التصويت يسارا .. ليس ضربة ضد المقاومة .. بل دفاعا عنها

افتتاحية العدد 16 من المنشور، التجمع اليساري من أجل التغيير

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1912)

تصرف المولاة والمعارضة اليوم ملايين الدولارات لخدمة التنافس السياسي بينهما، وتختفي هذه الملايين كلما بدأ الحديث عن الحد الأدنى للأجور أو غلاء المعيشة. وها نحن نسمع يومياً عن أموال يتم صرفها في تقديم تذاكر سفر مجانية للمهاجرين اللبنانيين ليأتوا إلى “بلادهم” وينتخبوا. هم أنفسهم الذين اضطروا إلى ترك البلاد هرباً من البطالة.

منذ نهاية الحرب الأهلية، ونحن نعيش تحت سلطة طبقية تقتات من عملنا وتغتني من جيوب العمّال والفقراء. هذه البرجوازية الحاكمة تمثّلت بخطوطها العريضة ببرجوازية مالية ومصرفية بقيادة آل الحريري وحلفائه (العابرين للطوائف). وقد عمل هؤلاء منذ البداية على بناء اقتصادات لا تخدم سوى الأغنياء. شيّدوا الفنادق والمطاعم والمعارض (لراحة المستثمرين والسواح الأثرياء)، وقضوا على أجزاء كبيرة من قطاعي الصناعة والزراعة. استدانوا المليارات من أجل إعمار أماكن لَهْوٍ لهم (البلد) وطردوا السكان وأصحاب المحال إلى خارج الوسط التجاري.

ومن أجل سداد هذه المليارات، قاموا بزيادة الضرائب وربط ما يتم تحصيله منها في خدمة الدين العام، ومن ثم قاموا، في مؤتمرات باريس وبيروت، بإعطاء هبات للمصارف اللبنانية (أي لأنفسهم)، فباعوها الدين بفوائد مرتفعة جداً، ومن ثم بدأوا التخلص من الخدمات العامة تحت حجة انه لا يوجد مال كاف، متناسين الملايين التي تتراكم في نسب الفائدة.

اليوم تذهب الأموال مباشرة من جيوبنا إلى أفواه أصحاب المصارف. دفعوا بنا للعيش على مستويين من الاستغلال، استغلال أرباب العمل المباشر واستغلال البرجوازية المالية والمصرفية من خلال الضرائب.

هذا يدعو إلى انتفاضة، أو على الأقل الاعتراض. وهذا بالضبط ما استخدمته المعارضة لتعبئة وتجييش الناس لصالحها. كانت شعارات المعارضة تخاطب الناس بالإصلاح والتغيير وتخاطب المولاة بالمشاركة والمحاصصة، وكلما اقتربت الجماهير إلى التصادم مع السلطة، سحبوها إلى الوراء. وإذا ما زاد الاعتراض من قبل جمهور المعارضة على قادتها، قاموا بالتخويف بأن المقاومة بخطر وان التوازن الطائفي لا يحتمل المواجهة.

وقد بدا واضحاً إن حزب الله والمعارضة يرون أن السبيل الوحيد لحماية المقاومة هو المساومة عليها في أزقة الحكم. قاموا بحصر المقاومة في الصراع العسكري والعداد والعتاد، متناسين إن الناس هم من يصنعون المقاومة، هم من يقفون على الجبهة لضرب آلة الحرب الامبريالية، وهم من يوزّعون المؤن على النازحين، وهم الذين يحمون ظهر المقاومة إبان العدوان.

هذا التراجع عن الزخم والتأييد الشعبي ضد الموالاة التي تآمرت من جهة على شعبها في زمن الحرب، وأمعنت في استغلاله في زمن السلم، أدى بالمعارضة إلى التقوقع أكثر وأكثر في قوالبها الطائفية، فاستعملت الخطاب الطائفي كما فعلت الموالاة قبلها من أجل تجديد العصبوية الطائفية في خدمتها وتخويف الناس من الخروج عن طاعتها.

ما البديل إذاً؟ من المؤسف انه ليس هناك حتى اليوم بديلاً جدياً يفرض وجوده وثقله ومطالبه على الساحة السياسية، وهذا بالضبط ما نحتاجه للخروج من سجن الثنائية العقيمة التي يضعنا به كل من طرفي معادلة السلطة الحاكمة؛ بديل يستطيع أن يمثّل المطالب الحقيقة للناس وأن يلامس الواقع الذي نعيشه؛ أن يعبّر بشكل حقيقي عن مقاومة الناس للفقر والحرب والاستغلال؛ أن يعبّر عن الأمل بالتغيير وأن يخطو نحو الفعل والمواجهة. هذا البديل لن يخرج من الشعارات الواهمة والكاذبة لطرفي السلطة، بل سيخرج من أفواه العمال والطلاب والمزارعين والفقراء، يطالبون بما هو حق لهم، يطالبون ويفرضون حقوقهم على من يفرّط بها.

الاستسلام لواقع يهدد حياتنا ومستقبلنا للخطر ليس وارداً، بل علينا أن نرفضه لأنه سيقيّدنا بالبؤس. أسرع طريق لتخطي المشاكل هي مواجهتها، لا النوم عليها والتمنّي أن تذهب بعيداً. فالمخلّص لن يأتي من السماء ولن يحمل كتاباً سحرياً. من سيخلّصنا هو أنفسنا، هو تضامننا فيما بيننا (من عمال وطلاب وفقراء وعاطلين عن العمل) من أجل مواجهة من يستغلّنا ويفرض علينا حياة البؤس والتعتير.

