السودان في عيون صهيونية

محمد سيف الدولة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1900)

تناولنا الأسبوع الماضي الجزء الخاص بمصر في محاضرة آفي ديختر وزير الأمن الصهيوني، التي ألقاها في 4 سبتمبر الماضي 2008 في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي.

واليوم نتناول الجزء الخاص بالسودان، وفيما يلي أهم ما جاء به:

§ إن إضعاف الدول العربية الرئيسية بشكل عام، واستنزاف طاقاتها وقدرتها هو واجب وضرورة من اجل تعظيم قوة إسرائيل وإعلاء منعتها في مواجهة الأعداء، وهو ما يحتم عليها استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى.

§ والسودان بموارده ومساحته الشاسعة، كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول مثل مصر والعراق والسعودية.

كما انه يشكل عمقا استراتيجيا لمصر ، وهو ما تجسد بعد حرب 1967 عندما تحول إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات الليبية، كما انه أرسل قوات مساندة لمصر في حرب الاستنزاف عام 1968. وعليه فانه لا يجب أن يسمح لهذا البلد أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي ولابد من العمل على إضعافه وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة. فسودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل. وهو ما يمثل من المنظور الإستراتيجي ضرورة من ضرورات الأمن القومي الإسرائيلي.

ولقد تبنى كل الزعماء الصهاينة من بن جوريون وليفي إشكول وجولدا مائير وإسحاق رابين ومناحم بيجين وشامير وشارون وأولمرت خطا استراتيجيا واحدا في التعامل مع السودان هو: العمل على تفجير أزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب ثم دارفور. وانه حان الوقت للتدخل في غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل لتكرار ما فعلته إسرائيل في جنوب السودان. وان النشاط الصهيوني في دارفور لم يعد قاصرا على الجانب الرسمي، بل يسانده في ذلك، كل المجتمع الإسرائيلي بمنظماته وقواه وحركاته وامتدادته في الخارج. وان الدور الأمريكي في دارفور يسهم بشكل فعال في تفعيل الدور الإسرائيلي. وأمريكا مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح انفصال الجنوب وانفصال دارفور على غرار ما حدث في كوسوفو. وإن إسرائيل نجحت بالفعل في تغيير مجرى الأوضاع في السودان ، في اتجاه التأزم والتدهور والانقسام ، وهو ما سينتهي عاجلا أم آجلا إلى تقسيمه إلى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا. وبذلك لم يعد السودان دولة إقليمية كبرى قادرة على دعم الدول العربية المواجهة لإسرائيل.

* * *

وقبل أن نعرض نص المحاضرة، نراجع معا ما جاء في وثيقة صهيونية أخرى حول نفس الموضوع، نشرتها مجلة (كيفونيم) لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام 1982تحت عنوان “إستراتيجية إسرائيل في الثمانينات”، ونشرناها نحن بعنوان: “الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة العربية”، حيث جاء فيها ما يلي:

إن مصر المفككة والمقسمة إلى عناصر سيادية متعددة ، على عكس ما هي عليه الآن، سوف لا تشكل أي تهديد لإسرائيل بل ستكون ضمانا للزمن والسلام لفترة طويلة، وهذا الأمر هو اليوم في متناول أيدينا.

إن دول مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منها سوف لا يكون لها وجود بصورتها الحالية، بل ستنضم إلى حالة التفكك والسقوط التي ستتعرض لها مصر. فإذا ما تفككت مصر فستتفكك سائر الدول الأخرى، إن فكرة إنشاء دولة قبطية مسيحية في مصر العليا إلى جانب عدد من الدويلات الضعيفة التي تتمتع بالسيادة الإقليمية في مصر ـ بعكس السلطة والسيادة المركزية الموجودة اليوم ـ هي وسيلتنا لإحداث هذا التطور التاريخي. إن تفتيت لبنان إلى خمس مقاطعات إقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربي بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية.

والسودان أكثر دول العالم العربي الإسلامي تفككا فإنها تتكون من أربع مجموعات سكانية كل منها غريبة عن الأخرى، فمن أقلية عربية مسلمة سنية تسيطر على أغلبية غير عربية افريقية إلى وثنيين إلى مسيحيين.

* * *

والآن فلنقرأ معا نص المحاضرة:

يتساءل البعض في إسرائيل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية؟ ولماذا التدخل في شئونه الداخلية في الجنوب سابقا وفي الغرب دارفور حاليا طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافيا، وطالما أن مشاركته في إسرائيل معدومة أو هامشية وارتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات ارتباطا واهيا وهشا؟

وحتى لا نطيل في الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية تكفي لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التي تطرح من قبل ساسة وإعلاميين سواء في وسائل الإعلام وأحيانا في الكنيست:

1. إسرائيل حين بلورت محددات سياستها وإستراتيجيتها حيال العالم العربي انطلقت من عملية استجلاء واستشراف للمستقبل وأبعاده وتقييمات تتجاوز المدى الحالي أو المنظور.

2. السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسة مثل مصر والعراق والسعودية . لكن السودان ونتيجة لأزمات داخلية بنيوية، صراعات وحروب أهلية في الجنوب استغرقت ثلاثة عقود ثم الصراع الحالي في دارفور ناهيك عن الصراعات حتى داخل المركز الخرطوم تحولت إلى أزمات مزمنة. هذه الأزمات فوتت الفرصة على تحوله إلى قوة إقليمية مؤثرة تؤثر في البنية الأفريقية والعربية.

كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان في منتصف عقد الخمسينات أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي لأن موارده إن استمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب. وفي ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد.

3. كون السودان يشكل عمق إستراتيجي لمصر، هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام الستة 1967 عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية هو وليبيا. ويتعين أيضا أن نذكر بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف التي شنتها مصر منذ عام 1968 ـ 1970.

