دفاعا عن وحدة اليمن

فتحي بالحاج

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1904)

بعد الصومال والعراق، تواجه اليمن رياح “الفوضى الخلاقة” قد تنتهي إلى تقسيم البلاد، وتشتيت العباد على أسس مذهبية، ونشير هنا إلى ما كان نشر، عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يقوم على تقسيم الدول العربية، وإضعافها حتى لا تكون هناك دولة قادرة على أن تتخذ موقفا قويا يوما ما ضد إسرائيل. و تحضى اليمن في هذا المشروع سيء الذكر بتقسيمها إلى أربع دويلات. وخلافا لما روج من أن مشروع الشرق الأوسط الكبير قد فشل فإن الوقائع، تبين أنه يحقق نجاحات لا يمكن الاستهانة بها في ظل تراجع وانحسار حركة المقاومة العربية. إن التغيير الحاصل في هرم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية لا يغير شيئا في ما يتعلق في اعداد السياسة الخارجية. إن السياسة لا تتغير بتغير الأفراد، ولم تكن يوما تعبر عن مصلحة فرد بل تحددها القوى النافذة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. إنها ذات القوى، صاحبة المصلحة، التي أعدت مشروع الشرق الأوسط الكبير ما زالت هي نفسها تضع وتقرر مبادئ السياسة الأمريكية داخليا أو خارجيا…والمتتبع ل”الحراك السياسي والفكري” الذي يجري في الساحة العربية يلحظ بسرعة طبيعة الحوارات والنقاشات، اذ تقوم أغلبها على خلفيات دينية مذهبية وطائفية، حتى في تلك الأقاليم التي تنعدم فيها الطوائف والأقليات. فعلى امتداد هذا الوطن الحزين بؤر صراع وخلافات منفجرة ومتفجرة لا تخرج عن إطار الانتماء الديني والمذهبيي، وعن الرؤية التفتيتية والتجزيئية. ولعل تصريحات وتحركات قيادات ودعاة النزعات العرقية و النعرات الاثنية تبين أن الادارة الأمريكية والصهيونية العالمية تنفذ مخططها الجهنمي، بنجاح مخيف، حالة السودان ودارفور، تعطينا فكرة واضحة عن الأهداف من هذه المخططات. فهاهي بعض رموز الولاءات القبلية يعلن من على منابر الاعلام العربي أنه سيفتح قنصلية صهيونية في كل مدينة سودانية.

هكذا يلتف المجرمون في حق وحدة شعبهم وأمتهم على شعارات الاصلاح والديمقراطية والعدالة.

إن مشروعية مطلب العدالة والاصلاح والديمقراطية، لا يجب أن تخفي علينا حقيقة ما يخطط لهذه الأمة، ولهذه الأقطار، لذا نرى لزاما أن نربط أهدافنا بفكرة الوحدة ذلك أن الحديث عن الاصلاح السياسي والمطلب الديمقراطي غاضين الطرف على مطلب الوحدة أدى إلى نفاذ بعض الرموز الانفصالية لتنفذ مخططات هدفها تفتيت المجتمع وضرب نسيجه الاجتماعي. وهنا دور قوى التغيير العربي القيام بعملية فرز حقيقية بينها وبين القوى الانعزالية والتفتيتية، الواقعة في شبكة المخططات الأجنبية، عملية الفرز لا يجب أن تسقط في الدفاع عن الاستبداد وعن الحكم الفردي الذي يحاول التخفي بشعارات الوحدة أو التحرير أو المقاومة.. فكلاهما: الاستبداد والتفتيت يشد بعضهما بعضا، وكل يساعد الآخر في تثبيت وتمديد السقوط العربي. إن الاستبداد وانعدام الحريات وسيادة قانون الغاب وسياسة الفساد والافساد هي الأرضية الخصبة التي تنمو فيها كل دعوات تفتيت المجتمع والاستئثار بجزء من خيراته، وعندما نرى ما يلقاه الاستبداد العربي الرسمي من مساندة نفهم ونعي، كيف تستفيد قوى الهيمنة من تأييد الاستبداد وتأييد دعوات التنفتيت والتقسيم على أسس قبلية ومذهبية.

في اليمن السعيد أزمة سياسية واقتصادية خانقة تتجلى في غياب دولة القانون وانخرام دورالمؤسسات، لصالح حزب سياسي أصبح هو الدولة ذاتها، وأداة في يد رئيس يتمتع بكل الصلاحيلات. لقد تم توظيف كل مقدرات الدولة لصالح الحزب الحاكم، وأصبح التقرب من الحزب الحاكم والانتماء إلية مقدمة تكاد تكون ضرورية للحصول على الوظيفة، هيمنة كاملة للحزب الحاكم على كل المؤسسات حتى تحولت إلى مؤسسات تابعة للحزب الحاكم.

في اليمن السعيد قيادة سياسية فشلت في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة القانون والمؤسسات، وهذا الفشل الذي لم تعد تخفيه محاولات المغالطة، والمداورة فاليمن يعيش تحت نظام رئاسة مدى الحياة، غير معلنة. فلا الخطابات الرنانة، ومحاولات التقرب والمدح بقادرة على اخفاء حجم المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها كل اليمنين، فسياسة التفقير سياسة شاملة لا تسثني أحد، وحظ اليمنيين في المناطق الشمالية لا يختلف كثيرا على حظهم في المناطق الأخرى.

