تلامذة المركزية الغربية العرب وقصة اكتشاف حجر رشيد

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1927)

تقوم المركزية الغربية المؤسسة للحضارة الغربية المعاصرة على فكرة التوالد العذري، فحسب هذه النظرية إن الحضارة الغربية ولدت بجهد غربي بحت وبدون أي مساهمة شرقية وتحديداً عربية إسلامية، لذلك تلفق هذه النظرية قصة لكل اكتشاف أو لكل انجاز حضاري بحيث تعزله عن أي تأثير أو مساهمة حضارية شرقية (عربي – إسلامي، أو هندي، أو صيني) ليصبح انجازاً حضارياً غربياً تم بجهد ذاتي وبعوامل داخلية دون أي مؤثر خارجي ودون الاستفادة من أي جهد شرقي. وقد تتبع الكاتب جون هوبسون خرافات المركزية الغربية الأساسية وفندها واحدة واحدة في كتابه العظيم “الجذور الشرقية للحضارة الغربية” فبين أن لكل من الثورة الصناعية، والثورة الزراعية الخضراء، والبارود، والطباعة.. جذور شرقية.

تشكل قصة الدورة الدموية الصغرى (يخرج عبرها الدم من القلب الأيمن عبر الشرايين الرئوية إلى الرئتين حيث يطرح الكربون ويأخذ الأكسجين، ثم يعود إلى القلب الأيسر) ونسبة اكتشافها إلى الطبيب الإنكليزي وليم هارفي قصة نموذجية توضح طريقة عمل المركزية الغربية الإنكاري لأية مساهمة عربية- إسلامية في المنجز الحضاري الإنساني. فقد نسبت المركزية الغربية اكتشاف الدورة الدموية الصغرى إلى الطيب الانكليزي وليم هارفي وحددت تاريخاً لذلك عام 1616، ويضيف مؤرخو المركزية الغربية أن دراسة تشريح جسم الإنسان قد توقفت منذ عهد جالينوس اليوناني حتى وليم هارفي! لكن في ثلاثينات القرن العشرين عثر الدكتور محي الدين التطاوي على مخطوط كتاب “شرح تشريح القانون” لابن النفيس في مكتبة برلين ووجد فيه شرحاً كاملاً للدورة الدموية الصغرى منذ عام 1251 م، فتقدم بالموضوع كأطروحة دكتوراه، ووافق المستشرق الألماني مايرهوف على صحة ما جاء في المخطوط، وأبلغ ذلك للمؤرخ جورج ساتون فنشر ذلك في كتابه “مقدمة إلى تاريخ العلوم”. وبعد ذلك اتضحت السلسلة التي وصلت بها معلومات ابن النفيس إلى هارفي. ففي منتصف القرن السادس عشر الميلادي نشر الطبيب الإيطالى إلياجو ترجمة باللغة اللاتينية لأجزاء كثيرة من كتاب ابن النفيس شرح تشريح ابن سينا، وبعد ست سنوات على نشر هذه الترجمة ظهرت ثلاث مؤلفات لثلاثة من علماء الطب في جامعة بادوا تتحدث عن الدورة الدموية الصغرى، ثم جاء وليم هارفى الانجليزي في القرن السابع عشر الميلاد ليدرس في جامعة بادوا، وبعد عودته إلى انكلترا وصف الدورة الدموية الكاملة (الصغرى والكبرى) في كتابه :دراسات تشريحية تحليلية لحركة القلب والدم في الحيوان، ولم يشر هارفى في كتابه هذا بحرف إلى مصادره العربية أو الايطالية!! وعده مؤرخو الطب المكتشف حتى جاء الدكتور التطاوي وبين الحقيقة. لكن رغم ثبوت هذه المعلومة وموافقة كل المؤرخين المحترمين على ذلك ما زالت المركزية الغربية مصرة على الإنكار، وإذا أشارت إلى ابن النفيس فعلى مضض وبشكل عابر، أو تنفي اطلاع وليم هارفي على عمل ابن النفيس!

وهذه الأيام تتكرر قصة تشابه في تفاصيلها القصة السابقة، وهي قصة تخص فك رموز اللغة الهيروغليفية وقد صاغتها المركزية الغربية بحيث تنسب الفضل في ذلك إلى جهد غربي بحت وعلى يد الفرنسي شامبليون دون أي مساهمة عربية- إسلامية. وقد أعاد قبل أيام رواية قصة المركزية الغربية أحد تلاميذ هذه المدرسة المستقرين في الصحافة العربية، والذين لا يقبلون تبديلاً لمرجعيتهم. فذكر أن ” العالم المقاتل بيار – فرانسوا كزافييه بوشار” عثر قرب مدينة رشيد على ما سمي فيما بعد حجر رشيد، ثم اطلع عليه العالم الفرنسي شامبليون، وقد كُتب على الحجر نفس النص بثلاث لغات الهيروغليفية، والإغريقية، والديموتيكية، ويستفيض الكاتب بشرح تفاصيل الاكتشاف التقنية، ولا ينسى أن يشير إلى جهود من سبق شامبليون من أمثال المستشرق مارسيل الذي غمطه التاريخ حقه، فلم يشر أحد إلى جهوده الأساسية في هذا المجال. لكن هذا الكاتب الذي انتصر للمستشرق فرانسو وأشار لجهده في عملية الاكتشاف لم يجد أي داع أن يشير ولو مجرد إشارة عابرة إلى جهد عالم عربي إسلامي في هذا المجال هو ابن وحشية، فيتجاهل المعطيات الحديثة التي كشفها الدكتور عكاشة الدالي في كتابه الصادر عن منشورات جامعة كامبردج عام 2004 :

