الاحتلال في العراق… إنسحاب أم إعادة تموضع؟!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1947)

قبل أيام، أعلن في بغداد أن آخر يوم من الشهر المنصرم هو عطلة رسمية، وتقرر اعتبار هذا اليوم من أيام عراق ما بعد الغزو الأمريكي علامة فارقة، و”يوم سيادة وطني”. ومن اعتبروه علامة فارقة واحتفلوا به هم إنما يحتفلون للمرة الثانية ب “استرداد السيادة” المفقودة… أول مرة عندما سلمها لهم بريمر!

المناسبة هنا، هي إعادة تمركز الجيش الغازي المحتل، أو إعادة إنتشاره خارج المدن الرئيسة في البلد المحتل، وذلك يأتي تنفيذاً لمعاهدة وقعت في عهد الرئيس الغازي جورج بوش، وينفذها اليوم سلفة الملتزم بها أوباما. 130 ألفاً من جنوده ينكفئون من الميادين والأزقة والحارات والأماكن السكانية الآهلة الخطرة إلى حيث مشارف المدن المخلاة وحيث يتحصنون في قواعد ضخمة ثابتة… خرجوا من المدن وتمركزوا في الريف، ونستدرك:

أن من خرجوا من المدن العراقية المحتلة، وتحديداً العاصمة بغداد، والكبرى منها ، مثل الموصل والبصرة، هم موضوعياً لم يغادروها، وعملياً بقوا فيها، وذلك عبر ما دعي ب”مراكز تنسيق” و”عسكرية مشتركة”، ، وجيوش من المدربين والمستشارين، وما يدعى “التعاون الاستخباراتي”، بالإضافة إلى عديد مما يعرف ب “الشركات الأمنية”… وقاعدتين ضخمتين قرب مطار بغداد صنفتا بأنهما تقعان خارجها!

المحتلون المنسحبون، أو معيدو انتشارهم هذا، قالوها سلفاً، نحن جاهزون للمساعدة وللعودة عند الضرورة، ومن الآن، وزير دفاع عراق ما بعد الغزو يؤكد، أن “استدعاء القوات الأمريكية من قبل الحكومة العراقية للدخول إلى المدن العراقية مجدداً أمر وارد في حال خروج الوضع الأمني عن سيطرة القوات العراقية”!

إذن، ليس من الصعب القول أننا في واقع الحال أمام وضع هو موضوعياً احتلال لا زال لكن مموه وعبر التحكم عن بعد، أثبتت لهم وقائع الورطة العراقية أنه إنما هو أفضل وأنسب وأقل كلفة للمحتلين للعراق منذ ستة أعوام تعلموا خلالها دروساً، وأقله يحقق لهم الأهداف التالية:

تخفيف أعباء هذا الاحتلال، وتقليل للخسائر التي يتكبدها في مواجهاته مع المقاومة التي تتصيد جنوده داخل التجمعات المأهولة وشوارع المدن. واختبار للمقدرة الأمنية لمن سلموهم الحكم… وتمهيد لجولات فتن دموية طائفية قد يشعلونها عند الضرورة، وبالتالي يمكنهم التذرع بهذا المسمى انسحاباً للتنصل من مسؤولية منعها أو إيقافها أو تحميلهم وزر عواقبها.

قد يقول قائل، ولكن، إن أي انكفاء للمحتل ومهما كان حجمه هو أفضل من لا شيء ومدعاة للفرحة، هذا صحيح. وقد يقول آخر، وإن المعاهدة التي يأتي هذا “الانسحاب” تنفيذاً لبند من بنودها، سوف تستكمل وفق المقرر والمعلن، الذي تقول الإدارة الأمريكية الراهنة صباح مساء أنها ملتزمة به، وهو “الانسحاب الكامل” من العراق في عام 2011… هنا علينا التوقف أمام حقيقة و بعض المؤشرات المتعلقة بها. هذه الحقيقة تقول أن أي عاقل لا يمكنه أن يقنع نفسه قبل إقناع الآخرين بأن الأمريكان أصلاً، وبغض النظر عن إختلاف الإدارات، والأدوات، والأساليب، قد تغيروا أو تغيرت المنطلقات التي ترتكز إليها استراتيجيتهم التي جاءت بهم إلى العراق والتي تحكم وتوجه سياساتهم التي لم تتبدل في المنطقة، أو أنهم قد جاؤوا للعراق لكي يخرجوا منه دون البقاء فيه… الخروج هنا، هو بمعنى التخلي عن الاستهدافات التي جاءوا من أجلها، والبقاء بمعنى الإصرار على تحقيقها.

