جذور الزائر أوباما ليست كجذور الفلسطينيين

فلسطين وطن وليست مكاناً

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1906)

ليست هذه رسالة موجهة إلى أوباما، ولكن من المؤكد أن جيشه العريض من المخبرين والعملاء والمترجمين سيترجمها حتى لو كانت بلا مضمون مثير، فلكل عربي ملف وكل عربي هو تحت المجهر مرصود من آلة تكنولوجيا مخابرات القطريات العربية في خدمتها للمخابرات الأميركية من درجة مخبر صغير يتخذ من مقهىً شعبي وكراً له في الدار البيضاء وحتى عمر سليمان وأبو الغيط اللذان عادا للتو من مقرات ال سي . آي إيه بعد تقديم أوراق اعتمادهما هناك لتنفيذ أوامر ذبح المقاومة وتهديم إيران.

الرسالة موجهة للفلسطينيين العرب وكل العرب الذين يجب أن يستشعروا خطراً حقيقياً من هذه الزيارة المبكرة في فترة أوباما. فبقدر اغتباط العرب التابعين أميركيا، المتخارجين اميركياً، وهم قلة نادرة لكنها مؤثرة، بقدر ما يجب أن تقلق الأكثرية الساحقة، الطبقات الشعبية لأنها زيارة رئيس الدولة المرتوي جندها بدماء الأمم كما ترتوي دباباتها بنفط هذه الأمم. فليس المجيء والاهتمام باكراً إلا دليل على قرار خطير بتصفية القضية الفلسطينية، تصفية حق العودة. وليس المقصود بهذه التصفية مجرد منع عودة الشعب إلى وطنه، بل انتزاع أهم محرك لوحدة موقف الشعب العربي بالتفافه قومياً لصالح فلسطين. لا بد أن نتذكر دوماً، أن الأمة العربية هي بنظر المركز الإمبريالي/الصهيوني /الكمبرادوري العربي هي العدو الحقيقي، لذا لا بد من قتلها. إن أكثر ما يقلق النظام الأميركي والكيان الصهيوني هو وجود اي مشترك عربي. وبما أن المقاومة أخذت تستقطب الطبقات الشعبية العربية الساعية للوحدة والاشتراكية، اي دخلت في مشروع استقطابي جديد وموسع، فإن اغتيال حق العودة يعني اغتيال المقاومة في فلسطين ولبنان، ليتم التفرغ لاغتيال المقاومة في العراق، ولا باس في كل العالم. لذا، فهذه الزيارة هي غزو سياسي بل استراتيجي أخطر من الغزو العسكري. وهي بالطبع مزيداً من تركيع للحكام العرب وإنقاذ لهم في نفس الوقت.

زيارة في لحظة فارقة

ربما كتبت في غير مرة وموضع أن هذه الفترة فارقة وحاسمة في صراع الأمة العربية مع أعدائها، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني والأنظمة في المركز وخاصة أميركا، ومع الحكام العرب. هذا هوالتناقض الرئيسي والمباشر. وعلينا التنبه إلى كونه رئيسي ومباشر معاً، وهذا قلًّما يحصل فقد يكون الرئيسي أحياناً غير مباشر. والتالية هي سمات هذا التناقض:

□ بداية دخول الطبقات الشعبية العربية كمقاومة في الاشتباك مع الغزاة في العراق والمستوطنين في فلسطين وتحقيق انتصارات عليهم، بدأت عام 2000 في لبنان ثم في جنين فالعراق وفي لبنان 2006 ثم غزة 2008-2009.

□ بداية حراك الشارع العربي كممانعة لصالح المقاومة مما يبشر بنهوض أولي للمشروع القومي العربي على أكتاف الطبقات الشعبية، وهو تطور ليست هذه الزيارة إلا جزءاً من مخطط اغتياله، لأن هذه الممانعة الشعبية الممتدة قومياً والهادفة وحدوياً، والطامحة اشتراكياً هي خطر محدق على الأنظمة الحاكمة. وهنا أُحيل القارىء على ما كتبته عن تكتيك “تفكيك مفاصل الدولة القُطرية” (في موقع مجلة “كنعان” وغيره).

