النكبة حاضرة… !

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1900)

منذ العام 1948 والشعب الفلسطيني يتذكر نكبته في يوم الخامس عشر من شهر أيار/مايو، وكأنما الأيام الأخرى من أيام السنة تمر هانئة سعيدة لا يعلوها غبار التعاسة ولا تملآ لياليها كوابيس التشرد والحرمان. لكن الفلسطيني لا يحتاج ليوم معين ليتذكر فيه نكبته، لأن العدو الصهيوني حريص يقوم بمهمة تذكير من يحاول النسيان، وإذا شئنا الدقة فإنه يقدم كل يوم على أكثر من فعل وقول ليؤكد لمن، ولمن لا، يهمه الأمر أن النكبة الفلسطينية حاضرة في حياة الفلسطيني اليومية. والنكبة كحدث وواقعة كانت محصلة لعوامل كثيرة، فلسطينية وعربية ودولية، لا تزال كلها باقية دون تغيير يذكر وبحيث لا أحد من “الأقانيم الثلاثة” المذكورة يستطيع أن يتبرأ أو يدعي عدم المسؤولية عن استمرار النكبة حتى اليوم، فلا الفلسطينيون يتعلمون كما يجب مما مروا فيه، ولا العرب ظلوا على شيء من شعورهم بالمسؤولية القومية عن القضية، ولا الدول الكبرى تقيم وزنا لإحقاق الحق أو رفع الظلم أو حتى إحلال السلام في المنطقة.

هذا العام، حلت الذكرى الواحدة والستون للنكبة بعد أن أضافت إلى الأرشيف ثلاثة متغيرات هامة هي:

1) العدوان الصهيوني الهمجي الذي بدأته قوات الكيان الغاصب على قطاع غزة في نهاية العام الماضي، والذي كان محرقة حقيقية أظهرالعدو من خلالها أنه متمسك بسياسة التطهير العرقي التي اتبعها في العام 1948، حيث ظهر للمراقبين أنه كان ضمن أهم أهدافه الأولى قتل أكبر عدد من الفلسطينيين بكل الأسلحة التي يمتلكها بما فيها تلك المحرمة دوليا.

2) وصول بنيامين نتنياهو، زعيم تكتل الليكود إلى السلطة، على رأس ائتلاف هو الأكثر عنصرية وتطرفا في تاريخ الكيان الغاصب، وببرنامج لا يعترف بأي من حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، بل وبوعد بطرد الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين بعد 1948 من خلال مطلب الاعتراف ب”يهودية الدولة” كشرط مسبق على أي مفاوضات.

3) استمرار الانقسام الفلسطيني الذي أوشك أن يكمل من عمره عامين دون التوصل إلى تفاهم ينهيه في وقت اتضح فيه أنه تحول إلى أداة هدم وتدمير للوضع الفلسطيني برمته وليس فقط لحركته الوطنية.

العدوان على قطاع غزة أظهر بجلاء عبر الصمود الأسطوري للجماهير في القطاع أن الشعب الفلسطيني (عندما تتاح له الفرصة) جاهز دائما لتقديم كل التضحيات المطلوبة دفاعا عن قضيته، وأن تمسكه بحقوقه الوطنية كاف لتمكينه من تحمل ربما فوق الطاقة. من جهة ثانية، أظهر الصمود البطولي لفصائل المقاومة أن فرص مواجهة هذا العدو أصبحت ممكنة لو استثمرت القدرات والإرادة في الطريق الصحيحة التي يفترض أن يسير عليها الكفاح الوطني. في الوقت نفسه أكد مسار العدوان على القطاع ما سبق أن أكده مسار العدوان على جنوب لبنان في تموز 2006 بأن قوة العدو العسكرية، مهما عظمت، حدود تتوقف عند إرادة متمسكة بالحق ورافضة للاستسلام.

ما يؤلم ويحز في النفس أن الحقائق لا تقنع البعض ولا تجعلهم يتراجعون عن مسارهم الخاطيء الذي يحوله العناد إلى خطيئة كل يوم. وليس المقصود فقط أولئك النفر المتمسكون بالمفاوضات التي ثبت أنها عبثية، بل وأيضا أولئك الذين يرفعون راية المقاومة ويسعون في الوقت نفسه إلى استرضاء الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروبي، لأنه عندما تكون المحصلات هي نفسها بصرف النظر عن الوسيلة، يصير الخلاف في الشكل وليس في الجوهر.

إن الذين يرفعون راية المقاومة، يعرفون ويعلنون أن مأزق الوضع الفلسطيني الراهن ناجم عن ما أدى إليه الوقوع في فخ أوسلو، لكنهم في الوقت نفسه متمسكون ب “حقهم” في السلطة الوهمية التي أعطاها للموقعين عليه، ويصرون على ممارسته كمن ليسوا تحت الاحتلال، فهل يعقل هذا؟ ألا يظهر التناقض واضحا في هذا الموقف؟ هل سمع أحد عن حركة تحرر وطني تقاتل علنا تحت الاحتلال؟ إن حزب الله، مثلا، يوجد في دولة مستقلة وذات سيادة، ومع ذلك لا أحد يعرف أين يوجد مقاتلوه. وهل كان حزب الله سيحرز النصر الذي أحرزه لو كان مقاتلوه يجلسون في مكاتب ومقرات، ويتحركون للقتال علنا؟

نعم، اتفاق أوسلو والسلطة الوهمية التي حصل عليها أنصاره، واستغراقهم في مستنقعها، وانجرار بعض فصائل المقاومة إلى هذا المستنقع، هو المسؤول عن الوضع الفلسطيني المحبط والمزري الراهن. والذين يريدون المقاومة والتحرير عليهم أن يخرجوا من هذا المستنقع، وأن يرموا عن أكتافهم ما يضع عليها وجودهم فيه من وحل، وليتركوا لمن أراد البقاء فيه أن يبقى ليتحمل كامل المسؤولية عن أفعاله وممارساته.

إن الذكرى الواحدة والستين للنكبة، وهي تحل في هذه الظروف شديدة الخطورة التي تمر فيها القضية الفلسطينية، جديرة أن تفرض على الوطنيين الغيورين، وخصوصا ممن لا يزالون يحملون البندقية، أن يعيدوا النظر في مسألة مشاركتهم في السلطة وأن يبتعدوا عن الأوهام التي تشوش على تفكيرهم وقراراتهم. وما دام الانقسام حاصل، ولا يبدو أن أحدا سيجد الطريق إلى التفاهم والوحدة، فليكن الفلسطينيون قسمين: قسم في السلطة ومعها، وقسم في المقاومة ومعها. القسم الأول يفاوض، على أن لا يكون ذراعا أمنيا للعدو الصهيوني ضد من يقاوم، والقسم الثاني يقاوم، ودعونا نرى مع من ستقف جماهير الشعب… مع من يسعى ليملأ له معدته، أم مع من يسعى ليوصله إلى حقه في وطنه والكرامة.