النهضة المنشودة والرافعة المفقودة!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1923)

حتى الأمس القريب، حتى أواخر النصف الأول من القرن الماضي، كانت أوضاع الصينيين عموماً مثل أوضاع العرب عموماً، من حيث تكالب المستعمرين عليهم، وتمزيق بلادهم واغتصاب أجزاء منها، وفقرهم وبؤسهم وتخلّفهم، بل لعلّ أوضاعهم في بعض النواحي كانت أسوأ من أوضاع العرب، وبالتالي لم يكن سهلاً التكهّن بإمكانية خلاص الصين ونهضتها في المدى المنظور، في حين كان القادة العرب موعودين من قبل الإنكليز بدولة كبرى تنهض مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى، وتضمّ على الأقلّ بلاد الشام والعراق والحجاز!

أين العرب، وأين الصينيون اليوم!

ولكن هاهي الصين اليوم دولة رئيسية عظمى، وتحتلّ بجدارة المكانة الثانية أو الثالثة في الاقتصاد العالمي، فقد تجاوزت بسرعة منذ عام 1949 وضع المستعمرات، ثمّ علاقات طور ما قبل الاستقلال الحقيقي، ودخلت بسرعة، على مدى عشرات السنين التالية، طور النضال الداخلي الإيجابي، حيث عمليات بناء الذات، وحيث التجارب والأخطاء، ولعلّ آلام الصينيين في هذا الطور قد فاقت آلامهم في طور ما قبل الاستقلال، فالجهاد الأكبر والأصعب هو الجهاد ضدّ النفس كما تقول الحكمة العربية، لكنّهم صبروا وأخيراً ظفروا، وهاهم أعداؤهم يخطبون اليوم ودّهم، ويعترفون بحاجتهم الملحّة لدور الصينيين كي يخرج العالم أجمع من أزماته الحالية، فيتعاملون معهم تعامل الأنداد، أمّا العرب فما زالوا يراوحون في أماكنهم، أي في طور علاقات ما قبل الاستقلال، فكيف نجا الصينيون ونهضوا ونجحوا، ولماذا لم ينج العرب ويستقلّوا، وبالتالي لم ينهضوا ولم ينجحوا؟

ظروف متشابهة، ونتائج مختلفة!

أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها كانت للصينيين ثورتهم الوطنية القومية الكبرى بقيادة الدكتور صن يات صن ورفاقه وحلفائه، وكانت للعرب ثورتهم الوطنية القومية الكبرى بقيادة الشريف حسين ورفاقه وحلفائه، أي أنّ الأمّتين كانتا تقفان على أرض متشابهة في ظروف متشابهة، وتسعيان لتحقيق أهداف متشابهة، فلماذا استمرّت الثورة الصينية وتطوّرت، وحقّقت في النهاية حلم النهضة المنشودة، ولماذا انكفأت الثورة العربية وتبدّدت، وأضاعت حلم النهضة المنشودة؟ الجواب هو أنّ الرافعة التاريخية المفقودة، الضرورية لتحقيق الخلاص والنهوض، التي اكتشفها الصينيون واعتمدوا عليها كانت صحيحة وأصليّة، أمّا الرافعة التي اكتشفها العرب واعتمدوا عليها فكانت غير صحيحة ومزيّفة!

الفارق بين رافعة ورافعة!

إنّ الفارق بين الرافعة الأصلية الكفيلة بتحقيق نهوض الأمة، والرافعة المزيّفة الكفيلة بتحقيق خذلانها، هو المواد التي تتشكّل منها كلّ من الرافعتين، فمواد الأصلية هي الاعتماد على الذات، والوضوح في رؤية العالم، والإستراتيجية العلمية النضالية، البعيدة المدى والثابتة غير المرتدّة، أمّا مواد المزيّفة فهي الاعتماد على الغير مع عدم التمييز بين ما إذا كان هذا الغير عدوّاً أم صديقاً، والرؤية المحدودة الساذجة والغامضة للعالم، والإستراتيجية غير العلمية التي لا تمتلك في حدّ ذاتها القدرة على النضال المتواصل المتطوّر البعيد المدى! وهكذا، بسبب الفارق النوعي بين الرافعتين نجحت الثورة الصينية وفشلت الثورة العربية!

