انسحاب أم إعادة انتشار؟

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1946)

لم تشرق شمس آخر يوم من أيام حزيران/يونيو 2009، إلا كان الإعلان عن “انسحاب” القوات الأميركية من المدن العراقية قد تم تأكيده بالكلمة والصورة، وأن تلك القوات أكملت انسحابها من 86 مقرا سلمتها كلها للقوات العراقية وتم رفع العلم العراقي عليها، إيذانا ببدء مرحلة جديدة في مسيرة “استعادة العراق لسيادته الوطنية”. وقد أقامت أمانة بغداد احتفالا جماهيريا في هذه المناسبة، وأعلنت الحكومة العراقية يوم الثلاثين من حزيران/يونيو يوم عطلة وعيدا وطنيا.

وفي الوقت الذي أكد فيه قائد القوات الأميركية، الجنرال راي أديرنو، الانسحاب من كل المدن العراقية، وكذلك جاهزية القوات العراقية لتحمل المسؤولية، قلل من أهمية الهجمات الأخيرة التي سبقت الموعد وراح ضحيتها المئات من العراقيين. من جانبه، تعهد السفير الأميركي في العراق، كريستوفر هيل، بالتزام بلاده بالتوقيتات التي وردت في الاتفاقية الأمنية التي وقعتها الحكومتان في كانون الأول/ديسمبر 2008، مؤكدا على قدرة القوات العراقية على “ملء الفراغ”، ومشيرا إلى أن المرحلة المقبلة “ستكون بالنسبة لنا مرحلة مدنية بعيدة عن القضايا العسكرية”، لكنه استدرك قائلا: “سنتدخل عند احتياج القوات العراقية لدعمنا”!

أما رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، فشدد على أن “الانسحاب يوضح أن العراق يمكنه التعامل مع الأوضاع الأمنية”، وأضاف: “نحن على أبواب مرحلة جديدة، لا أقول لاستعادة السيادة بل لتثبيت هذه السيادة”، متجاهلا أكثر من 130 ألفا من القوات الأميركية، ومثلها من المرتزقة لا تزال موجودة في العراق، على الأقل حتى العام 2011.

التوقعات الرسمية تقول إن الهجمات ستزداد في الأسابيع المقبلة من جانب الجهات “التي لا تريد الأميركيين أن يغادروا”، وهؤلاء في رأي هذه الجهات الرسمية هم “القاعدة وفلول حزب البعث السابق”، دون توضيح لماذا يريد هؤلاء بقاء القوات الأميركية في العراق، أو ما هي الفائدة العائدة عليهم من بقائها.

وكثيرون من غير العراقيين، وغير “الجهات” التي ترى الحكومة العراقية أن لها مصلحة في بقاء القوات الأميركية، يرون أن “الانسحاب سيكون بالاسم”، وهذا ما قالته بالنص مجلة (فورين بوليسي آن فوكس) الأميركية التي تعنى بالشؤون الدولية، قبل حلول موعد “الانسحاب” بأيام. وقالت المجلة أيضا إن “خمسين ألف جندي سيبقون داخل المدن، ما يدل على الاتفاقية الأمنية مليئة بالثغرات”. وترى المجلة الأميركية أن أكبر الثغرات في الاتفاقية الأمنية عدم ذكرها لمسألة “المتعاقدين العسكريين” الذين يزيد عددهم عن 132 ألف متعاقد. ولفتت المجلة النظر إلى أن أكثر من ثلاثين الف جندي أميركي لم يغادروا العراق كما كان مقررا منذ أيلول/سبتمبر الماضي، مضيفة: “بدلا من إرسال الجنود المتمركزين في المدن إلى ديارهم، بنى الأميركيون قواعد جديدة في المناطق الريفية لاحتواء الجنود الذين سيتأثرون بمهلة الثلاثين من حزيران…”. وتنبأت المجلة في نهاية مقالها ببقاء القوات الأميركية في العراق لما بعد 2011.

في الإطار نفسه، كتب الاستراتيجي الفرنسي ريشار بيلافيير (السفير-29/6/2009) حول خطة الرئيس باراك أوباما في العراق فاعتبرها مجرد “تعديلات لا تبديلات” لخطط إدارة جورج بوش، فقال: لقد بنى أوباما حملته الانتخابية “على أساس انسحاب تدريجي من العراق. ولكي لا يكون محكوما بالفشل… يتعين على هذا الانسحاب أن يكون على شكل إعادة انتشار، أي الاحتفاظ بالقواعد المحصنة، إلى أن تتم إعادة توزيع مجمل القوات في مواقع وأزمنة مختلفة”، ثم يقول: “لقد قررت (سانتكوم)، وهي القيادة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، الاحتفاظ ب 11 قاعدة عسكرية استراتيجية في العراق لتكون دعامة للوحدات الخاصة وكمكان لتقديم المشورة العسكرية”. يذكر أنه توجد الآن أكثر من خمسين قاعدة عسكرية أميركية ثابتة في العراق، يقال إنها ستتجمع في 11 قاعدة في نهاية العام 2010.

إذن، هناك إجماع على أن ما انتهى في الثلاثين من حزيران/يونيو الماضي ليس انسحابا بل هو “إعادة انتشار”، إنه تموضع جديد فرضته عوامل عدة لكنها كلها لمصلحة القوات الأميركية والاستراتيجية الأميركية في العراق، وتاليا الاستراتيجية الأميركية في المنطقة ككل. لكن الحكومة العراقية وأنصارها يقولون، عن هذه العوامل، إنها:

ـ تحسن الأوضاع الأمنية واستتباب الأمن في البلاد، نتيجة لتقدم “العملية السياسية” ونجاح “المصالحة الوطنية”، أي نتيجة لنجاح سياسات نوري المالكي على الصعد المختلفة، ما جعل في الإمكان الاعتماد على الجيش العراقي وألأجهزة الأمنية العراقية للقيام بالمهام المطلوبة.

ـ تحسن مستوى قوات الجيش والأجهزة الأمنية العراقية، على نحو يضمن لها القدرة والسيطرة على الأوضاع الأمنية.

ـ التأكيد على تحقيق السيادة الوطنية، على أساس أن ما تم هو خطوة في هذا الاتجاه، مع أن الحكومة العراقية سبق أن أكدت أن هذه السيادة متحققة منذ توقيع الاتفاقية الأمنية.

– التمهيد للانسحاب الكامل في العام 2011، حيث يراد لهذه الخطوة أن تقوم دليلا على الالتزام بالتواريخ التي نصت عليها الاتفاقية الأمنية بخصوص الانسحاب النهائي.

أما المناهضون للوجود الأميركي ولسياسة الحكومة العراقية، فيقولون إن الأسباب هي:

– عودة المقاومة العراقية إلى نشاطاتها بعد تراجع أصابها مع بداية “الصحوات”.

– التقليل من خسائر القوات الأميركية، وإظهار الصراع عراقيا- عراقيا.

– التضليل، بإعطاء شيء من المصداقية لتعهدات أوباما الانتخابية.

– توفير أعداد من الجنود الأميركيين، لإرسالهم إلى ما يعتبره أوباما ميدان معركته الحقيقية، أي إلى أفغانستان.

هو إعادة انتشار للقوات، إذن، وليس انسحابا.