تداعي مرتكزات الهيمنة الأمريكية على العالم

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1920)

باتفاق أغلبية من المحللين الاقتصاديين والمنظرين السياسيين فإن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية الكونية قامت على ثلاث دعامات هي: القوة العسكرية، وجاذبية الحلم الأمريكي، والدولار كعملة تبادل كونية. وبالتالي عندما نتحدث عن اضمحلال الهيمنة الكونية الأمريكية المتسارع يجب أن نرى ما الذي حل بهذه الدعائم.

لنبدأ بالقوة العسكرية التي تحولت منذ الحرب العالمية الثانية إلى حامية ليس للولايات المتحدة فحسب بل لأوربا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية، فلم يعد هناك قوة منافسة لها في الساحة الغربية ناهيك عن تنازل دولتين هامتين كاليابان وألمانيا عن أي جهد عسكري طيلة الحرب الباردة لصالح التسليم المطلق بالسيادة العسكرية الأمريكية، وما يتبعها من سيادة سياسية واقتصادية وهذا ما استفز الجنرال ديغول فأعلن انسحابه من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي عام 1966 كي يحافظ على هامش استقلال عسكري وبالتالي سياسي واقتصادي فرنسي. وتعزز الوضع العسكري الأمريكي المهيمن في كل أنحاء العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد صارت التكنولوجيا والعتاد العسكري الأمريكي لا يضاهيها شيء وكانت تجربة العدوان على العراق عام 1991 شعار الدخول في هذه المرحلة فقد أثبتت الولايات المتحدة نفسها قوة عسكرية وحيدة مهيمنة على الكون وضامنة لاستمرار النظام القائم، وتتخلف القوى العسكرية الأخرى، سواء كانت روسية أم غربية،وسواء امتلكت القنبلة النووية أم لم تمتلكها، تتخلف عن القوة العسكرية الأمريكية بأشواط طويلة.

استمر هذا الوضع قائماً – تسليم مطلق بالهيمنة العسكرية الأمريكية من الأطراف الصديقة أو المعادية على حد سواء – حتى العدوان الثاني على العراق عام 2003، الذي حسبه المحافظون الجدد حفل ألعاب نارية يلقون فيه قنابلهم وصواريخهم على بغداد وتقوم وسائل الإعلام بتصوير ليل بغداد المضاء بانفجارات الذخيرة الأمريكية، فما أسهل النصر على بلد محاصر منهك لم يتم تحديث قواته الخارجة من حرب مدمرة عام 1991 م، وبالتالي فإن القوى العالمية الصديقة والحيادية والمعادية سترفع أيديها مستسلمة لمائة عام قادمة بعد أن ترى عرض القوة العسكرية الأمريكية في سماء بغداد وعلى أرض الرافدين . لكن مفاجأة الميدان غير المتوقعة قلبت كل الحسابات رأساً على عقب فقد استطاع مقاتلون بأسلحة خفيفة، و بأحسن الأحوال متوسطة، وبقنابل شبه بدائية – لا تزال قنابل جانب الطريق تشكل معضلة للقوات الأمريكية – استطاع هؤلاء المقاتلون تدمير جزء هام من القوة العسكرية الأمريكية، كما حيّدوا أحدث التكنولوجيا العسكرية، فمرغوا سمعة الدعامة العسكرية الامبرطورية في الوحل، وبدل أن تصيب موجات الصدمة والرعب العراقيين وتنتشر عبرهم لتصيب كل البشرية رأينا هوان القوات المسلحة الأمريكية وتمرغ سمعة السلاح الأمريكي في الوحل. وهنا اهتز البيت الأمريكي باهتزاز الدعامة الأساسية له، القوة العسكرية. وعلى هذا الطريق يمكن تحديد معركة الفلوجة الأولى كنقطة علام وكل ما جرى بعدها هو محاولة لاسترداد هيبة السلاح الأمريكي، لكن هناك أشياء كثيرة إن فُقدت لا تسترد أولها الكرامة.

ثم جاء كشف فضيحة أبو غريب، وما تلاها وما سبقها في معتقل غوانتنامو، وإقرار حزمة من القوانين المقيدة للحريات داخل الولايات المتحدة بحجة مكافحة الإرهاب، مثل إباحة التنصت على الأفراد والمؤسسات والاعتقال على الشبهة وبدون محاكمة، وإباحة التعذيب، وانكشاف جملة أكاذيب المحافظين الجدد حول العراق، والمجازر التي ارتكبتها القوات العسكرية في أفغانستان والعراق. كل ذلك أصاب الحلم الأمريكي في مقتل وبذلك اهتزت الدعامة الثانية في البناء الإمبراطوري الأمريكي. وهذا اهتزاز يوازي أهمية اهتزاز الدعامة العسكرية لأن الحلم الأمريكي صناعة كاملة تبدأ من هوليوود ولا تنتهي بشركات المشروبات الغازية التي تبيع بفضل جاذبية هذا الحلم بمئات المليارات مشروباً غازية يتكون من الماء والسكر ويستطيع أي أحد إنتاجه لكن منتوج هذه الشركات مغلف بالحلم الأمريكي، ناهيك أن جاذبية الحلم الأمريكي جعلت أمريكا تمتص كل عام عن طريق الهجرة أدمغة تصل تكلفتها إلى مئات المليارات تنهض بالأبحاث العلمية والصناعية في الولايات المتحدة. كما أن الحلم الأمريكي أدى إلى انهيار دول المعسكر الاشتراكي فاجتاحتها الولايات المتحدة دون أن تطلق طلقة واحدة.