المطلوب اذا يمنيا ليس تقسيم اليمن وتحويله إلى قبائل متناحرة ضعيفة تحت رحمة، الأنظمة السلطوية القبلية التي ليست إلا صورة مصغرة لنظام الحكم. بل المطلوب هو اصلاح النظام السياسي وافساح المجال لكل اليمنيين للمساهمة الحقيقة في بناء دولة القانو ن والمؤسسات. حتى يسترجع اليمن عافيته أولا ثم يتمكن من أن تلعب دورها القومي العربي. إن المطالب العادلة التي يرفعها اليمنيون لا يجب أن تختلط بدعوات الانفصال والتفتيت، التي هي النتيجة المنطقية للحكم الفردي التي يعيشه اليمن منذ 1978. المشكل أن المطالب العادلة التي يرفعها اليمنيون اختلطت بها المطالب الانفصالية، والقوى الانعزالية التي لا تسعى إلى اصلاح الدولة و تخليصها من سيطرة الفرد والاستبداد وبناء دولة القانون، بل هدفها الانفصال والاستئثار بموارد “الجنوب”. إن الانفصال هو ضرب لمطلب العدالة والديمقراطية، التي يرفعها عموم المنتفضين، لأنه يضرب وحدة المجتمع وينتهك نسيجه الاجتماعي والثقافي.

بعض الوجوه تدعو صراحة إلى الانفصال وإلى تقسيم شعب اليمن والعودة بعه إلى التجزئة والتقسيم التي ركزتها القوى الاستعمارية وهي بهذا تفتح باب العودة للقوى الاستعمارية إلى اليمن، ولا نبالغ إذا قلنا أنها ستكون معبر قوى الهيمنة. إن الذين يدفعون اليمنيين إلى حرب أهلية مدمرة وصراعات داخلية على أسس دينية ومذهبية تضرب وحدة اليمن وتقدمه لقمة سائغة لرغبات قوى الهيمنة العالمية. لا يمكنهم أن يكونوا دعاة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أما إذا اخذنا بعين الاعتبار أن البعض من دعاة التفتيت والانفصال هم من تلطخت أيديهم بدماء قرابة خمسة عشرة ألف يمني في صراعات ايديولوجية، نفهم حجم المؤامرة التي تحاك ضد اليمن.

وللمرء أن يتساءل ما علاقة مثل هذه التصريحات وهذه المواقف بمطلب الاصلاح السياسي والعدالة والديمقراطية. مثل أن “…قضيتنا ليست قضية انفصال، ولكن قضية استقلال، والانفصال يطلق على جزء من دولة أساسية مثل انفصال محافظة من دولة…” مؤكدا وإن بادرت السلطة بالاصلاحات “ولكن خيار الدولة الجنوبية سيظل قائمًا” (اسلام أون لاين ـ صلاح شنفرة عضو في مجلس النواب). ” نحن في ملتقيات التصالح والتسامح لنا مطالب دولة وأرض وشعب والعودة إلى ما قبل الوحدة لأن الوحدة وئدت في حرب صيف 1994 بين الشمال والجنوب.” (محمد مسعد ناجي رئيس الدائرة القانونية لحزب الإصلاح وعضو المجلس المحلي لمحافظة الضالع الجنوبية) مؤكدا على المطالب الانفصالي ” لسنا مع تقاسم السلطة.. مطالبنا واضحة دولة وعلم وأرض وشعب.” ” نعم نحن مع الاستقلال.” وهكذا نرى أن مطالب العدالة والديمقراطية التي تنادي بها جماهير الشعب اليمني تحاول القوى الانفصالية الاختلاط بها لتحويلها عن أهدافها الحقيقية وتحويلها إلى مجرد مطالب تفتيت وتدمير للنسيج الاجتماعي والثقافي لليمن والعودة به إلى العصور الحجرية.

إن الذين يتباكون على أن اليمن الجنوب كانت دولة مستقله ذات سيادة، يهدفون إلى الالتواء على المطالب العادلة لتحويلها إلى حرب أهلية تمزق الوحدة الاجتماعية لشعب اليمن. إن المشكلة الحقيقية في اليمن بشطريه شماله وجنوبه، شرقه وغربه، سكان المدن وسكان القرى، هو فساد السلطة، وتحولها إلى نظام استبدادي، يعيق التنمية، تستأثر قلة من المنافقين والمقربين وهم من مناطق مختلفة ومن قبائل مختلفة.

على كل مواطن يمني مخلص للوطن ان يحتكم الى العقل ويترك الدعوات والنعرات الطائفية جانبا ويتصدى لها بكل ما أوتي من قوة حتى لا يزج بالوطن في نفق مظلم يكون ثمنه غاليا لليمن وللآمة العربية. على أهل اليمن أن لا ينسوا لحظة المخطط الأمريكي الجهنمي وهو تفتيت اليمن إلى أربع دول. ان اليمن في القائمة الامريكية قائمة الدول التي وجب تقسيمها والتي زادت قوتها وثقلها بوحدتها.. وحدة اليمنيين الديمقراطيين الوحديين وحدها كفيلة باسقاط هذا المشروع. إن المطلوب هو الوقوف إلى جانب التيار الوحدوي الديمقراطي، إذ ندافع فإننا ندافع على اليمن واحد موحد. إن الاستبداد مهما كان لونه، ومهما كانت خلفيته فإن نتائجه هي التفتييت ذلك أن العلاقة بين الاستبداد والانفصال علاقة عضوية.

إن مطالب الديمقراطية والاصلاح السياسي لا يمكن أن نفصلها على وحدة المجتمع وإلا تصبح مطالب غير ديمقراطية لأنها تستثني جزء من المجتمع ذاته. إذ لا يمكن الفصل بين الديمقراطية ووحدة المجتمع.

لذلك نرى أن التيار الوحدوي الديمقراطي هو وحده القادر على أن يعيد لليمن سعادته. فهل يتحمل مسؤوليته، أم أن مشروع الشرق الأوسط الكبير سيحقق انتصارا جديدا.!!

* باحث في العلوم السياسية ورئيس جمعية الملتقى الثقافي العربي الأوروبي بفرنسا