□ بداية إخفاقات الجيش الصهيوني الذي استعاض عن “الانتصارات” السهلة على جيوش الأنظمة التي لم تقصد حتى الدفاع بالتدمير من الجو.

□ بداية أزمة السقوط الراسمالي المعولم وتحديدا الأميركي، وهذه الزيارة هي لضمان تدفق النفط وفوائده نقدا من الصناديق السيادية لوكلاء الإمبريالية على نفط العرب.

تحتاج هذه التطورات لقاءات مباشرة بين الأميركي وتمفصله الصهيوني وادواته العربية في المنطقة، لقاءات معمقة وأوامر واضحة، وتدخل مباشر، هم يذهبون إلى هناك، والعدو الأميركي ياتي إلى هنا، وفي شرم الشيخ يكون وكر الفتك بمصير الأمة.

“ثبات” الموقف الأميركي

ليست هذه الرسالة موجهة إلى باراك أوباما، لأنها من مواطن عربي إلى حاكم أميركي مبرمج ربما حتى بيولوجياً ليخدم راس المال والصهيونية، ولذا، فهو آتٍ كغازٍ وليس كزائر، والويل لمن لا يعرف كيف يحمي شعبه من هذا القادم. فأنَّى تحرك المبرمج يكون ذلك لصالح مبرمجيه بما هو لا يتحرك بذاته. فهو مبرمج راسمالياً، بما يعني وجوب تدفق النفط العربي وفوائضه وحتى مدخرات مواطني بلدان النفط لإنقاذ الاقتصاد الأميركي. هو هنا مثابة جابٍ، كالملتزمين العثمانيين بسلخ ما تبقى في جيوب العرب لإنقاذ اقتصاد الاستغلال الأمثل على صعيد عالمي. جباية ستصل إلى مصاغات نساء الجزيرة اللائي عندها سيفقدن المال الذي رُشين به كتعويض عن فقدان الكرامة والحقوق كنساء، كبشر. تبيع المرأة الطيبة مصاغها لإنقاذ اسرتها، أما في هذه الحالة فتُجرد المرأة المسكينة من مصاغها[1] لتدمير وطنها وأمتها، وتدمير شخصها كي لا تعترض النساء الجندريات المتأنجزات!

لذا، يتوجب علينا الحذر والتنبيه بأن هذا القادم هو ممثل للنخب الأميركية الخمس التي تعيث في الكون دماءً وفساداً وخراباً. فما من بقعة في الأرض إلا وهذا النظام يُدير فيها مذابح أو يزرع بذوراً سوداء لمذابح مقبلة وكل هذا لاستمرار نهب المحيط وتدفق الفوائض من المحيط إلى المركز، وكذا تدفق المواد الخام (النفط مثلا) وحتى تدفق مصاغات النساء. أما هذه النخب فهي:

□ النخبة الممولنة التي نهبت العالم وأعلنت إفلاسها

□ والنخبة الصناعية التي تضخ فيها السلطة الأميركية مئات مليارات الدولارات بحجة أنها على شفا الانهيار (جنرال موتورز نموذجاً) ولأنها ستجر في اذيالها كل البلد.

□ والنخبة العسكرية التي تضمن للنخبتين أعلاه سيلان شرايين الأمم إلى أفواه هاتين النخبتين للولوغ الدائم في دماء الأمم

□ والنخبة السياسية التي تقود وتهندس علاقات النخب الثلاث الأولى،

□ والنخبة الثقافية التي تجمع وتحلل المعلومات وتقدم الاستشارات اللئيمة للنخب الأربع أعلاه.

طلاق الجذور للنخبة السوداء

هذه الرسالة ليست موجهة لباراك اوباما لأن العبرة ليست في اللون بل في الموقع الطبقي ولحظة الانتماء. فهومن النخبة السوداء التي انسلخت ليس عن طبقتها وحسب، بل كذلك عرقها واصلها. غيرت كل شيءْ ولم يبق سوى تغيير اللون كونه مستحيلاً

رغم أحدث وأخطر منتجات الصباغة والدباغة والتزجيج أو بلغتهم “المكياج”.

