إدارة أوباما: “نصف حل” وعلاقته بالبعد القومي

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1928)

حين يشدد العدو/الأعداء هجومهم عليك وأنت ضعيف، فهو تنبيه إلى مكامن قوتك. هذا حال الأمة العربية اليوم، وفيه أزعم تفسيراً للسؤال الكبير: لماذا تشتد الأزمة اليوم على الأمة العربية. فالخطر على العدو الثلاثي للأمة العربية كامن في وجودها الفعلي ونهوضها المحتمل. لذا، لا بد من حرب متواصلة ضدها. هذا ما اكده مؤتمر هرتسليا لهذا العام في الكيان الصهيوني بأن: “الخطر على إسرائيل هو في الأمة العربية وليس إيران”. قد يبدو هذا الحديث مضلِّلاً لمن يتابع الهجمة الصهيونية ضد إيران؟ ولكن علينا التذكر أن القلق من الأمة العربية/القومية العربية جرى حسمه “مؤقتاً” أكثر من مرة: في عدوان 1967 لتصفية النظام الناصري، باحتلال العراق وتبديده ايدي سبا! وليس هذا الحديث بالطبع للمقارنة مع إيران، بقدر ما هو إضاءة إلى اين يكمن التناقض الحقيقي.

قد يعتقد موظفو الاستسلام أن هذا من قبيل رفع المعنويات، أو المكابرة، ولا يمكنهم أن يعتقدوا غير ذلك، ف” ذرهم في طغيانهم يعمهون”. أما دورنا فهو وجوب التنبيه والبناء رغم هول معاول الهدم. هذا قرار الوجود.

إن الفارق بين قراءة من يعتمدون التاريخ، التحليل المادي التاريخي وبتحديد أكثر الاقتصاد السياسي كمدخل لا بد أن يصلوا إلى الاقتناع أن لا شيىء باق على حاله، ولا سيما الهزائم والتخلف والقمع والسيطرة والخيانة. أما الذين يقرأون أوامر من يخضعون لهم ويُحمَوْ بهم، أو يرتزقون منهم نقودياً أو فكريا، (إلى حد كبير لا فرق)، فيجعلون من الهبوط عن الجبل في معركة أُحُدْ مسار حياتهم فينتهون مهزومين ومروجين للهزائم، وتصبح هذه حرفتهم ومصدر سُمنتهم. وهؤلاء يتكاثرون في الوطن العربي لعوامل عدة، وبتغذيات متنوعة.

لماذا تفرض أميركا نصف حل ؟

تشير الدلائل والتطورات السياسية اليوم أن الولايات المتحدة جادة في فرض (نصف حل) في فلسطين، أي كيان هجين باسم دولة وليس له وطن، نصف حل للصراع العربي الصهيوني. وقبل أن نناقش نصف الحل لا بد من النظر في هذا التعجُّل الأميركي اليوم بالذات؟ ولكن، لكي نُقيم حديثنا على مرتكزات التاريخ، لا بد من إبرازها، ليس لإقناع من حسموا كعملاء، ولكن لزيادة إيمان من حسموا كصامدين ومشتبكين، فمن سقط طوعاً، ليس لديه ولن يكون لديه اية قدرة على تجميع قطعه المفككة.

في عشرينات القرن الماضي، حينما كانت بدايات الاشتباكات بين اهل فلسطين ومقدمات المستوطنين اليهود في فلسطين، وحينما كانت الحركة الاشتراكية الديمقراطية في العالم مشغولة بالنقاش حول دولة استيطانية لليهود في فلسطين كتب كارل كاوتسكي لليهود الذين زعموا أنهم اشتراكيون، وهو شيوعي ألماني من اصل يهودي ما يلي:

احذركم، لأنكم ستنتهون بنهاية السيطرة الإنجليزية والفرنسية على هذه المنطقة، وبالتالي فوجودكم فيها قصير قصر وجود هؤلاء او محدود بوجودهم[1]“.