وكل عاقل يدرك بسهولة أن الأمريكان، وبغض النظر عن كافة تبريراتهم ودعاياتهم المرافقة واللاحقة للغزو، أو أكاذيبهم التي لم تلبث أن تبخرت، إنما جاؤوا للعراق لثلاث، أولها وضع اليد على موقعه الاستراتيجي الهام جداً الذي يمكنهم من وضع اليد على صرة هذا العالم بأسره، والتحكم في مكامن الطاقة التي تدير عجلات حياته، وثانيهما نهب ثروات هذا البلد، وثالثها حماية أمن إسرائيلهم…

هل غيرت زوبعة أوباما ثوابت بوش؟!

المختلف هنا هو الأساليب والتكتيكات فحسب، أما الأهداف فهي هي، إذ أن المتحول هو فحسب أن المؤسسة الأمريكية قد استبدلت إدارة بأخرى، وجوهر هذا هو استبدال السياسات الحمقاء الفجة والغبية للإدارة السابقة بأخرى أكثر ذكاءً ودهاءً ونعومة. هنا هو ما يعني تم تدارك الفشل والتعثر بتوخي طرق قد تكون أضمن للنجاح تلجأ إليها الإدارة الراهنة مستفيدة من أخطاء ما سبقتها. ناهيك، وكما قلنا، أن هذا الذي تم نهاية الشهر المنصرم، ما هو إلا تنفيذ لاتفاقية عقدها السابق وينفذها اللاحق لا أكثر… أولاً نسمع هذه الأيام كلاماً أمريكياً أوباماوياً، سمعناه مراراً إبان الحقبة الأمريكية البوشية؟!

هذه هي الحقيقة، أما المؤشرات فمنها:

أولاً،يتعهد أوباما اليوم بما تعهد به بوش بالأمس ويكرره، وهو أن واشنطن “سوف تبقى حليفاً قوياً لبغداد”… بمعنى عدم السماح بتبدل بغداد التي يريدونها والعراق الذي يشاءونه، وأنه يحتفظ دائماً بحق تعديل مواعيد انسحاب قوات الاحتلال من العراق، “بناءاً على تغير الأوضاع”. هذا آخر ما صرح به للأسوشيتدبرس… بمعنى أن المعاهدة برمتها خاضعة في تفسيرها وتنفيذها والالتزام بما فيها، وبغض النظر عن رأينا ورأي العراقيين فيها، ل “تغيّر الأوضاع”، أو للاحتمالات الأمريكية وحدها.

وثانياً،يذكّر وزير الحرب الأمريكي روبرت غيتس، “أننا لم نعد بعد لديارنا”، ويقول الجنرال راي أديرنو: “سنبقى هنا، نحن لن نرحل”!… وبعد يومين فحسب من احتفالية استرداد السيادة، يخف نائب الرئيس بايدن إلى بغداد “لتنسيق السياسات بشأن العراق”… ويغادرها للتو رئيس الوزراء الفرنسي وفي جيبه حصة بلاده من عقود، وهذا ما فعله البريطانيون. وهنا والشيء بالشيء يذكر، لأول مرة من سبعينات القرن الماضي يباح للشركات الأجنبية الوصول إلى ثروات العراق النفطية والغازية… وأخيراً، لا تنسوا أن أوباما هذه الأيام في هلمند الأفغانية هو أكثر صرامة وشراسة ودموية من بوش!!!

أما حقيقة الحقائق فهي أنه لم ينكفئ الأمريكان المحتلون من المدن العراقية إلا جراء ضربات المقاومة العراقية التي لم تتوقف… المقاومة الأسرع اندلاعاً عقب إحتلال عرفها التاريخ… ولن يخرجوا من العراق دون البقاء فيه إلا باستمرارها وتصاعدها وانتصارها. أوباما نفسه يقول وللأمريكان قبل سواهم: “لا يخدعنكم ما حصل. ستكون هنالك أيام صعبة”… فماذا يمكن أن يقول العرب لأنفسهم في العراق وقبله فلسطين وسواهما؟

هل هو سوى، لا تخدعوا أنفسكم ولا يخدعنكم أحد، إنه لا سيادة مع احتلال، ولا استقلال بلا مقاومة منتصرة، لا سيما في زمن عربي رديء تكاد فيه أمة بكاملها، من محيطها إلى خليجها، تفقد استقلالها!