، اعتقال عشرات ‘الإرهابيين’ بينهم ثلاث نساء ‘انتحاريات’، فضلا عن اعتقال عشرات ‘المشتبه بهم’ و’المطلوبين’ وقتل 34 ‘مسلحا’ واستمرار عمليات دهم البيوت وتفتيشها.

ولفرك جروح أبناء العراق بالملح وكمحاولة لسد العيون بدخان قنابل التضليل فيما يخص الاتفاقية الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية طويلة المدى، التي سميت ‘اتفاقية الانسحاب’ تزويرا، بشرنا مصدر في جيش الاحتلال بأن ‘القوات الأمريكية تعتزم تنفيذ عملية أمنية واسعة النطاق في أطراف العاصمة بغداد استعدادا للانسحاب المرتقب في حزيران /يونيو المقبل’. وكأن بشائر خيرهم وخير المالكي غير كافية في ديالى والموصل والبصرة وبغداد، في عام 2008، فها هم يعيدون الكرة بلغة جديدة وحجة جديدة هي استهداف ‘الخلايا النائمة التابعة للتنظيمات المسلحة’.

إن المستعمر ومستخدميه لن يكفوا عن ترويع المواطنين وإرهابهم كمحاولة لتغييب كل صوت مناهض لوجودهم وتحت مختلف الحجج والمسميات، كما أنهم لن يكفوا عن تغيير تكتيكاتهم ولغة خطابهم اثر كل فشل تنزله بهم المقاومة الوطنية. صحيح أن تزوير التأريخ وخلق الوعي الزائف هو من خصال الطبقات الحاكمة ومثقفيها، عبر العصور، ويزداد استشراء في ظل هيمنة المستعمر، لكنه وصل في عصر الإمبراطورية الأمريكية مداه، خصوصا في موقع تخلخلها الأهم في بلادنا تحت ضربات مقاومة الشعب العراقي وأصالته.

وهنا يبرز الاختلاف الجوهري بين لغة المقاومة من جهة والمحتل ومستخدميه من جهة ثانية. إذ يبقى صوت المقاومة المسلحة والحركات السياسية المناهضة للاحتلال متميزا بوضوح لغته النابعة من وضوح مبادئه وأهدافه، التي تبين بان مصدر الصراع الحقيقي، في بلادنا، هو المحتل بالدرجة الأولى، وهي الحقيقة التي لن تطمسها كل قنابل العدو الدخانية وتعليباته البراقة.

* كاتبة من العراق