في ذكرى 5 حزيران: “هزائمنا تاج عزّ على جبين الأمّـة”

زاهد منتصر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1913)

الإهداء

ما أجمل أن نتذكّر الأحبّة في الأوقات العصيبة فأليهم أكتب:

إلى ذلك الحفناوي بن عثمان الذي لم أستطع التفرقة بين اسمه ولقبه إلا بعد جهد جهيد..

إلى “علي” كما يحلو لخالتي “ونّاسة” أن تناديه..

إلى فتى فتيان الرديّف الشرفاء..

إلى المتحفّز دوما “على قلق كأنّ الريح تحته”..

إلى “المدّب” الذي أقنعني ذات فجر أنّ الطريق إلى اللّه أقرب من حبل الوريد..

إلى الأيّام الخوالي بين الدندان على موائد “المحايد” مرورا “ببطحاء” محمد علي وتعريجا على “الكبير”..

إلى أجمل كأس شاي في الدنيا اقتسمناه في “مقهى الدينار” انتظارا “للذي يأتي ولا يأتي”..

إلى أيّام الكدية والجوع والتسكّع في شوارع العاصمة..

إلى ليالي الحديث الصادق..والتداعيات الموجعة..

إلى لحظات الغضب والنقمة والبكاء..

إلى الفتية الرائعون رغم الكسر والجرّ: “طلبة قوميّون” طليعة هذه الأمّة..

إلى شرفاء منّوبة رغم الضنك..

إلى ذاك الضوء الذي بدا في آخر النفق يعد بتصحيح المسار القومي..

أهدي هذه التداعيات المبتورة كأوصال أمّتنا الصامدة صمود الروح في جسد الشهيد

نكاية في المهزومين المتشائمين..

* * *

” سنة خامسة.. سادسة.. عاشرة..

ما تهمّ السنوات ؟

إنّ كلّ المدن الكبرى من النيل.. إلى شطّ الفرت..

ما لها ذاكرة.. أو ذكريات..

كلّ من سافر في التيه نسيناه..

ومن قد مات مات..

ما تهمّ السنوات ؟

نحن أعددنا المناديل وهيّأنا الأكاليل..

وألّفنا جميع الكلمات..”(نزار قباني)

أصاحبي في السجن.. هل تشتاق حزيران مثلي؟؟؟

لا تجبني.. فكّر مليّا.. خذ من الزمن ما يكفيك.. قلّب الأمر جيّدا.. أعد تعديل زاوية نظرك.. لا تستسهل السؤال.. لا تركن لبلادة التفكير.. لا تستسلم لعنف اللحظة.. لا تستمع للحاقدين الشامتين.. انس البداهات الأولى والإجابات الأولى فهي الطريق إلى الخطأ..

أدر ناظريك إلى الخلف وانظر السنوات التي مرّت منذ الخامس من حزيران 1967.. ماذا رأيت ؟؟ تأمّل حولك، وتفحّص الواقع.. ماذا ترى؟؟ مدّ بصرك إلى أقصى ما تستطيع من مدى.. ماذا تراءى لك في الأفق ؟؟

أدركت عسر السؤال.. أم أنّك أشفقت تقول: كم اشتقنا لحزيران ولأمّة حزيران ولشعب حزيران ولفارس حزيران ولهزائم حزيران ولأحزان حزيران ؟؟

كم ظلمناك يا حزيران حين حمّلناك وزر أحلامنا وآمالنا الكبيرة، وعندما أثقلت ظهرك فتعثّرت شتمناك واتّهمناك وأعلنّاك الخائن والكاذب..

ألم نظلمك حين حكّمنا فيك الخناجر والسيوف ورجمناك بسوءاتنا، وأنت حجّتنا عليهم وعلى بربريّتهم وحقدهم ومصداقا لصدق أهدافنا؟؟

أربعون عاما ونيف ولا يزال الدم ينطف، والزمن على عهدك، ما زال يعلّمهم أنّك وحدك في تاريخ من بين معارك أمّتنا جسّدت رمزيّة كربلاء.. لأنّك رفضت الأحلاف وحدك، ورفعت رايات الوحدة وحدك، وقاتلت وقتلت وحدك، وانتفضت من تحت القصف الصهيونيّ وحدك، واستشهدت وحدك.. وحين ترجّلت عن الحصان تفرقّوا شيعا وفرّخوا أجيال الاستسلام والاعتراف والتطبيع جمعا، وتركوك يا حزيران شاهدا عليهم وحدك..

