توقعات كئيبة بشأن عودة اللاجئين العراقيين*

ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1927)

عندما ترك ظافر حسين العراق العام الماضي إلى السويد، كان أمله أن يجد حياة أفضل. العصابات المسلحة والقتل الطائفي (وليد الاحتلال) حولت ضاحية الشيخ عمر في بغداد إلى مدينة أشباح. اختفت محلات تصليح المكائن الصغيرة والورش التي كانت منتشرة في الضاحية، بضمنها محل حسين.

بعد سنة من وصوله إلى استوكهلم/ السويد، تم إبلاغ محاميه بأنه (حسين ومعه زوجته وولديه المراهقين) لن يُسمح لهم أبداً الإقامة الدائمة في السويد. عليه قرر الرجوع إلى الوطن، يُضاف إلى ذلك، أنه أخذ في الاعتبار دعوة حكومة الاحتلال في بغداد بأن الأوضاع قد تحسنت وأصبحت آمنة.

عاد حسين وعائلته إلى بغداد قبل شهرين ليجد أن محله ما زال مهجوراً، والعملاء ما زالوا خائفين من القدوم إلى الشيخ عمر. أخذ يبحث عن عمل آخر لكنه لم يجده.. بلغت عائلته مرحلة اليأس، محشورون في شقة صغيرة بالطابق الثالث لبناية حكومية مهجورة.. إذا ما قررت سلطات بغداد طردهم، كما هددت فعلاً، فسينضم حسين وعائلته إلى عشرات آلاف المشردين.. وحسب قوله نادماً: “ليس لدينا شيء هنا… على الأقل، كنت استطيع أن أعمل في السويد.”

منذ الغزو/ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، هرب ما يُقدر بـ أربعة ملايين عراقي من ديارهم بسبب العنف، نصفهم إلى خارج البلاد. قبل بضعة أشهر مضتْ أخبرهم رئيس الحكومة بأن العراق صار آمناً. ليس هناك اتفاق عام على هذا الإدعاء، كما أن بعض العائلات عبّروا عن ندمهم لعودتهم.. ذلك لأنهم يواجهون إيجارات مرتفعة، فرص عمل محدودة، نقص في: الكهرباء، مياه الشرب، التعليم، والرعاية الصحية.. هذا عدا عن ذكر التهديدات المستمرة وعدم الاستقرار السياسي.

يرى رئيس الحكومة ضرورة العودة الجماعية mass returns لـ “إعادة بناء” البلاد. لكنه يواجه، حقاً، انتقادات باتهامه تسييس قضية اللاجئين بتشجيعهم على العودة بشكل مكثف لإعطاء انطباع مظهري بأن العراق أكثر أمناً، وذلك بغرض الانتخابات القادمة المحددة في نهاية العام..

“بدلاً من اصطناع أساليب لدفع الناس إلى العودة، على الحكومة أن تخلق ظروفاً تولد الرغبة الذاتية لعودتهم… صار مالكي واضحاً جداً بأنه يُريد عودة جميع اللاجئين إلى البلاد. على المرء أن يتعجب لماذا هو في هذه الحالة الشديدة من العجالة،” قالتها Kristele Younes- الهجرة الدولية- ومقرها الولايات المتحدة.

سُمّيتْ هجرة العراقيين منذ الغزو/ الاحتلال بـ أزمة إنسانية غير منظورة invisible humanitarian crisis. وفي حين أن عدم انتشار المخيمات جعل من اللاجئين محل ملاحظة أقل من قبل العالم، فإن أعدادهم تُعتبر ضخمة.. بحدود سدس الشعب العراقي هربوا من منازلهم منذ العام 2003..

ولغايته، عاد عدد قليل من اللاجئين إلى البلاد، ولكن ليس بجهود حكومية. في مناسبات عديدة، أرسل رئيس حكومة بغداد طائرته الرسمية لإعادة العائلات الراغبة في العودة. وبعد شكاوى عديدة بأن العائدين ترُكوا بدون موارد، أعلن الرسميون حديثاً بأنهم سيقومون بدفع 900 دولار نقدي في المطار لكل عائلة عائدة.

ربما تُشكل مسألة الأمن والسلامة القضية الكبرى التي تحول دون العودة الجماعية. فرغم أن العنف دون مستواه مقارنة بالعام 2007، إلا أن التفجيرات الكثيفة التي تستهدف المدنيين، هي في تصاعد منذ مارس. وعلى أساس معايير متعددة، كان الشهر الماضي هو الأكثر دموية في العراق منذ العام الماضي.

ذكرت الأمم المتحدة هذا الشهر بأن أجزاءً عديدة من البلاد لا زالت خطيرة غير آمنة لعودة اللاجئين بأعداد كبيرة، ولا يُمكن تجريد أي عراقي أكتسب حق اللجوء، ولا أن يُجبر على العودة إلى البلاد. “يستحق العراقيون العودة إلى ديارهم بأمان واحترام… إن دولاً عديدة ليست جاهزة حالياً لاستقبال اللاجئين… قامت المنظمة بتوثيق عدد هام considerable من الحالات، حيث أن العائلات المعنية عادت إلى ضواحيها، فقط، لتتركها ثانية،” حسب قول Andrew Harper- مكتب المفوضية السامية للهجرة/ الأمم المتحدة UNHCR.