إنّها مجرّد الهزيمة العاشرة!

لقد استندت الثورة الصينية إلى ثوابت تاريخية لا تقبل التحوير والتزوير والنكوص، فوحدة الأرض والأمة مسألة تأبى المساومة، ولا مجال للاكتفاء بالمشرق والتّخلّي عن المغرب، ثمّ الاكتفاء بجزيء من المشرق والتّخلّي عن بقية أجزائه، كما فعل قادة الثورة أو الثورات العربية الذين دأبوا على التحوير والتزوير والنكوص! وعندما كانت تبرز في الصين الصعوبات الكأداء، وتحدث نكسة ما أو هزيمة ما، كما في العشرينيات من القرن الماضي مثلاً، كان الرئيس صن يات صن يقول ما خلاصته: “حسناً، أين المشكلة؟ إنّها مجرّد الهزيمة العاشرة”! أي أنّ ذلك لن ينال من صمود الثورة وتشبّثها بثوابتها التاريخية مهما كان عدد الهزائم السابقة ومهما تكرّرت الهزائم اللاحقة! أمّا القادة العرب فكانوا يسلّمون بنتائج كلّ نكسة أو هزيمة، ويتراجعون ويتراجعون، ويفرّطون ويفرّطون، ليس بالجزئيات الصغيرة الصغيرة بل بالأساسيات الكبيرة الكبيرة، وهاهم لا يزالون يفعلون ذلك حتى يومنا هذا!

مسيرة الصينيين، ومسيرة العرب!

وفي ما بعد في الصين، عندما اقتضت الضرورات تأكيد وحدة الأرض والأمة، وتأكيد صمود الثورة حتى النصر المؤزّر، قاد الرئيس ماو تسي تونغ المسيرة الشعبية الثورية الكبرى، التي قطعت آلاف الأميال، وجابت الصين من أقصاها إلى أقصاها، وانتهت بالانتصارات العظيمة الحاسمة، التي لم ينل من عظمتها وحسمها بقاء جزأين من الوطن الصيني والشعب الصيني تحت السيطرة الاستعمارية، لأنّ عمليّة تحريرهما واستردادهما كانت تتأكّد من خلال ترسيخ استقلال البلاد واستكمال نهوضها وبنائها وتقدّمها، ولقد كان بإمكان الثورة الصينية مواصلة خوض الحرب حتى استرداد هونغ كونغ وتايوان، لكنها اختارت مواصلة الحرب على الجبهة الداخلية وهي على يقين من أنّ ذلك سيحقّق استردادهما! أمّا قادة الثورة أو الثورات العربية فكانت لهم مسيرتهم أيضاً، حيث قطعوا بدورهم آلاف الأميال، إنّما في تنقّلاتهم بين العواصم الاستعمارية التي كانوا ينشدون الخلاص فيها ومنها، ويا للعجب! وكانوا قد اختاروا الحرب لاسترداد فلسطين وغيرها بينما هم لا يمتلكون في بلدانهم غير المستقلّة ما يمكّنهم من مجرّد الصمود والاستمرار في هكذا حرب!

اليوم، قرّر القادة العرب التنازل عن فلسطين، وعدم خوض الحرب في سبيلها بل ضدّها، لكنّهم لم يقرّروا التمسّك ببلدانهم، وتحقيق استقلالها الفعلي وليس الشكلي، وحمايتها بتوحيدها، وخوض الحرب ضدّ الذات من أجل نهوضها، كما هو متوقّع من أيّ قائد يمتلك الحدّ الأدنى من الغيرة والحسّ السليم!

ns_shamali@yahoo.com