العرب، وما قاله بن غوريون لناحوم غولدمان!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1922)

لا غرابة وفق المنطق السائد في مثل هذه الحقبة العربية الراهنة، أن من كانوا من العرب ينتظرون الكثير من خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جامعة القاهرة، ينتظرون اليوم، ولو القليل، من ما قد يأتي من جديد في خطاب لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المزمع إلقاءه في جامعة بارايلان في فلسطين المحتلة. وكانوا، ما بينهما، وحتى قبلهما، قد علقوا آمالاً مجنحة على خلاف يدور الحديث مطولاً عنه بين إدارتي الرجلين الحليفين قد يأتي لهم بمأمول الضغط الأمريكي الذي طال إنتظاره على الحليفة المدللة للولايات المتحدة لتخفيف شروط سلامها الإسرائيلي الذي تريد فرضه على العرب. وفي الأيام الأخيرة أجهد هؤلاء أنفسهم متفحصين وممحصين ومحللين ما بين سطور كل ما صدر أو يصدر عن الطرفين، وحتى ما لم يصدر عنهما، حول موضوعين اختصرا بتراجيدية عجائبية كل شؤون وشجون قضية العرب المركزية في فلسطين، هما شعار “حل الدولتين” العتيد، ومسألة استمرارية أو تجميد عملية تهويد ما تبقى من فلسطين المعروفة ب”الاستيطان”.

الحصاد هنا كان بخساً، ويكاد أن يكون معدوماً، بالنسبة للخلاف المرتجى بين المركز الإمبراطوري الأمريكي والثكنة الإسرائيلية المتقدمة، والأمر ذاته تقريباً هو بالنسبة لاحتمالات الضغط المنشود من قبل الأول على الأخيرة.

كان هؤلاء قد تتبعوا بعناية فائقة كل ما همس به المبعوث الأمريكي ميتشل إبان جولته الأخيرة في المنطقة باحثين جهدهم عن ثمة ما ينعش آمالهم. حتى الآن، لقد سمعوا كلاماً ينعش أوهاماً ولم يلمسوا ما يوحي بترجمته إلى سياسات، ومن شأنه أن يدغدغع أحلاماً ثبت أنها باهظة الأثمان بالنسبة لمن اعتادوا على أن يدلقوا ماء قربتهم في الرمال بإنتظار سحب الغيث الأمريكي المأمول، الذي طال بهم الوقت ممنّين النفس ببركة سرابه، وإن كان قد ثبت لهم ألف مرة وهم بروقة الخلبية.

فيما يتعلق بخطاب أوباما القاهري، نقلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن مقربي نتنياهو أن ما استنتجه منه هو “أن الرئيس الأمريكي وإدارته يسعون إلى تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي، ولذلك فإن إظهار وجود خلافات مكشوفة مع إسرائيل بإمكانه أن يخدم هذه السياسة”!

وكان ميتشل الذي سبق قدومه إلى المنطقة ما نسب إليه من قوله أن الإسرائيليين قد كذبوا طوال الوقت على ربيبتهم الولايات المتحدة، وأنه قد آن الأوان لأن يتوقفوا عن ذلك، قد سارعت سفارة بلاده في تل أبيب لنفي هذا الذي نسب إليه، وأول ما فعله فور وصوله إلى فلسطين المحتلة هو طمأنة حلفائه حول ديمومة “الحلف الوثيق”، وإلتزام بلاده بأمن إسرائيل و يهوديتها، مكرراً ما قاله رئيسه في القاهرة:

“دعوني أكون واضحاً. هذه الخلافات ليست بين خصوم… فالولايات المتحدة وإسرائيل حليفتان وثيقتان وستظلان كذلك… أريد أن أقول مجدداً وبوضوح وبكل قوة تتجاوز أي شك أن إلتزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل لا يتزحزح…”

إن مسألتي “حل الدولتين”، و”تجميد الإستيطان” وليس وقفه كما يخلط البعض، هما ما يوحي بأنهما ما قد يدور حولهما الخلاف الأمريكي الإسرائيلي المزعوم، أو هما ما تريد إدارة أوباما من حكومة نتنياهو القبول به سعياً منها، كما تقول صحيفة “يدعوت أحرونوت” الإسرائيلية، لإنجاز خطة سلام تريده الإدارة الأمريكية الجديدة قبل نهاية المدة الرئاسية لأوباما، والتي ترى القناة الإسرائيلية العاشرة بأن المطلوب أمريكياً من إسرائيل لتسهيل إنجازها هو تجميد الإستيطان ومجرد القبول بالتفاوض على أساس مبدأ حل الدولتين، مقابل ضمانات وتطبيع عربي معها.