“ربما أنها آمنة قليلاً، ولكن ماذا بشأن الخدمات؟ سأل مظفر محمد (35 عام)- رجل أمن سابق عاد من سوريا مع زوجته وطفله العام 2007، وأضاف ” قد تصلنا ساعات قليلة من الكهرباء يومياً.. كيف يمكن للحكومة أن تقول أن الأوضاع القائمة مقبولة؟”

خلال أسابيع من عودته، قال محمد بأنه بدأ يبحث عن طريقة أخرى لترك العراق بصفة دائمة. لم يطأ قدمه في ضاحيته منذ عودته لأنه يرى أن العودة إلى هناك لا زالت خطيرة جداً. وذكر بأنه لا يثق بالحكومة العراقية ولا بقواتها الأمنية، حيث أغلبهم من طائفة الحكم. “إنهم يحمون طائفتهم أولاً.. نفدت نقودنا في سوريا، عليه فكرت أنه من الأفضل العودة. لكني أرى الآن أن العودة كانت أسوأ من بقائي في الخارج. لا زلنا لا نملك شيئاً.”

التصاعد الصاروخي للإيجارات

الإيجارات المتصاعدة بشدة، تجعل عودة العائلات أكثر صعوبة للحصول على سكن مؤقت. العديد ممن عادوا وجدوا أن بيوتهم أما مدمّرة أو مشغولة تجاوزاً من آخرين.squatters ذكر مثنى حمودي (42 عام- صحفي قديم): لو لم تكن الإيجارات مرتفعة، لما عدنا أبداً إلى منزل عائلتي في ضاحية الدورة- بغداد، بعد ترك الضاحية العام 2006. “كانت الحالة أكثر أمناً عند عودتنا، لكننا لا نستطيع أن نتحمل بعد الآن. لم نرغب بالعودة إلى الدورة.. بصراحة لا زلنا خائفين هنا.” قبل أسبوعين وجدت عائلة عادت حديثاً إلى ضاحية حمودي قنبلة قرب عتبة الدار. انفجرت وجرحت أثنين من الأطفال.

ضمن فريق بحث، عملت Younes- الهجرة الدولية- ثلاثة أسابيع في العراق. ذكرت أن كافة القادة العراقيين ممن تمت مقابلتهم من قبل وكالتها، فإنهم جميعا تقريباً “عبّروا عن رغبة قوية جداً لغلق ملف الناس المشردين مع نهاية هذا العام، ولا يهم كيف يمكن أن يتحقق هذا الأمر!… إنهم يدفنون رؤوسهم في الرمال،” حسب قولها.

أصدرت الهجرة الدولية تقريراً بعد زيارة فريقها، تقول بأن إدارة رئيس الحكومة جعلت من عودة المشردين العراقيين قضية أساسية component، ، بدلاً من كونها حصيلة outcome لستراتيجتها الأمنية. كذلك اتهمت الوكالة المذكورة الحكومة العراقية بانتهاكها قانون الهجرة الدولية بالطلب من سوريا العام 2007 غلق حدودها بوجه العراقيين، عندما كانت جرائم القتل الطائفي متفشية ونشطة.. (وهكذا الحال أيضاً مع دول أوربية بعقد اتفاقات معها لإعادة العرقيين اللاجئين قسراً إلى العراق.. السويد والدانمارك نموذجاً).. المسألة المزعجة troublesome، بخاصة، حسب قول Younes، هي غياب أصوات مؤثرة فعالة powerful voices مؤيدة لاستخدام بدائل متعددة.

علاوة على النقل المجاني عند العودة إلى البلاد ودفع مبلغ نقدي، تُقدم الحكومة وعودها للمساعدة على إيجاد فرص عمل وطرد المتجاوزين من البيوت.. أما فيما يخص أهل الفكر والعلم من أصحاب الخبرات educated professionals، الفئة التي يتحرق العراق لعودتهم، فإن وزارة الهجرة والمشردين وعدتهم بضمانات إضافية: قطعة أرض مجانية، واختيار مجالات عمل حكومية برواتب مجزية..

على أي حال، قال العديد من العراقيين العائدين بأن الحكومة لا تتابع وعودها حالما يعود المهجرون والمشردون إلى بيوتهم. عائلات عديدة لم تتسلم، في الواقع، المساعدة التي وعدوا بها،” قالها ازهر عبدالمجيد- عضو اللجنة البرلمانية لشؤون المهجرين والمشردين.

إيمان وهيب أرملة وأم لثلاثة أطفال. عادت من محافظة صلاح الدين إلى بغداد في مايو/ أيار الماضي. قالت بأنها تحاول منذ سنة تقريباً الحصول على المبلغ المخصص لكل عائلة تعود إلى منزلها، ولكن دون جدوى.. “عدتُ إلى هنا (مركز حكومي) مرات عديدة لا استطيع عدها،” قالتها وهي واقفة في الخط/ الطابور بانتظار دورها.. “في كل مرة أحضر فيها، يقولون أنا بحاجة إلى بعض الوثائق الجديدة دون أن يخبروني بها المرة السابقة.”

محمود عثمان- عضو آخر في اللجنة البرلمانية للمشردين والمهجرين.. قال بأنه وآخرون من أعضاء البرلمان المعنيين، طالبوا الحكومة أن تُطبق أسلوباً أكثر “مسؤولية” تجاه اللاجئين، لكن طلبهم فعل القليل. وأضاف “عندما يُسافر (مالكي) إلى خارج البلاد فإنه يستمر في دعوة الناس العودة إلى ديارهم… أصبحت المسألة قضية سياسية.”

* Prospects are dismal for returning Iraqi refugees,(Corinne Reilly, McClatchy Newpapers), uruknet.info, May 23, 2009.

(Reilly reports for the Merced (Calif.) Sun-Star. McClatchy special correspondents Jenan Hussein and Sahar Issa contributed to this story.)