وأخيراً نأتي إلى الدولار الذي يستحق أن نسهب بالحديث عن وضعه. فالدولار عملة ورقية مثله مثل كثير من الأوراق النقدية المطبوعة في فقر دول العالم وغنيّها، فهي مجرد أوراق لا قيمة لها بذاتها إنما قيمتها بما تمثله من قوة الدولة التي تطبعها، وإنتاجها الصناعي والزراعي، ومواردها المالية، وما تمتلكه في خزائنها من عملات ومعادن نفيسة. قبل العملات الورقية وعبر التاريخ تعاملت البشرية بالذهب فتبادلت البضائع إما بالذهب مباشرة أو بعملات مصكوكة منه أو من الفضة، لكن في القرن العشرين بدأ التحول نحو العملات الورقية التي بقيت مرتبطة بالذهب. وفي عام 1944 اجتمع 750 شخص يمثلون 44 دولة في منتجع بريتون وودز، حيث لم تكن الحرب العالمية الثانية قد انتهت بعد، لكن اتجاه المعركة نحو نصر الولايات المتحدة وحلفائها بات واضحاً. قرر المجتمعون جملة قرارات صاغت مستقبل العالم الاقتصادي وما زالت، وتضمنت تأسيس البنك وصندوق النقد الدوليين، كما اتفقوا على تثبيت سعر العملات مقابل الذهب مع هامش تقلب لا يتجاوز 1%، و نتج عن ذلك تحول الدولار إلى عملة تبادل عالمية مقابل تعهد الولايات المتحدة بتحويل أي كمية من الدولارات إلى ذهب بسعر 35 دولار للأونصة، وكان وضع الولايات المتحدة الاقتصادي: قاعدة صناعية ضخمة، مخزون هائل من الذهب تجاوز 20 ألف طن بما يشكل أكثر من ثلاثة أرباع ذهب العالم في ذلك الوقت. يسمح لها بالتحول إلى زعيمة العالم نقدياً واقتصادياً، لكن منذ منتصف الستينات بدأت القاعدة تختل بسبب عودة اليابان وأوربا كمنافس صناعي قوي ودء استيراد الولايات المتحدة البضائع منهما وبالتالي بدأ نزوح الذهب نحوهما، ثم أتت حرب فيتنام وما رافقها من إنفاق عسكري ضخم فانخفض مخزون الذهب إلى تسعة آلاف طن عام 1971 أي أن الولايات المتحدة خسرت خلال عقدين 55 % من مخزونها الذهبي من أجل تمويل حروبها ومستورداتها، فقرر نيكسون من جانب واحد وقف العمل باتفاقية بريتون – وودز في 15 – 8 -1971 إذ لم تعد الولايات المتحدة ملتزمة بتحويل أي كمية من الدولارات إلى ذهب، فصار الدولار بلا أي غطاء. ومنذ ذلك الوقت بدأت الولايات المتحدة طبع الدولارات بدون حسيب أو رقيب و بدأ التضخم يجتاح العالم. لكن السؤال الهام ما الذي يجبر الدول على شراء دولار لا رصيد له؟

الجواب هو النفط فالنفط مسعر بالدولار منذ عام 1945 م، فكل من يريد أن يشتري نفطاً عليه أن يمتلك دولارات لهذا تحتفظ الصين اليوم بترليوني دولار في خزائنها. لقد صار النفط منذ قرار نيكسون هو الرصيد الوحيد للدولار، وعبر طباعة الدولار المعوم بالنفط تمول الولايات المتحدة نمط حياتها الاستهلاكي، فهي تستورد و تبذخ بدولارات تطبعها ولا قيمة فعلية لها سوى أنها مطلوبة لشراء النفط، كما أنها تمول قواعدها العسكرية المنتشرة حول العالم وحروبها العدوانية من الدولار النفطي. وعندما تقرر الدول المنتجة للنفط وقف تقاضي عملة ورقية لا قيمة حقيقية لها مقابل نفطها الثمين سينهار الدولار ليتحول إلى مجرد عملة ورقية ربما لا تساوي قيمة الورق والحبر الذي طُبعت به.

وإذا جمعنا أقسام الصورة كاملة مما حدث من فقدان هيبة القوة العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان وتعرضها للهزيمة، ثم اهتزاز صورة الحلم الأمريكي رغم محاولات ترميمه عبر الإتيان بشخص أسود من أصول مهاجرة إلى البيت الأبيض. ثم اهتزاز الدولار كعملة تبادل عالمية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية وتعالي الأصوات المطالبة باعتماد عملة تبادل عالمية أخرى، ولجوء روسيا والصين إلى إجراء تبادلات حسابية بعملاتهما المحلية مع دول الجوار نجد أن هيمنة الولايات المتحدة على العالم تتداعى. وبالتحليل النهائي نستنتج أن مصير الدولار ومصير الامبرطورية الأمريكية كاملاً بات يتوقف على قرار تتخذه دول أوبك بوقف تسعير نفطها بالدولار، وكي تكتمل المفارقة نجد أن أغلبية دول أوبك التي تديم السيطرة الأمريكية هي عربية مع العلم أن أكثر من يعاني من هذه الامبرطورية الظالمة هم العرب.