بهذا الخصوص، المصادر الإسرائيلية تتحدث عن احتمالات قبول دولة فلسطينية وبحدود مؤقتة، وهذا أيضاً ما قاله بيريز وهو يستقبل سولانا منسق السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومنزوعة السلاح، مع بقاء الكتل الإستعمارية في الضفة المحتلة و”احتمال تبادل أراضٍ”… الأمر الذي يعيدنا إلى ما كنا قد سمعناه كثيراً على هامش المفاوضات المكتومة التي دارت تحت الطاولة بين رام الله وتل أبيب طيلة الفترة الأولمرتية.

وإجمالاً، فالمتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية أكد أن لا خلاف مع الولايات المتحدة فيما يخص “عملية السلام”، وأن المحادثات جارية بين الطرفين حول ما دعاه “النمو الطبيعي للاستيطان”، والمصادر الإسرائيلية التي ترى “أن الأمريكيين أدركوا أنهم قد ذهبوا بعيداً وأنه في نهاية المطاف فإن نتنياهو هو الشريك”، ترجح موافقة نتنياهو على ما تقدم شرط التفاهم مع المريكان على “معادلة متفق عليها بشأن البناء في المستوطنات”… المستعمرات، أو عملية التهويد الجارية لما تبقى من فلسطين حيث تقول المصادر الإسرائيلية، أن “وتيرة البناء السابقة منذ حكومة أولمرت لا تزال مستمرة”، والتي تم إبان العام الأخير من عمرها فحسب بناء 3100 وحدة استعمارية خارج منطقة القدس التي شارف تهويدها على الاكتمال، وحيث جُلب لما تم تهويده في الضفة ربع مليون مستعمر من أصل نصف مليون هم في الضفة المحتلة الآن.

إذن، ما المتوقع من خطاب نتنياهو المنتظر؟! وقبله وبعده ما المرجو من إدارة أوباما؟!

إنه من ناقل القول، أن للإدارة الأمريكية الراهنة رؤية جديدة لإدارة سياستها الإمبراطورية في المنطقة، هي قطعاً مختلفة عن رؤية سابقتها، وتقوم أصلاً على تفادي أخطاء وحماقات وفشل سالفتها، لكنها وقطعاً أيضاً لا تختلف عنها من حيث استهدافات السياسات الأمريكية التي لم تتبدل. أما الإسرائيليون، بنتنياهو وبسواه، فحل الدولتين، الذي هو من بنات أفكار شارون أصلاً، قبل أن تتبناه الإدارات الأمريكية في عهود إداراتها الأخيرة الثلاث، أيام كلينتون، ثم بوش، والآن أوباما، هو مصلحة إسرائيلية لا فلسطينية، لأنه، وحتى لو سمى الفلسطينيون دولتهم النظرية وغير القابلة للحياة الممنوحة لهم هذه إمبراطورية، ومهما كان شكلها، فهي مشروطة بقبولهم بيهودية الدولة، التي تعني القبول حكماً باسقاط حق العودة جوهر قضيتهم، ومقدمة تمهد للترانسفير لما تبقى منهم في المحتل من وطنهم في العام 1948، وضمناً تحويل قضية شعب شرّد ووطن اغتصب إلى مجرد مشاكل وخلافات بين دولتين آن أوان تصفيتها.

ينقل عن بن غوريون، أنه قال لناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي:

“لو كنت زعيماً عربياً لما عملت تسوية مع إسرائيل أبداً وهذا طبيعي، فقد أخذنا أرضهم… هناك لا سامية، النازيون، هتلر، أوشفيتز، ولكن هل هذا هو ذنبهم؟ هم يرون شيئاً واحداً، أننا جئنا إلى هنا وسرقنا بلادهم، لماذا يقبلون هذا؟”.

الأيام المقبلة سوف تحمل المزيد من تصاعد حملة العلاقات العامة الأوبامية لتحسين مظاهر القبح الأمريكي المزمن والتليد للوجه الأمريكي البشع، وستحمل بعض المستجد من التسويف الإسرائيلي المعتاد، الأمر الذي سيشكل المادة الدسمة المطلوبة لإنعاش المزيد من بعض مظاهر التهافت التسووي العربي… والاستعداد لقبول ما لا يقبله حتى بن غوريون!