كان لابد أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم أنها تعد بالتعددية الإثتية والطائفية ـ لان هذا من المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القومي الإسرائيلي.

وقد عبرت عن هذا المنظور رئيسة الوزراء الراحلة (جولدا مائير) عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف إفريقيا في عام 1967 عندما قالت: “إن إضعاف الدول العربية الرئيسية واستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا في إطار المواجهة مع أعداءنا. وهذا يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى”.

وكشفت عن أن إسرائيل وعلى خلفية بعدها الجغرافي عن العراق والسودان مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض أوضاعهما من الداخل لوجود الفجوات والتغيرات في البنية الاجتماعية والسكانية فيهما.

(وراح ديختر يورد المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلي في إشعال الصراع في جنوب السودان انطلاقا من مرتكزات قد أقيمت في أثيوبيا وفي أوغندا وكينيا وزائير سابقا الكونغو الديمقراطية حاليا).

وقال إن جميع رؤساء الحكومات في إسرائيل من بن جوريون وليفي إشكول وجولدا مائير وإسحاق رابين ومناحم بيجين ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الاستراتيجي في التعاطي مع السودان الذي يرتكز (على تفجير بؤرة وأزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب وفي أعقاب ذلك في دارفور).

هذا الخط الاستراتيجي كانت له نتائج ولا تزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكريا واقتصاديا قادرة على تبوأ موقع صدارة في البيئتين العربية والأفريقية.

في البؤرة الجديدة في دارفور تداخلنا في إنتاجها وتصعيدها، كان ذلك حتميا وضروريا حتى لا يجد السودان المناخ والوقت لتركز جهودها باتجاه تعظيم قدراته. ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود هي بمثابة مداخلات ومقدمات التي أرست منطلقاتنا. الإستراتيجية التي تضع نصب أعينها أن سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل.

نحن بالإضافة إلى ذلك نضع في اعتبارنا وفي صميم اهتمامنا حق سكان الجنوب في السودان في تقرير المصير والإنعتاق من السيطرة. من واجبنا الأدبي والأخلاقي أن ندعم تطلعات وطموحات سكان الجنوب ودارفور. حركتنا في دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي وعلى نشاط أجهزة معينة . المجتمع الإسرائيلي بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها في الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور.

الموقف الذي أعبر عنه بصفتي وزيرا إزاء ما يدور في دارفور من فظائع وعمليات إبادة ومذابح جماعية هو موقف شخصي وشعبي ورسمي.

من هنا نحن متواجدون في دارفور لوقف الفظائع وفي ذات الوقت لتأكيد خطنا الإستراتيجي من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتمتع بالاستقلال وإدارة شؤونه بنفسه ووضع حد لنظام السيطرة المفروض عنوة من قبل حكومة الخرطوم.

لحسن الطالع أن العالم يتفق معنا من أنه لابد من التدخل في دارفور سياسيا واجتماعيا وعسكريا. الدور الأمريكي في دارفور دور مؤثر وفعال ومن الطبيعي أن يسهم أيضا في تفعيل الدور الإسرائيلي ويسانده كنا سنواجه مصاعب في الوصول إلى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكي والأوروبي.

صانعو القرار في البلاد كانوا من أوائل المبادرين إلى وضع خطة للتدخل الإسرائيلي في دارفور 2003 والفضل يعود إلى رئيس الوزراء السابق إرييل شارون. أثبتت النظرة الثاقبة لشارون والمستمدة من فهمه لمعطيات الوضع السوداني خصوصا والوضع في غرب أفريقيا صوابيتها. هذه النظرة وجدت تعبيرا لها في كلمة قاطعة ألقاها رئيس الوزراء السابق خلال اجتماع الحكومة في عام 2003 ( حان الوقت للتدخل في غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا في جنوب السودان ).

لابد من التفكير مرة أخرى بأن قدر هام وكبير من أهدافنا في السودان قد تحقق على الأقل في الجنوب وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق في غرب السودان في دارفور.

وعندما سئل ديختر ما هي نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية في الجنوب وفي الغرب والاضطراب السياسي وعدم الاستقرار في الشمال وفي مركز القرار الخرطوم ؟ هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الاحتياط إفرايم سنيه .

رد ديختر على هذا السؤال: (هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور على غرار استقلال إقليم كوسوفو . لا يختلف الوضع في جنوب السودان وفي دارفور عن وضع كوسوفو . سكان هذين الإقليمين يريدون الاستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك.

وأريد أن أنهى تناولي للمحور السوداني في هذه المحاضرة تأكيد أن إستراتيجيتنا التي ترجمت على الأرض في جنوب السودان سابقا وفي غربه حاليا استطاعت أن تغير مجرى الأوضاع في السودان نحو التأزم والتدهور والانقسام . أصبح يتعذر الآن الحديث عن تحول السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التي نطلق عليها دول المواجهة مع إسرائيل . السودان في ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة في جنوبه وغربه وحتى في شرقه غير قادر على التأثير بعمق في بيئته العربية والأفريقية لأنه متورط ومشتبك في صراعات ستنتهي إن عاجلا أو آجلا بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا التي انقسمت إلى عدة دول البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا ويبقى السؤال عالقا متى؟

بالنسبة لجنوب السودان الدلائل كلها تؤكد أن جنوب السودان في طريقه إلى الانفصال لأن هذا هو خياره الوحيد . هو بحاجة إلى كسب الوقت لإقامة مرتكزات دولة الجنوب . وقد يتحقق ذلك قبل موعد إجراء الاستفتاء عام 2011 إلا إذا طرأت تغيرات داخلية وإقليمية إما أن تسهم في تسريع تحقق هذا الخيار أو في تأخيره.