مستقبل حالك ينتظر العراق ـ المكتوب يقرأ من عيون اطفاله!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1911)

هل يستشعر اي خرتيت من الخاراتيت الجالسة فيما يسمى بمجلس الوزراء او في مجلس النواب او مجلس الرئاسة بحجم الكارثة البيئية والصحية ـ الوجودية ـ التي يتمرغل بها العراق بشرا وارضا وسماءا ومياها بسبب الاشعاعات النووية التي ما زالت تطلقها الاليات المدمرة بالقذائف المشبعة باليورانيوم المنضب والمتروكة في كل بقاع العراق من الجنوب الى الشمال ؟

هل يستطيع هؤلاء المدعون سيادة ووطنية مطالبة قوات الاحتلال بجمع هذه المخلفات التي تقدر بالاف الاطنان من الحديد الملوث بالاشعاعات والتي لا ينقطع بثها لدهور قادمة ؟

هل يفهم هؤلاء ان تاثيرات هذه الاشعاعات يتزايد كلما تزايد تموقع العناصر المشعة وتغلغلها في التربة وما تحتها وعليها ؟

هل يفهم هؤلاء ان العراق سيخسر نفسه تماما باعاقة مستدامة اذا لم تجري معالجة علمية لتلك المخلفات ؟

هل يعلم هؤلاء ان لوكيميا الدم ـ سرطان الدم ـ يصيب الاطفال قبل ولادتهم نتيجة تعرض الامهات لشيء من هذه الاشعاعات ؟

هل يهتم هؤلاء بالنسب العالية والمتزايدة للتشوهات الخلقية للولادات الحديثة منذ عام 91 وحتى الان حيث استخدم اليورانيوم المنضب ـ حثالة لاقذر عناصر الفتك المستدامة ـ من قبل الامريكان في حربي الخليج الثانية، وغزو العراق ؟

هل هؤلاء مؤهلون لمطالبة الامريكان بتحمل المسؤولية كاملة في تخليص العراق وشعبه من هذه المخلفات وتحمل تكلفة معالجة اضرارها ؟

اشك في هذا لان هؤلاء هم من صفق للغزاة وهم من تخادموا معه وما زالوا كي يصلوا للسلطة ويحافظوا عليها، فكيف سيحملونه مسؤولية جرائم هم شركاء فيها ؟

اكثر من 50 مليار دولار تكلفة تقديرية اولية لجمع وقبر الاليات المدمرة ومعالجة بيئتها المحيطة، ومتابعة النشاط الاشعاعي واجراء مسوحات علمية مستدامة لقبر مايمكن قبره من تربة واحجار واشجار ملوثة بطول البلاد وعرضها!

اكثر من 10 مليار دولار متطلبات الرعاية المستدامة للمتضررين مباشرة من تلك الاشعاعات، مستشفيات متخصصة للتسرطن والتشوه ودراسات مختبرية عالية التقنية للانحرافات الجينية المستحدثة، لكل الاحياء في البيئة المصابة بما فيها الانسان واجنته الجديدة!

راجعوا الاتفاقية الامنية التي ابرمتها حكومة المالكي مع حكومة بوش والتي وافق عليها البرلمان، التي سميت باتفاقية انسحاب القوات، هل تضمنت شيء من هذا القبيل ؟

خوف، رعب، تشرد، جهل، مرض، جوع، تسول، يتم، انحراف، عدوانية، تسكع، مخدرات، والاخطر من كل هذا تشوه القيم الاخلاقية والتربوية المجتمعية وانعكاسها المتواتر على الاطفال، الذين اصبحوا وفي كثير من الاحيان هم اولياء امورهم وامور من يعتمد عليهم لتدبير لقمة العيش، كبار لا يرحمون الصغار، او لا يستطيعون فعل ذلك ـ ففاقد الشيء لا يعطيه ـ اخرين لا يستطيعون حمايتهم، اخرين يضطرون لتعريض اطفالهم للمخاطر!

نعم ما زال هناك اطفال يولدون ويترعرعون بوسط عائلي يتكفل بهم ويسهر على تربيتهم وعلى سلامتهم ولكن حتى هؤلاء ليسوا في مأمن، فالمناخ السائد ليس حكرا على طبقة بحد ذاتها او منطقة او طائفة، صحيح ان الفئات الطبقية الغنية قد تحصن نفسها بحدود معينة ولكنها تعجز عن توفير الاجواء الطبيعية للتنشئة السوية مهما حاولت تجنيب اطفالها ما يستوجب تجنبه، فهي تستطيع مثلا توفير مدارس خاصة مستشفيات خاصة، وسائل ترفيه ورعاية في محلات سكن امنة، لكنها لا تستطيع حمايتهم تماما من المخاطر المحيطة، وعليه نجد كثير من هؤلاء قد ترك العراق، ناهيك عن حالة اغلب عناصر الطبقة السياسية الحاكمة والذين ابقوا عوائلهم خارج العراق ومنذ البداية، نعم عوائل اطفال الطبقات الفقيرة هم الاكثر تضررا والاكثر هجرة والاكثر جوعا ويتما ومرضا وحاجة!