The Missing Millennium Ancient Egypt in Medieval Arabic Writings، الألفية الضائعة ” مصر القديمة في كتابات الآثاريين العرب، حيث يقول الدكتور الدالي:

” لابن وحشية كتاب عنوانه “شوق المستهام في البحث عن رموز الأحلام”، يتكلم فيه عن 90 لغة قديمة ومنها المصرية القديمة. وتكلم عن إنجاز كان معروفاً قبله وهو أن الرموز الهيروغليفية هي حروف أبجدية لها قيم صوتية. وله إنجاز آخر خطير وهو إدراكه أن بعض هذه الأشكال الهيروغليفية مخصص- Signifiers أي أن هذه الحروف تميز معنى كلمة معينة من معنى كلمة أخرى مشابهة. وهو أول عالم في التاريخ يقوم بهذا الانجاز. ويوجد في كتاب ابن وحشية لائحة بالرموز المصرية القديمة Sign List وقد قارنت شخصيا ًلائحة ابن وحشية بلائحة لعالم بريطاني يعتبر مرجعا ً في اللغة المصرية القديمة، وهو آلان غاروز، فوجدت أن ابن وحشية استطاع أن يعرف القيمة الصوتية لـ 5 أحرف من اللغة الهيروغليفية. وإذا قارناه بشامبليون نجد أن ابن وحشية تفوق عليه لأن شامبليون استطاع أن يعرف في البداية القيمة الصوتية لثلاثة أحرف فقط. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن ابن وحشية لم يكن عالما ً لغويا ً وإنما عالم كيميائياً، ومع ذلك حقق الذي حققه في القرن التاسع الميلادي. ونجد في القرن الرابع عشر العالم العراقي أيضا أبا القاسم العراقي، وله كتب كثيرة جدا ً، ومنها كتاب “الأقاليم السبعة” الذي يتناول المسلّات واللوحات المصرية. ويحتوي الكتاب على جدول يتضمن الحروف الهيروغليفية والقيمة الصوتية لها في اللغة العربية. وقد نجح أبو القاسم في تحديد القيمة الصوتية الصحيحة لستة حروف. وبالمناسبة، كان العرب يطلقون على الحرف الهيروغليفي اسم “الحرف البرباوي”، والبرباوي مشتقة من كلمة “بربا” التي تعني “المعبد” في اللغة المصرية القديمة. ذلك أن العرب شاهدوا هذه الحروف داخل المعابد المصرية القديمة. وأشير هنا إلى أن الفرنسيين حصلوا على الكثير من المخطوطات العربية قبل مجيء نابليون إلى مصر. وشامبليون نفسه تعلم العربية لأنه أدرك أنه يوجد كنوز في المصادر العربية ضرورية له. وحجر الرشيد نفسه لم ينقل وحده إلى بريطانيا وإنما نقلت معه مئات المخطوطات العربية، وهذا الموضوع لا يشار إليه البتة. وهذه المخطوطات التي صادرها البريطانيون من الفرنسيين تشكل إليوم عماد المجموعة العربية في المكتبة البريطانية”.

ويؤكد الدكتور الدالي أن المستشرق الفرنسي المشهور جوزف فون هامر نشر مخطوطة ابن وحشية الناقصة في سنة 1806، أي قبل أن ينشر شامبليون عمله المشهور بأربعة عشرة سنة في العام 1822. ولا بد أن شامبليون قد اطلع عليه.

ستستمر المركزية الغربية بإنكار أي مساهمة شرقية وخاصة عربية- إسلامية في الحضارة المعاصرة فهذا ديدنها لأنها نظرية عنصرية لا ترى إلا ذاتها ولا يمكن أن تقبل التعددية الحضارية والسياسية والثقافية، وأما تلامذتها من العرب والمسلمين فسيبقون يرددون كالببغاوات كل ما تردده دون أن يعملوا عقولهم أو يطلعوا على المعطيات الحديثة لأن هذا هو مصدر رزقهم الوحيد، وهي وظيفتهم التي يقبضون مقابلها مبالغ طائلة.