وبالمناسبة، ما اكثر اليهود خارج الكيان هذه الأيام الذين يزعمون أنهم اشتراكيون ليخفوا صهيونيتهم وبالتالي حبهم القلبي للكيان.

طبعاً سوف يغتبط صهيوني عربي أو فلسطيني ويقول: بديع، ماذا حصل واين وصلنا بعد قرن من حديث كاوتسكي؟ ها هم عرب وفلسطينيون يترجون الكيان الاستيطاني أن يقبل اوراق اعترافهم به فيترفع ضارباً إياهم عرض الحائط.

لا بأس، سنجيب على هؤلاء هذه المرة بحديث أحد جلاوزة التخطيط الإمبريالي ثقافياً وإيديولوجياً وهو البولندي الأصل الأميركي الجنسية والهوى زبجنيو بريجنسكي، وهو ما كتبه بعد حرب 2006، وانتصار حزب الله على جيش شعب الله!. طبعا، تعرض هذا الانتصار الحزين إلى تشكيكات وتشويهات من فيالق الإعلام الأسود الذي يغسل وجوه وأقفية الصهاينة العرب ليل نهار، أما انتصار غزة فيكاد يُحكم بالإعدام من لا يشتنمه!

كتب السيد بريجنسكي بعد انتصار حزب الله 2006:

” ان منظور المحافظين الجدد (استعمال القوة في محاولة لتغيير الأشياء من جانب واحد) والتي لاسرائيل فيها مكافئيها هي خطيرة بشكل مصيري على اميركا وفي النهاية على اسرائيل نفسها. انهما سوف تحولان الأكثرية الساحقة من سكان الشرق الأوسط ضد الولايات المتحدة. ان دروس العراق تتحدث عن نفسها. وفي نهاية المطاف، فإنه إذا ما استمرت سياسة المحافظين الجدد في التنفيذ، فإن الولايات المتحدة سوف تُطرد من المنطقة، وهذا سيكون بداية نهاية اسرائيل كذلك[2]

جميل، من أين أتينا بهذا المفكر الذكي والمجرم. فهذا ليس شيوعياً، ولا حتى إنساناً بالمعنى المألوف، هذا مرشد للامبريالية كيف تبيد امماً بكاملها دون ان تدفع اي ثمن! فهو شاء أم ابى يؤكد أطروحة كاوتسكي. فهل يفهم الصهاينة العرب؟

للأسف، نعم يفهمون ذلك جيداً، او يشرحه لهم معلميهم. ولذا، تشتد الهجمة ضد الأمة العربية التي اشرنا إلى وضعها المضطرب في بداية الحديث.

ولأن هذا الأمر مفهوم، فإن الولايات المتحدة وأدواتها مضطرون للبحث عن نصف حل، وليس حلا كاملاً. هكذا يشتغل العقل الإمبريالي لامتصاص غضب الأمم المضطهَدة دون أن يحل القضايا السياسية حيث يرحلها إلى أزمان قادمة.

لماذا نصف حل؟ وبالطبع نصف حل يربك الصهاينة العرب من

· اليمين

· اليسار

· اللبراليين

ولكن، حسنة لوجه الله سوف نشرح لهم ان نصف حل هو لمصلحتهم ايضاً.

لأنهم لا يفهمون التاريخ، نقول لهم، ايها السادة والسيدات، (لا باس أحياناً فالتأدب البرجوازي الصغير يرغمك على حديث مؤدب)، إن حلاً نهائياً للصراع ليس في صالح المركز الإمبريالي قط، وليس لصالح وجود الكيان الصهيوني، لأن الكيان الصهيوني هو قاعدة لخدمة وتوسيع مصالح الإمبريالية في الوطن العربي. فالحل يعني فقدان القاعدة او تجريدها من دورها، بينما المصالح لا تزال موجودة. فهي لم تُستنزَف بعد، أي إذا تحقق حل فمن يحمي هذه المصالح، ومن يعيق التطور العربي الذي لا بد ان ينهيها؟ لذا، لا بد من استمرار الصراع:

· لحماية المصالح

· ولتبقى الدولة الوظيفية لازمة ولها شغلاً.