تظهر اليوم بعض بوادر نشوء معارضة جدّية في الشارع اللبناني تمثّلت من خلال التحركات النقابية والعمالية (كتحركات المعلمين مثلاً وعمال بلدية طرابلس، أنظر ص ١0)، ومن خلال التحركات والمواقف السياسية والاقتصادية التي أطلقها اليسار في لبنان في الآونة الاخيرة.

من هنا نرى أن بناء هذا البديل يبدأ باعادة الثقة للتحركات النقابية ولليسار في لبنان، خاصة وأن هذا الأخير يخطو خطوة أساسية في مسار المواجهة السياسية متمثّلة بدخول الحزب الشيوعي الانتخابات بمواقف اصلاحية تتميز بمطالب جدّية: من النضال لفرض قانون جديد للانتخابات على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي وعلى أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة؛ إلغاء الطائفية السياسية وتحويل النظام السياسي في لبنان إلى نظام ديمقراطي يقوم على المساواة من دون تمييز أو امتيازات؛ إيقاف خصخحة الخدمات التي تعود بالمنفعة العامة إلى الشعب؛ تطوير التعليم الرسمي؛ التراجع عن مفاعيل مؤتمرات باريس وبيروت؛ إنهاء الهدر وتنمية القطاعات الاقتصادية المنتجة.

وهنا، بالرغم من اقتناعنا بأهمية تصعيد هذه المطالب، نرى ايضاً أنه لا يمكن تصعيدها إلا من خلال بناء يسار فاعل واقوى يضع رؤية ثورية للتغيير في لبنان ومهاماً مباشرة تسعى لتحسين الواقع الذي نعيشه. لذا، نرى ضرورة فعلية للعمل على دعم الحزب الشيوعي في معركته الانتخابية، إن كان بوجه الموالاة أو بوجه المعارضة، لأننا نؤمن بضرورة أن يكون هناك امتداد أوسع لتواجد وانتشار اليسار في لبنان. لكن هذا الانتشار يجب ألا يُفهم كمرادف للربح في الانتخابات، فالاهم هو بناء حالة تغييرية وثورية في لبنان (ص 4)، بجميع الوسائل الممكنة.

لكننا نرى انه على اليسار (الذي نحن جزء منه) ان يعمل ايضاً لكسب ثقة الناس، لا أن ينتظر الناس ان يأتوا اليه. علينا العمل لبناء صفوف المواجهة والمقاومة أمام المعارك القادمة. فاليوم، يكاد يكون العمال والعاملات، هم الوحيدين القادرين على حمل ورفع حركة تغييرية، وهم القادرين على الفرض على السلطة أن تقوم بإصلاحات جدّية تحسّن من الواقع الذي يعيشه غالبية الناس.

التصويت يساراً ليس ضربة ضد “المقاومة” كما يروج البعض، بل دفاعاً عنها؛ هو دفاع عن مقاومة شاملة تربط بين مقاومة الاستغلال ومقاومة العدوان والحرب، هو مقاومتنا من أجل اقتصاد يخدم الناس ولا يبتزهم، ومن أجل القضاء على البطالة والفقر وترسيخ الديمقراطية. فلا يمكن ان يكون التحرير من دون التحرر من قيود الاستغلال والقمع.

لكننا نعرف جيداً ان هناك معارك كثيرة لا يتواجد فيها اليسار كبديل لطروحات المعارضة والسلطة، وأنه، في هذه المعارك، نؤكّد على ضرورة إسقاط فريق الموالاة وضرب رموزه. بالرغم من أن دعمنا لأحد الاطراف التي تواجه الموالاة، لا يعني بالضرورة دعم برامجها كما هي، بل هو دعم لها في معركتها ضد الإمبريالية وفريق السلطة الحالي.

ومن هنا نرى ضرورة دعم الاصوات اليساروية المعارضة من الداخل، خاصّة لجهة إسقاط السلطة الحالية. ندعم حركة الشعب في بيروت ضد رمز سلطة المال سعد الحريري، ونرى ضرورة ملحّة للعمل على إسقاط رمز سياسات الافقار والتجويع، فؤاد السنيورة، في صيدا، وكذلك في معارك انتخابية اخرى لا يتوفر فيها بديل يساري جدي ضد الموالاة.

كما أن دعم معركة إسقاط مشروع فريق الموالاة لا يعني إعطاء الثقة للمعارضة الرسمية في إدارة البلاد ومحاصصتها مع ما يمثلون من برجوازية صاعدة ومتضررة من سياسات الحريري.

وهنا مجدداً تطرح مسألة التمثيل، فالثنائية الموجودة حالياً في معادلة الصراع الانتخابي هي نتيجة غياب حركة تمثّل مطالب ومصالح الناس بشكل جدّي وفاعل، مستقلّة عن أطراف البرجوازية الحاكمة وعن محاولاتهم لتقسيمنا طائفياً. هذا البديل علينا العمل لبنائه، وبناءه يبدأ بالمواجهة.

اليوم، لنصوّت يساراً، لنصوت ضد سلطة المال والاستغلال، لنصوت ضد الطائفية والتفرقة، لنصوت مع المقاومة وضد من يساوم عليها، لنصوت ضد الخصخصة وضد المزيد من الديون، لنصوت ضد الغلاء والنهب، ضد من يريدنا بلا تعليم وضد من يريدنا بلا طبابة ولا ضمان، ضد المخابرات، المحلية منها والإقليمية والأجنبية.

لنصوت من أجلنا ومن أجل مستقبلنا ومن أجل التغيير ودولة الرعاية الاجتماعية، لنصوت يساراً.

http://tymat.org