ثلاثية العطش العراقي: الماء والخضراء والحكم الحسن

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1923)

تذكرت الفلم العراقي الضامئون ـ فلم روائي من انتاج المؤسسة العامة للسينما والمسرح ايام السبعينات يتحدث عن معناة الفلاح العراقي ومشكلة السقي للارض البعيدة عن مصادر المياه والعلاقات الانسانية في الريف ـ عندما شاهدت تلفزيونيا سامي قفطان وناهد الرماح ابطال الفلم وهما يقومان ببروفات على عمل مسرحي يتحدث عن الغربة، ثم تذكرته ثانية وانا اهم بالكتابة عن مشكلة شحة المياه في انهار العراق وجداوله، وعن ما سمعته من تقارير مقلقة من جهات مختصة وموثوقة تؤكد ان عام 2040 سيشهد حالة جفاف شبه كاملة لنهري دجلة والفرات!

ماذا يعني ذلك ؟ ماذا يعني ان يكون العراق بلا دجلة والفرات ؟ ماذا يعني ان تقطع شرايين الحياة المتدفقة عن العراق واهله ؟

ان لا تكون الكهرباء موجودة امر يمكن ان يفهم على اعتبار ان الكهرباء قضية صناعية، حيث تتوفر الماكنات والموتورات وتحضر المحروقات اللازمة ستتوفر الكهرباء وستعمل المحطة، وما عليك الا ايصالها الى المستهلكين، اما الماء الجاري فهو امر طبيعي لا دخل لاي انسان فيه وهو هكذا ربما منذ ان تشكلت تضاريس اسيا الصغرى حيث كان النهرين العظيمين يجريان بعنفوان والى حيث المصبات في الخليج مرورا بالسهل الرسوبي الذي قامت عليه اعظم حضارات العالم القديم، هل يأتي يوم وتموت فيه الانهار الخالدة كدجلة والفرات، وبفعل فاعل ولاسباب اصطناعية تعمل بالضد من مجاري الطبيعة وفطرتها ؟

يالعبث الاقدار، يالعبث بني البشر عندما يختلون فيخلون بتوازنات البيئة لخدمة اغراض لا يمكن ان تدخل الا بحسابات الربح والخسارة سياسية كانت ام مادية!

ثورة السدود التركية التي ابتدأت وبزخم هائل منذ ستينات القرن الماضي لأهداف اقتصادية وزراعية واستراتيجية وما زالت مستمرة في تعاملها مع النهرين وكأنهما نهرين غير دوليين وليسا بعابرين للحدود، وكأن لها وحدها الحق بالتصرف في كامل موجوداتهما المائية، هي تتعمد خزن المياه لجعلها سلعة مخزونة يمكن ان يتم بيعها لمن يريد من دول الجوار اوحتى اسرائيل، وقرأت مرة لأحد المسؤولين الاتراك قوله : اذا كان لديهم نفط فنحن لدينا الماء، وسننظر مسقبلا بامكانية مبادلة كل برميل نفط بمثله من الماء!

تفاقمت المشكلة فالاصرار التركي على مواصلة نهج سد الدرب على المياه الجارية في النهرين وتقطير ما يصل للجوار العراقي والسوري حفز الجوار كله لحصر ما لديه من مياه لزيادة مناسيبه عندهم هكذا فعلت سوريا بسد طبقة على نهر الفرات، وهكذا تفعل ايران ببناء سدودها على روافد دجلة المنحدرة من اراضيها كانهار سيروان والكارون والكرخة، والان يسعى جماعة اقليم كردستان ايضا لبناء سدين لحصر الماء في مناطقها ورفع منسوبه مما سيفاقم المشكلة على مناطق وسط وجنوب العراق وبشكل حاد، واذا علمنا بان اضخم السدود التركية لم ينجز بعد ـ سد اتاتورك ـ وهو بحاجة الى تخزين لاكثر من ثلاث سنين متتالية ليكمل طاقته الاستيعابية فاننا نستطيع تخيل الحالة البائسة التي ستحل على كمية المياه الجارية في دجلة والفرات وخاصة داخل الحدود العراقية!