إنما يمكن تغيير الوتيرة وتوجيهها أكثر هنا او هناك.

لنأخذ الحدثين التاليين كشاهدين على تحكُّم الإمبريالية وخاصة الأميركية بسلوك ومصير الدولة الاستيطانية الوظيفية:

حينما احتلت دول العدوان الثلاثي قطاع غزة وسيناء عام 1956 أمرتهم الولايات المتحدة بالخروج. وكان ذلك على الأقل لثلاثة اسباب:

· الأول، لأن الامبريالية الجديدة كانت قادرة على وراثة القدامى وبالتالي هي التي تحدد تقسيم العمل الإمبريالي.

· والثاني، لأن المد القومي العربي كان قادراً آنذاك على التصدي للإمبريالية بما يمكنه، خاصة مع التحدي السافر، من الوصول إلى وحدة عربية وهو ما يعني زوال الكيان.

· والثالث، لأن الاتحاد السوفييتي كان ما يزال قوياً وقادراً على فرض توازن بين القوى العظمى.

وكانت النتيجة أن أطاعت أطراف العدوان الأمر الأميركي. أما عدوان 1967، فكان حصوله بهدف تقويض المد القومي الذي بدأ في التداعي، وعندها كان الاحتفاظ بالمناطق المحتلة أمراًُ ممكناً، وهكذا كان.

والشاهد الثاني:
“في عام 1975 حينما بدا أن الحكومة الإسرائيلية راغبة في الذهاب الى مؤتمر السلام في جنيف، هدد الرئيس الأميركي فورد بوقف المساعدات الأميركية لها (نيو يورك تايمز 3 تموز 1975) . وقد اتضح الإصرار على إبقاء التوتر بعد أقل من سنة. فحينما وقف هنري كيسنجر ليتحدث امام المؤتمر اليهودي الأميركي في نيسان 1976، أكد بشكل فعال ان سلاما شاملا في الشرق الأوسط لا يعتمد بدرجة كبيرة على الأطراف المتحاربة، بل بالأحرى اولا على توافق ذلك مع مجالات التأثير الخاص للقوى العظمى ” ( ورد في REPORTED IN MEYER 1976:157([3])”

أما عام 1991، حيث كان النظام المصري قد انضم إلى التحالف الإمبريالي الصهيوني علانية، ناهيك عن أنظمة قطرية أخرى التي هي مكونات مالية لهذا التحالف على الأقل، وتراجع المد القومي إلى درجة مشاركة جيوش عربية في إعادة الكويت للهيمنة الأميركية، ولتدمير الجيش والبلد في العراق، ولاحقاً احتلاله طالما النظام البعثي رفض الاستسلام.

بيت القصيد هنا أن العدو يتقدم أكثر كلما كان خصمه ضعيفاً، ويعيد الحسابات كلما كان خصمه قادراً على الرد.

ولكن، لماذا يبحث العدو (الثلاثي) اليوم عن نصف حل طالما عدوه ليس قوياً؟ هل السبب لأنه هو نفسه ليس قوياً، وهل لأن عدوه بدأ بالتماسك؟

نعم، وهذا ما سنناقشه لاحقاً.


[1] انظر خالد البلسي، ندوة، الماركسية والصهيونية في أدب ونقد العدد 153، ايار 1998.

[2] http://www.huffingtonpost.com/nathhan-gardels/begininng-of-the-end-for-b-26247.html

[3] The Global Political Economy of Israel, Jonathan Nitzan and Shimshon Bichler, Pluto Press, London 2002, p. 248.