إنقلاب الأقدام السود في طهران

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1932)

إذا استعرنا مفردات الوضع الجزائري أثناء الثورة على الاستعمار الفرنسي لتوصيف الوضع في ايران فإن ما نشهده اليوم في طهران هو محاولة انقلابية ترفع اللون الأخضر، وهو لا يعني النماء والازدهار كما يتهكم الإيرانيون هذه الأيام وإنما ضوء أخضر للغرب كي يعبر إلى ايران، ويقوم بهذا الانقلاب الأقدام السوداء: من مستوطنين ومن حركيين.

طرح المحافظون الجدد أنفسهم كمشروع تغيير كوني، اختار ايديولوجية الثورة المستمرة – بحكم أصولهم التروتسكية – لكن بدل أن تكون الثورة المستمرة لصالح الإنسان صارت لصالح تغيير الأوضاع في العالم من أجل قرن أمريكي مستخدمين شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم على طريقة جورج أوريل في رواية 1984 حيث الحرية تعني العبودية، والديمقراطية تعني الاستبداد. فمشروع المحافظين الجدد هو مشروع عبودية لشعوب العالم الثالث مع توزيع قليل من المكاسب على أقل من 1% من نخبة شعوب تلك البلدان كي تضبط بلدها بالحديد والنار لصالح المركز الأمريكي الامبريالي. وخلال عقدين من العمل المستمر في أوساط النخب العالمثالثية وحتى الغربية أسس المحافظون الجدد قواعد لهم في كل دولة من دول العالم تتألف من شرائح من الطبقات البرجوازية، وخاصة شقها الكومبردوري الموجود بكثافة في العالم الثالث، وهذه الشرائح تشبه في سلوكها وطريقة عيشها وتعاملها مع أبناء جلدتها من الطبقات الأخرى سلوك المستوطنين في الجزائر وغيرها من المستعمرات. فهي تسكن في مناطق خضراء معزولة عن بقية السكان، وتعيش بطريقة لا تمت بصلة إلى جغرافيا المكان، ولا إلى تاريخه أو بيئته أو سكانه، فهم غرباء بكل شيء من طريقة التفكير وحتى الأكل والشراب واللباس والاستهلاك والعادات والتقاليد، ومن أتيح له أن يشاهد أحياء شمال طهران الغنية التي تشبه أرقى ضواحي نيويورك أو باريس ويقارنها بأحياء جنوبها البائسة التي تشبه أفقر أحياء كابول وتفتقد لكل أنواع الخدمات سيعرف أن المسافة بين سكان شمال طهران وسكان واشنطن هي أقرب منها بين سكان شمال طهران وسكان جنوبها.

يُضاف إلى هذه الطبقة الحركيون التكنوقراط من أطباء، ومن مهندسين، ومن مثقفين جل طموحهم أن يأكلوا من كعكعة الغرب ولو فتاتاً، ويُضاف لهم أيضاً شريحة حركية تم تضليلها ايديولوجياً بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي نشرها المحافظون الجدد كايديولوجيا رسمية لهم. ويستغل المستوطنون والحركيون الأزمات التي يعاني منها المجتمع، وهي أزمات ناجمة عن الحصار والتخريب الغربي المستمر بعد عقود من الاستعمار المباشر وغير المباشر، فيعدون بإيجاد حلول سريعة لها عبر تصحيح العلاقة مع الغرب وكأن بلدهم المحاصر المهدد بالاجتياح الغربي هو المعتدي على الغرب. كما يعدون بحلّ مشاكل بلدهم الاقتصادية عبر إدماجه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من أجل نشر الرخاء في ربوعه مع أن سبب الفقر والتخلف هو هذا الاندماج بالتحديد.

في عام 2003 بدا العالم بقضه وقضيضه على وشك السقوط في قبضة المحافظين الجدد ولمائة عام على الأقل فقواعدهم الاجتماعية والفكرية باتت منتشرة في كل بلد من بلدان العالم، وهي قوية متماسكة ولها مواقعها الاجتماعية المحترمة، والاقتصادية المسيطرة، والفكرية المتنفذة في الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وبين المبدعين والفنانين، وباتت على أهبة الاستعداد للاستيلاء على السلطة وبشعارات برّاقة صارت معروفة مثل: الديمقراطية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، ايران لبنان سوريا العراق أولاً….الخ. وما عزز القناعة بنجاح المشروع بعض البروفات الصغيرة الناجحة للاستيلاء على السلطة من قبل أتباع المحافظين الجدد في بعض دول أوربا الشرقية مثل جورجيا.