الزراعة العراقية وخاصة في الوسط والجنوب تعتمد على نظام الري بالواسطة، اما الشمال فيعتمد على الري الديمي، واذا عرفنا ان نسب تساقط الامطار قليل ولا يفي بالاحتياجات الزراعية فان ذلك سيجعلنا نتنبأ بخراب زراعي وبيئي ـ جفاف وحرارة وقلة في نسب الرطوبة ـ اضافة الى انقراض للثروة السمكية وجفاف الاهوار الذي سيحرم العراق وجنوبه من كنز متعدد الوجوه ـ نباتي حيواني ـ ناهيك عن شحة مياه الشرب، وانقراض الغطاء النباتي المتغذي على الضفاف وعلى المياه المتسربة!

ان العراق امام مشكلة استراتيجية خطيرة لها تاثير كبير على حاضره ومستقبله وكل مساعيه التنموية مما يستدعي وقفات متخصصة بعقل استراتيجي يضع دراسات للبدائل الممكنة والتخصيصات اللازمة لها بالتوازي مع جهود مكملة تقوم بها جهات فنية وسياسية لدراسة المشكلة من كل جوانبها ومفاتحة الجهات الدولية المختصة لطلب المشورة، ومطالبة تركيا بعدم المساس بالحقوق المائية المسلم بها ثم دراسة امكانية عرض القضية امام المحاكم الدولية!

غياب الماء المتدفق يعني ضربة جدية للقطاع الزراعي المصاب اصلا باضرار كبيرة نتيجة تدهور حالة الارض ووسائل الري، مما يعني مزيدا من البوار والتصحر الزاحف حتى على اخصب مناطق الوادي!

ان العطش والانحطاط الزراعي سيجعل من اي حاكم امين في حالة طواريء دائمة لا يكف عن العمل فيها لاجل تحقيق نوعا من البدائل المناسبة والمستدامة الى جانب ما يبذله من مساعي حثيثة لمعالجة الاسباب المباشرة!

الحكم الحسن هو الذي يحسب حساب الانكسار الاقتصادي والاجتماعي القادم وتاثيره على الامن الاقتصادي والسياسي للبلاد!

تشكيل مجلس اعلى بدرجة وزير وبرئاسة رئيس الوزراء او نائبه لتولي مسؤولية الملف المائي، مكون من مختصين واكاديميين وعلماء في مجالات الزراعة والري والتخطيط والجيلوجيا وممثلين عن وزارات الري والزراعة والثروة الحيوانية والاسكان والتخطيط لدراسة البدائل المتاحة والخروج بتوصيات ملزمة وعملية، قريبة وبعيدة، ومتابعتها ومراجعتها مركزيا من قبله سيكون مدخلا ملحا لابد منه للتعامل مع مشكلة بهذا الحجم، فمشاريع تحلية المياه ـ مياه البحرـ واطلاق حملة لحفر اوسع شبكة ابار ممكنة في كل ارياف ومدن العراق بعد عملية اجرائية دقيقة لمسح شامل ولكل احتياطات المياه الجوفية المالحة والحلوة، ودراسة الجدوى الاقتصادية من ربط مشروع انابيب المياه من المداخل الحدودية للانهار وحتى مشروع الثرثار او الحبانية لخزنها واعادة توزيعها ووضع صندوق خاص في كل ميزانية سنوية عامة لتنفيذ المشاريع المعتمدة، كلها مفردات متكاملة لجدية التفكير بسد العجز المائي!

كل هذا الى جانب لجنة طواريء وزارية لمتابعة حيثيات وتبعات المشكلة المائية مع تركيا وسوريا وايران مكونة من خبراء وفنيين في القوانين المائية الدولية وفي السياسة الخارجية وتجري تقييم للحالة ونتائج اتصالاتها وبشكل متواصل!

ان شحة الماء والخضرة عندما تتلاقى مع شحة في الحكم الحسن ربما يؤدي الى ما لم يكن بالحسبان، لكن من المؤكد انها ستؤدي الى بروز نوع جديد غير مألوف من الاعراض والازمات والتي ستزيد حتما من مستويات الخردلة الجارية في العراق، حتما سينتج عنها موجات جديدة من الهجرة الداخلية والخارجية اضافة الى تدهور غير محسوب اقتصاديا وسياسيا!