لقد ابتهج الكثير من بسطاء العرب معتقدين أن أوباما بلونه واسم أبيه واصله الإفريقي سيكون أفضل من سلسلة القتلة في النظام الأميركي. هذا وكأن الأمر بيد الفرد حتى لو كان “طيباً”! وابتهج بعض الفلسطينيين لنفس الأسباب، وربما لترويج خبيث قام به “رجال دايتون” في الأرض المحتلة.

قال لي أحدهم: ” لا شك أن في أوباما بعض الشبه معنا كشعب لاجىء، فهو من المستجلبين الأفارقة إلى الولايات المتحدة قبل فترة الاستقلال عن مُرضعتها بريطانيا، وبعدها، اي حين لم تكن بعد، لا ولايات ولا متحدة. فمن قرأ كتاب الجذور عن السود في أميركا لا يمكن إلا أن يتفائل ب هذا”!

وأعتقد أن مثل هذا التفكير فيه درجة عالية من اختلاط الوعي، واختلاط الوعي أخطر من غيابه أو الافتقار إليه، لأن اختلاط الوعي هو حالة متعالِمة، هو حالة : “من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري”.

ولكن، بعيداً عن قراءة الحالات الفردية في القضايا العامة، فإن حالة الانتزاع والاستجلاب للأفارقة إلى المستوطنات البيضاء تمت في سياق مختلف عن طرد الشعب الفلسطيني من وطنه كطرد كلي بهدف الإبادة. بينما كان الهدف من انتزاع السود هو أخذهم لتشغيلهم. أي الفارق هو بين انتزاع للاحتفاظ وسلخ القيمة الزائدة، مقابل اقتلاع وإصرار على عدم تشغيل ما يتبقى منهم في أرضهم المحتلة بناء على وتطبيقاً لِ سياسة “العمل العبري”.

وحتى بالنسبة للأفارقة السود فلم يتم انتزاعهم كأمة/أمم بأكملها بل كمجموعات في حين ظلت الأمم في اماكنها ليتم استحلابها بين حقبة وأخرى و “قطف” الشباب لأخذهم إلى العمل العبودي من جديد. وهذا الفارق بين الاستقرار بالنسبة لهذه الجاليات في المكان الجديد مقارنة بالمكان القديم وبين الحالة الفلسطينية، فالمسألة هي حالة وطن وليس مكاناً[2]، ومن هنا الإصرار على حق العودة بما أن الفلسطينيين حالة شعبية مبلورة وطنيا وليس مجرد جماعة متخيلة الوجود والحدود والتبلور بل تفتقر لهذا التبلور. فربما كان بوسع حالات الجماعات اللاجئة أن تستقر في أمكنة دون الحاجة للعودة أو الاضطرار للعودة إلى المكان الأصل، هي جماعات لا تكوين سياسي محدد الهوية لها، أما الحالة الفلسطينية فالهوية تزداد وضوحا وتبلوراً مع تحدي اللجوء. هذا إضافة إلى أنه بمقدار وضوح مشروع الاحتلال كنقيض يصبح مشروع الهوية الفلسطينية محدداً وواضحا كذلك وبالتالي لم ينتج عن تحدي الاقتلاع ضياع الهوية بل تقوية تماسكها. واخيراً، هناك تحدي أمام الفلسطيني مكون من ثلاث عوامل جعلت من هويته مجسدة لا متخيلة أو متغيرة وهي:

□ العمق العربي الذي استقبل الفلسطيني وقاوم تذويبه من أجل حق العودة لتتحول العودة إلى مشروع. وهذا بحد ذاته تعامل مع قضية الطرد الفلسطيني كحالة قومية/سياسية وليس حالة جماعة هلامية. ومن هنا عداء المركز للأمة العربية.

□ عدم استيعاب الشتات للفلسطيني بشكل يمتصه ويُغريه بالانتقال من المحقق المغتصَب إلى المتخيَّل، فالشتات كان حالة رفض لهذا اللاجىء مما شدد تمسكه بهويته وحق العودة.

