يوم الثامن من يونيو

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1912)

أيام ويذهب اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع، وفي الثامن من يونيو/ حزيران الجاري سنعرف من فاز ومن لم يفز. جماعات 8 آذار أم جماعات 14 آذار، المعارضة أم الموالاة. لكن الأهم في ذلك كله يظل متعلقاً بسؤال حول: كيف ستتعامل الجماعات الفائزة مع الفوز، وكيف ستتعامل الجماعات الخاسرة مع الخسارة.

يرى البعض ويقول إن الانتخابات تعني إعطاء الشعب حق اختيار حكامه، باعتبار أن الديمقراطية تعني حكم الشعب. ويرى البعض الآخر ويقول إن الديمقراطية تعني الحق المتساوي للمواطنين في اختيار ممثليهم، وهو ما ينفي مفهوم الديمقراطية على أساس ديني، طائفي أو مذهبي، أو على أساس عرقي. وفي لبنان نظام سياسي طائفي، وانتخابات 7 يونيو/ حزيران انتخابات طائفية بامتياز، ولأنها كانت كذلك غاب الوطن فيها وغاب فيها المواطن، بصرف النظر عن ادعاء الوطنية من قبل كل الجماعات التي تخوض هذه الانتخابات. وبهذا المعنى لم تكن انتخابات ديمقراطية، لأن الشعب لم يختر من خلالها حكامه بحرية حقيقية إلا بقدر ما يمكن أن تمثل الطائفة “الشعب” باعتباره مجموعة طوائف.

ومنذ الانتخابات التي جرت في العام 2005 والسجال دائر حول مصطلحين: “الأكثرية” و”الأقلية”، وكذلك يدور حول معنى وضرورة “المشاركة” أو “الشراكة”، و”الثلث المعطل” أو “الثلث الضامن”. وفي الوقت التي تتمسك جماعات 8 آذار بالمشاركة والشراكة والثلث المعطل، أياً كان الحاصل على “الأكثرية” في الانتخابات، ترى جماعات 14 آذار أن لا مشاركة أو شراكة لمن يكون في مقاعد الأقلية، فالديمقراطية في رأي هؤلاء هي أن “الأكثرية” تحكم من دون مشاركة أو شراكة، وأن الأقلية لها مكان واحد هو المعارضة في مجلس النواب. لقد قيل إن 14 آذار يصر على عدم الشراكة لأنه واثق من أنه سيحصل على “الأكثرية” وهو يريد أن يتخلص من المعارضة وما تسببه من “تعطيل” لبرامج “الأكثرية”، كما قيل إن هذا الإصرار يأتي في إطار الحملة الانتخابية لتخويف الناخبين من المصير، الاقتصادي والسياسي، إن فازت المعارضة بالأكثرية. وقيل أيضاً إن المعارضة تصر على الشراكة رداً على مقاصد الحملة الانتخابية للموالاة، وخوفاً من عدم فوزها بالأكثرية، وضماناً لمشاركتها في الحكم إن حدث ذلك.

المشكلة هنا هي أن الموقفين، موقف 8 آذار وموقف 14 آذار لا يخرجان النظام اللبناني من أزمته لأنهما، كل من زاوية نظره، يبقيان الأساس الطائفي لهذا النظام الذي أفرزهما معاً. فالفريق الأول وهو يريد شراكة الفريق الثاني يكرس المفهوم الطائفي للنظام من خلال إعطائه “آليات” خرجت من رحم طائفي. أما الفريق الثاني وهو يرفض الشراكة فسيتصرف على الأساس نفسه طالما أن أكثريته جاءت أيضاً من الرحم الطائفي نفسه. لقد نص الدستور اللبناني، كما نص اتفاق الطائف على اعتبار التقسيم الطائفي السائد “وضعاً مؤقتاً” يتم إنهاؤه تدريجياً، لكنه تحول إلى وضع دائم وكل طاولات “الحوار الوطني” لم تغير فيه شيئاً، الأمر الذي يبقي الخلافات كلها مفتوحة.

الأخطر في الوضع الجديد يتمثل في ما يمكن أن يحدث إذا أصر فريق 14 آذار على عدم الشراكة، سواء حصل على الأكثرية أو حصل على الأقلية. إن حصوله على الأكثرية يعني أن يحكم البلد وحده، وأن يرفض مشاركة الفريق الآخر بحجة أن الشعب خوله بهذا “الاستفراد”، وهذا يمكن أن يفجر الوضع إن أصر على تنفيذ مقولاته، وأولها مسألة “السلاح الشرعي” بما يعني التمسك بنزع سلاح حزب الله. أما رفضه الشراكة في حال تحوله إلى أقلية نيابية، فسيعني أن يترك للأكثرية الجديدة أن تحكم بمفردها، وهو ما سينقل لبنان إلى ضفة سياسية أخرى تستعدي عليه المعسكر الأمريكي “الإسرائيلي” وتضعه في الوقت نفسه على فوهة احتمالات خارجية وداخلية شديدة الخطورة.

لقد اخترعت المواقف الطائفية في لبنان مفاهيم جديدة خاطئة للديمقراطية لا تخرج في مضامينها ومعناها عن “المحاصصة الطائفية”. فصحيح أن الأكثرية في الديمقراطيات الغربية تحكم منفردة، والأقلية تحتل مقاعد المعارضة، لكن تلك الأكثرية وتلك الأقلية لم تأتيا نتاج المحاصصات الطائفية بل نتاج اختيار المواطنين ممثليهم على أساس مفهوم المواطنة، باعتبار أفراد الشعب مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات ودون تمييز، والمرشح يمثل كل المواطنين في كل الوطن. أما الأكثرية الناتجة عن المفهوم الطائفي فلا ترى الوطن أو المواطن بل ترى الطائفة والمذهب والعرق. لذلك فإن مطالبة الأكثرية اللبنانية بالحكم المنفرد هو عكس المفهوم الديمقراطي. أما مفهوم “الديمقراطية التوافقية” فلا يختلف عن مفهوم “الأكثرية” على أساس المحاصصة الطائفية، لأن “التوافق” يعني “التحاصص” أيضاً، وهو عكس المفهوم الديمقراطي. والواضح أن خلفية الداعين إلى الاستفراد بحجة الأكثرية الطائفية هي نفسها خلفية الداعين إلى “الديمقراطية التوافقية”، وهي لدى الطرفين خلفية طائفية بل وتكريس للأساس الطائفي للنظام السياسي القائم.

ويبقى السؤال: كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ والجواب واضح، وهو الخروج من التقسيمة الطائفية السائدة، ولكن السؤال المشكلة يظل في “كيف” هذه! لقد سبق القول إن الدستور اللبناني نص على التخلص من الأساس الطائفي للنظام، وكذلك اتفاق الطائف، لكن النصوص لا تكفي، كما تبين وتأكد.

لقد سبق لفريق 14 آذار أن كرر قائلاً إن هذه الانتخابات “مصيرية”، وسبق لفريق 8 آذار أن كرر قائلاً إنها “استحقاق مهم”، لكنها ليست “مصيرية”، فماذا يا ترى ستقول الوقائع والأحداث في الأيام والأسابيع المقبلة؟