خمسة ملايين يتيم، ومثل هذا العدد محروم من خدمات اساسية مستقرة والتي تحتاجها الطفولة السوية كالعناية الصحية والتعليمية والنفسية، سبع سنوات والحرب ما زالت قائمة، اكثر من مليون عسكري وشرطي ومخابراتي وميليشياتي الى جانب جنود الاحتلال، كل هذا العدد المهول والاوضاع ما زالت ترفض التروض للاجندة المعدة سلفا لمستقبل هذه البلاد، الذي لا يمكن تداول مفرداته دون تقليب الحالة الكارثية للطفولة في العراق الجديد!

ليس من باب معارضة العملية السياسية القذرة الجارية في العراق يتم اعلانه كاكثر دول العالم فشلا، وفسادا، وخطورة، وقمعا للحريات الشخصية، وليس من باب التجني توقع المزيد من الكوارث الاجتماعية والصحية والسياسية والتعليمية والاقتصادية والانسانية، لان جهات دولية متخصصة ومحايدة هي من ينبه بالتقارير الموثقة للمخاطر المحدقة القادمة!

اموال من الدول المانحة لتمويل مشاريع اجتماعية واسرية وصحية وتعليمية يذهب اغلبها لجيوب القطط السمان الحاكمة في العراق، واكثر من ذلك انها تحول الى ارصدة عوائلهم المتنعمة اصلا بما تجنيه من دول اللجوء، ميزانيات نفطية سنوية مهولة من 50 ـ 70 مليار دولار وعلى مدى الخمس سنوات الماضية، لم تنجز شيئا يذكر بالنسبة للبنية التحتية في خدمات الكهرباء والماء والمجاري والصحة والتعليم والعمل والرعاية الاجتماعية للايتام والارامل والعوائل المتعففة، الاموال لا تكفي لان نصفها يسرق والنصف الباقي يصرف على تمويل البطاقة التموينية، ورواتب لجهاز اداري نصفه متقاعد والاخر متغول، الى جانب رواتب لمليون عسكري حكومي ومن كل الاصناف، اما الباقي منها فيستخدم لذر الرماد بالعيون بمقاولات انشائية ترقيعية، كتحويل المطارات العسكرية القديمة الى مطارات مدنية باجراء بعض التحويرات على ابنيتها وواجهاتها ـ كمطار النجف واربيل والسليمانية والحبانية وذي قار ـ وتصليح بعض المحطات الكهربائية العاطلة، وصبغ واجهات ابنية المدارس!

الكل يتذكر فضيحة دار الحنان للايتام في بغداد، هي مستمرة وباشكال متنوعة ليس في العاصمة فقط وانما في الجنوب والشمال، وهكذا الحال بالنسبة لسجون الاحداث، لكن سياسة التعتيم اصبحت اشد وطئة، ورغم ذلك فان تقارير منظمات الامم المتحدة تذكر بين الحين والاخر بجرائم الفساد المتصاعدة، واخرها كان تقرير عن ممثل منظمة الصحة العالمية في بغداد والذي اشار الى ان معظم المدارس الابتدائية في العراق تفتقر للشروط الصحية الضرورية ـ المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، دورات المياه النظيفة، التهوية المناسبة!

ربما يبقى اطفال المنطقة الخضراء هم الاكثر امنا وتميزا ولكنهم ايضا محاصرون، حالهم حال اطفال مدينة الثورة والشعلة، واطفال المسؤولين اوفر حظا بالنسبة لظروف الحماية والتغذية والرعاية لكنهم ايضا يعانون من العزلة، ما اريد قوله ان اوضاع الطفولة في العراق هي كاوضاع المرأة والطبقة العاملة، فعلاوة على انها سمة من سمات التمايزات الطبقية الاصيلة والمفتعلة ـ الطفيلية الجديدة، البرجوازية الكمبرادورية ـ فهي ايضا تتغذى وبشكل ديناصوري على حالة الخراب الاجتماعي الاقتصادي الشامل الذي اشاعه وما يزال الاحتلال ومن يحكم برعايته!

ان انقاذ الطفولة العراقية يرتبط بانقاذ العراق من حالة التيه والتخبط والانحطاط الذي يسير فيه بقوة دفع السلطة وقمعها الطائفي والعرقي المحروس بقوة الاحتلال الغاشم وفوضته الشاملة!