حدد المحافظون الجدد لحظة الاستيلاء على العراق ساعة الصفر لتدشين مشروعهم الكوني، حيث كانوا يحسبون احتلال العراق أشبه بحفل ألعاب نارية مثل الذي يقام في احتفالات إطلاق المشاريع الكبيرة. لكن مفاجأة الميدان العراق تمخضت عن مقاومة ضارية عطلت إطلاق المشروع، فأحجم أتباع المحافظين الجدد في بلدان العالم عن الانقضاض على السلطة منتظرين التريث قليلاً ريثما ينجلي غبار المعركة في العراق لا سيما وأن المحافظين الجدد لم يتوقفوا عن طمأنتهم بأن ما يجري تعثر عابر ويحثونهم على أن يكونوا بأعلى الجهوزية حين تحين ساعة الصفر الجديدة التي حددها المحافظون الجدد بالقضاء على المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان.

وبين عامي 2003 و 2008 خاض عرب المقاومة وظهيرهم الإسلامي معارك ضارية ضد مشروع المحافظين الجدد في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان وبالمحصلة النهائية استطاع المقاومون تعطيل هذا المشروع الكوني، فأصاب العطب الآلة الحربية الأمريكية، وبسرعة امتد الحريق إلى الجانب الاقتصادي فجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية لتدق آخر مسمار في نعش المحافظين الجدد، فخسروا السلطة لصالح سلطة جديدة بدأت تحاول ترميم صورة ومكانة الولايات المتحدة في العالم للخروج بالحد الأدنى من الخسائر بعد أن أصبحت الولايات المتحدة مهددة بفقدان كل شيء، وأول شرط لنجاح الترميم، الذي قد ينجح وقد لا ينجح، أن تبتعد الإدارة الجديدة عن نهج وايديولوجيا المحافظين الجدد.

هنا بدأت أزمة الأقدام السوداء من المستوطنين والحركيين وهم الذين كانوا قبل عام أو عامين موعودين بالسلطة حتى توهموها ثمرة ناضجة بين أيديهم، فإذ بكل شيء ينهار. ماذا يفعلون ؟ إن انتظروا أكثر سيخسرون كل شيء لأنهم ربطوا مصيرهم بمصير مشروع المحافظين الجدد الساقط، وهم أكثر من يدرك أن لا قيمة لهم بغياب المحافظين الجدد لأنهم لا يشكلون أكثر من 1% من المجتمعات التي يعيشون بها، وقدرتهم على حشد الدعم والتأييد داخل مجتمعاتهم بحيث يبدون أكثرية مرتبطة بوسائل الإعلام والمنابر الغربية المفتوحة لهم وحدهم. والتي تنفخ بهم ليل نهار فتتضخم حجومهم بالهواء.

لم يبق إلا المجازفة بالاستيلاء على السلطة لإيقاف عجلة التاريخ في المركز. هذا ما كانت تطمح له الأقدام السوداء الفرنسية في الجزائر بعد أن قرر ديغول التفاوض مع جبهة التحرير الجزائرية بعدما أدرك أن الجزائر القديمة: جزائر الخضوع التي يُمكن حكمها قد ماتت إلى الأبد، وحلت مكانها جزائر مقاومة. وأن لا بد من التفاوض مع جبهة التحرير لإنهاء الاستعمار وإلا غرق المركب الفرنسي كاملاً. فكان ما كان من حكاية انقلاب الأقدام السود ونهايته الفاشلة المعروفة، والذي كان من نتائجه غير المتوقعة أن سرع باستقلال لجزائر وبرحيل المستوطنين والحركيين. ولن يكون مصير انقلاب الأقدام السود في ايران أفضل، وستسرع نهاية انقلابهم في طهران بدوران عجلة التاريخ لصالح المظلومين والمحرومين، لصالح جنوب طهران والأرياف والمدن النائية، لصالح الذين لا يعرفون سوى التضحية والعمل والموت بصمت ضد أولئك الذين يملؤون العالم ضجيجاً وهم يستأثرون بكل شيء.