□ أن الفلسطيني هّجِر كشعب وليس كمجموعة محدودة بلا هوية مبلورة

□ تكمن أهمية هذه العوامل ليس في وجودها مبكراً في الحالة الفلسطينية، بل اساساً في انها تبلورت قبل ان تحصل المتغيرات الرسمية السياسية (طبقياً) فلسطينيا وعربيا باتجاه التنازل عن حق العودة.

أحد الفوارق بين الجاليات اللاجئة قسراً، كجاليات أو المستجلبة “قرصنة” أنها غادرت المكان، دون أن تتم تصفية التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الأم التي كانوا فيها، وهذا جعل خلق وطن متخيل لها، أمراً ممكناً، بينما في الحالة الفلسطينية كمجتمع فلاحي زراعي كان يشكل قبل الطرد تشكيلة اجتماعية اقتصادية تم تدميرها تماماً، وما زالت بقاياها ملاحقةً. فالتشكيلات هي مجتمعات/كيانات ثابتة وليست مجموعات اجتماعية عابرة، ومن هنا حرص الصهيوني على تدمير التشكيلة الفلسطينية.

بعد هذا ماذا يريد؟

ما يريد أن يأمر به هذا، ممثل فرَّاخة مجازر التاريخ هو كثير. لكن هذه الزيارة مطلوب لها وضع الأسس لأمرين خطيرين ولكن ملحين:

الأول:صياغة اتفاق رسمي بين العديد من الحكام العرب والقيادتين الأميركية والصهيونية للإجهاز على حق العودة. ورد ذكر هذا في آخر رسالة ارسلها أوباما مؤخراً إلى حكام 57 دولة عربية وإسلامية بأن يعترفوا جميعاً بالكيان الصهيوني مقابل لا شيىء. ولولا أنه سمع “سمعا وطاعة” من كثيرين لما استعجل الزيارة. وسيكون هجوم أوباما من باب أن فلسطين ليست سوى مكاناً كما هو حال الجاليات السوداء التي سُرقت من إفريقيا وجرى إبدال الأوطان في حالاتها بأمكنة. وهذا موقف الغرب الراسمالي جميعه، فهو الذي قنص السود إلى المستوطنات البيضاء، وهو الذي جمع اليهود من “الأمكنة” ليمنحهم “وطن” شعبنا الذي تجري هندسته تكراراً لتحويل أماكن لجوئه إلى أوطان مفترضة. فأي نفاق وتلاعب!

والثاني:إدارة مذبحة لا نهاية لها تقوم الأنظمة العربية بمعظمها، وتبدأ بذبح أهل غزة لإنهاء حركة حماس، وتمتد إلى لبنان، فالعراق، اي ذبح المقاومة وصولاً بالطبع إلى تدمير إيران وسوريا كقوى ممانعة. ولا شك أن دم إيران هو المطلوب اساساً، فهو دم نووي!

وماذا سيقدم هذا الفتى الإمبريالي؟ بعض الفتات، لم نلمس منه من قبل ولن نلمس منه من بعد سوى إزالة بعض “بركسات-اقنان” الدواجن تحت تسمية إزالة مستوطنات. إذن المعروض دم المقاومة دم العودة دم الممانعة، حرب سنية شيعية تمتد إلى يوم الدين، أمركة تراب الوطن باسره مقابل بضعة بركسات للدجاج!


[1] أذكر البورصة هنا لأن المرأة في السعودية مثلاً ممنوعة من العديد من الأعمال التجارية والصناعية ولكن مسموح لها ان تُضارب في البورصة، ولذا خسرت النساء السعوديات قبل ثلاثة أعوام أهراماً من أموالهن!

[2] انظر فيما يخص المكان والوطن: عادل سمارة: إزاحة الدولة القطرية العربية، الدولة القطرية طارئة جغرافياً ويجب أن نجعلها طارئة تاريخياً، (الجزء الثاني)، نشرة “كنعان” الالكترونية، السنة الثامنة ـ العدد 1614 ، 30 يوليو (تمّوز) 2008

http://www.kanaanonline.org/articles/01614.pdf