اشتقناك يا حزيران انتكاسة أمّة تحلم وتطمح.. تحزن وتفرح.. تهتف وتشتم.. تحبّ وتكره.. بعد أن فقدنا الإحساس وصرنا بلا مشاعر فـــ” لا حربنا حرب ولا سلامنا سلام” .. أصبحت انتصاراتنا مناطقيّة، طائفيّة، فصائليّة، تجزيئيّة، تفتيتيّة، تنهش من لحم الأمّة، وصارت هزائمنا يوميّة، روتينيّة، تنحت في عظم الشعب وتقامر بدماء الشرفاء قبل أن تجفّ.. صار المقاتل أميرا والفدائيّ وزيرا والقائد حجّة وفقيه.. القاتل يذبح باسم الله والمقتول شهيد محتسب عند اللّه..

الهزائم يا صاحبي كالانتصارات فيها المشروعة والمستحقّة، وفيها غير المشروعة وغير المستحقّة.. وهل تدان الضحيّة ويشتم دمها المسفوك؟؟ ومتى كان القتل غيلة وغدرا انتصارا؟؟

فعلا “لقد خسرنا معركة ولم نخسر حربا” ولم نعترف أو نستسلم أو نساوم.. قاتلنا بشرف حتّى انتصرنا ومحونا آثار النكسة.. فجاء المنكوسون طولا وعرضا ووقّعوا أوراق الهزيمة..

“عندما ختموا القضيّة..

عانق الجلاّد قاضيه..

وهلّلة الخنازير..

وقلّدوا المخصيّ نيشان الضحيّة..”(خ-ش)

الهزائم يا صاحبي كالانتصارات إمكان ومحصّلة لأيّ فعل يستهدف الواقع تثويرا وتغييرا وتطويرا.. ونحن في حزيران حاولنا، قد نكون أخطأنا التقدير فلم نصب الهدف فخسرنا المعركة وانهزمنا.. ليكن هذا قدر الإنسان في الزمان والمكان.. شرفنا أنّنا حاولنا اجتهدنا وقلنا “لا”.. لم نصمت.. ولم نطأطئ رؤوسنا كالنعامة.

سمّوها نكسة، وقال عنها خالد الذكر “أيّاما عصيبة”، وعندما زالت الصدمة وذهب الصداع، وقفنا وقلناها “لا صلح لا تفاوض لا اعتراف”.. وبعد أن نزفنا دما ودموعا، استنزفناهم دما ودموعا، أصبنا مكامنهم، وصدّعنا رؤوسهم بتكبيرات الفدائيّين..

حزيران ملهمنا الشعر والنثر والغناء والسياسة..

حزيران كان النقد والتحليل والفكر والفلسفة..

حزيران أجمل ما كتب وما لن يكتب بعد..

حزيران ذاكرة الحلم العربي الكبير..

ترى لما نتذكّر حزيران كلّ عام وكلّ شهر وكلّ ساعة وكلّ دقيقة وكلّ لحظة ؟؟؟ ببساطة لأنّه ذكرى عزيزة علينا.. أوليس انتكاسة لحلم أمّة ولإرادة شعب”.

كم بكيناك حزيران.. وأبّناك بأجمل القصائد، وأشجى الأغاني، وأحلى المواويل، وجثونا أمامك نستثير فيك مكامن العزّة والكرامة..

فيك يا حزيران وقعت أمّتنا، وتصدّع الحلم الجميل، ولكنّها وقعت واقفة وموحّدة الحزن والغضب والخنادق، ومضت تقاتل بالأظافر وتأبى الاستسلام..

أجمل الهزائم كنت يا حزيران، جبينك المحتقن الدامي، وعيناك المتحفّزتان للثأر، وأصابعك الماسكة على الزناد عناوين صمودنا وأيقونات نصرنا القادم..

سنذكرك يا حزيران، وسنحفظك في محّارة القلب وجعا لولادة أمّة من رحم المعاناة والظلم والقهر.. ولأنّك أشرف الهزائم التي وحّدتنا وجمّعتنا وعلّمتنا أنّ عدوّنا لا يؤتمن ولا يسالم ولا يصادق، فلن نخجل حين نلتقيك اليوم لأنّنا أدركنا بأنّ هزائمنا – ولأنّها قوميّة الغاية والأهداف – تاج عزّ على جبين الأمّة.. وانتصاراتهم – ولأنّها طائفيّة ومذهبيّة – قبض ريح، وغنائم حرب، ونار فتنة، تبعث في النفس حزنا وفي العقل غمّـة.