ماذا لو كانت الحركة النسوية هنا ذات نزوع طبقي؟

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1948)

(ملاحظة: أعتذر للزميلة بادية ربيع على دخولي إقطاعيتها في صفحات كنعان)

تصفحت قبل ايام قليلة بعض الكتابات النسوية المحلية، (لا أقصد الفلسطينية، لأن الفلسطينية تشمل فلسطين الكاملة جغرافياُ وأما فكرا وثقافة فتستغرق مختلف اماكن الشتات الفلسطيني، شتات القسر وليس الاختيار). وشدَّني خلال ذلك أكثر من نقد لهنَّ ضد النسويات الغربيات اللائي اتين هنا ولا زلن كممثلات لبعثات كولونيالية في الأراضي المحتلة. هذا وإن تركز النقد على فريقين من الغربيات، الاتجاه اللبرالي والاتجاه الراديكالي، مع إصابة الاتجاه الماركسي ببعض الشظايا.

من جانبهن، فإن النسويات الغربيات في نقدهن لنسويات، بل للحركة النسوية الفلسطينية، لم يتطرقن إلى ضعف الجانب الطبقي لدى الفلسطينيات، وربما لأن هذا المستوى، مغموط اصلا لدى الغربيات المقصودات. وعليه، فإن ملاحظتي الأولى، إذا كانت درجة نسوية الفلسطينيات لا تعجب الغربيات ، فإن أمرنا معهن هو طبقي، وهو المستوى الذي لو توفر جيداً في مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية لكان الحال اليوم مختلفا. (تابعي/ع أدناه)

تفيد قراءة الأدبيات المذكورة أن النسويات الغربيات كن قلقات على مستقبل النسوية الفلسطينية من مدخل أن “الاستقلال” سيدفع هاتيك النسويات والنساء جميعاً إلى المطبخ.

أما المفارقة، فهي وصول النضال الفلسطيني إلى حالة من الاحتباس/الانسداد المرحلي. فالذي حصل هو عدم انتصار المقاومة، عدم الاستقلال. حصل هذا إلى جانب عدم انتقال الحركة النسوية الفلسطينية إلى الأفق الطبقي. وعليه، فإن الهزيمة الجارية للحركة الوطنية الفلسطينية، في هذه المرحلة، أنتجت استنتاجاً “يطمئن” النسويات الغربيات بأن الاستقلال الذي خشي على المرأة منه لم يحصل، ولكنه انتج إلى جانب ذلك ما هو أخطر حيث كانت المرأة هي المهزومة الكبرى، فلا استمرت المقاومة كما كان متوقعاً، ولا حصل اختراق طبقي يضع المرأة في مصاف مساوٍ للرجل في نضال مشترك وحقيقي، ولا نسويات الأنجزة حققن خرقاً يجعلهن “شعبيات/شعبويات” ولا نسويات المقاومة تمكننَ من شق عصا الطاعة على الذكورة الحزبية، طالما البعد الطبقي مجهولاً!

بتحديد وحصر أدق، فإن انتقال النسويات المحلية من الشعار الوطني إلى الشعار النسوي، دون التعميق الطبقي، وربما لمستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي دور في هذا، أي أن البنية المجتمعية لم توفر مناخا لنضال اجتماعي طبقي يطور نضال المرأة على أرضية ثورية، انتهى بالمرأة الفلسطينية إلى المطبخ، وربما هو حتى بعكس المطبخ الجزائري بدون مواد للطبخ!

ولكن، ماذا لو تطورت التعاونيات؟

لا يميل الحديث هنا إلى ردِّ الخلل إلى العامل الموضوعي وتصويره بأنه حالة منسدة وعمياء، وهو لا يمكن أن يكون كذلك قط. فالواقع المادي يفتح دائماً آفاقاً يمكن للعامل الذاتي التقاطها والنفاذ منها وبها إلى الأمام، وهذا هو جدل الحياة المرتقية دوماً بغض النظر عن الارتدادات في الحركة نسبياً إلى الوراء.

هناك مبادرات نسائية حصلت في بدايات الانتفاضة الأولى، كان يمكن لو تمت رعايتها وتواصلت أن تفتح للنساء مجالاً إنتاجياً طبقيا يقود إلى تحرير حيِّز مما يسعين إليه، وهي التعاونيات التي اقيمت في الانتفاضة الأولى. تعاونيات الإنتاج المنزلي. وهي مبادرات نسائية بحتة تماماً كما كانت الانتفاضة مبادرة شعبية بحتة، رغم قيام الكثير من القوى “بتزويجها” لهذا القائد أو ذاك، رافضين أنها “نفحة من روح الشعب” إذ يعزُّعليهم أن يبادر الناس.

قامت أهمية هذه التعاونيات على استخدام للمنتجات الزراعية المحلية وهذا هام للمقاطعة التي مارستها “الطبقات” الشعبية مع بدء الانتفاضة، وهو نفسه ما دفع النساء للمبادرة بهذه التعاونيات. لقد كانت مبادرة لإنتاج الحاجات الأساسية للأكثرية الشعبية واستخدام مواد خام محلية، وإقامة علاقة تكامل دور عضوي بين المرأة في المدينة والمرأة في الريف حيث كانت المعامل الصغيرة في أحياء المدن.

إضافة إلى أن هذه التعاونيات بدأت بمبادرات نسوية محلية، فهي لم تتطلب راسمالاً كثيفاً، بل كانت تحصل على المواد الخام باسعار ضئيلة، وفي الوقت نفسه كانت هذه الأسعار مثابة إنقاذ لمنتجات القرى التي ينتظرها التلف نتيجة الإغلاق (أما هذه الايام 2009، فإن كثيراً من هذه المنتجات كثير منها لم يعد يُنتج).

لقد بدا القطع مباشرة إثر انتشار الانتفاضة، ولا أنوي هنا التطرق للقطع الاحتلالي، بل اقصد القطع التمويلي الغربي وخاصة عبر النسويات الغربية اللائي جررن الناشطات الفلسطينيات بعيداً باتجاه أمور هامة، ولكن هي اقل أهمية في مجتمع تحت هذا الطراز من الاحتلال، اقصد مسائل مثل حقوق الإنسان، والديمقراطية، والحجاب، والتمكين، والعنف والتعنيف…الخ. وبهذا بدل تواصل المدخل الطبقي حصل القطع لصالح الأنجزة.

وإذا كانت النسويات الغربيات قد وفرن تمويلا للنساء اللبراليات والتقدميات المحليات (سواء في الاكاديميا أو الحركات السياسية)، ، فلم يكن للنسوة العاديات المبادرات تعاونياً يسميهن البعض “التقليديات” أي الفلاحات (وهذا طبقي) ونساء المخيمات بجانب المدن، وسيدات البيوت من الجيل المتقدم نسبياً في العمر علاقة بهذا التمويل. لذا ذهب التمويل الأجنبي بعيداً هكذا نحو منظمات الأنجزة، ومطبوعات أنيقة، وبوسترات وبرلمان صوري…الخ.

كانت لحظة القطع في عجز النسويات الحزبيات والأكاديميات عن الدخول إلى الحراك القاعدي الشعبي والانتقال به إلى تعاونيات أكثر تعقيداً! وما تم هو استسهال فتح المكاتب وإقامة مراكز ابحاث بدل مراكز إنتاج.

إن القرار السياسي لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بتسييس الانتفاضة وحصرها في السياسي للوصول إلى “دولة” إلى جانب العجز الفكري عن تحويل ونقل الانتفاضة إلى إنتفاضة تنموية وطبقية[1] هو الذي يكمن اساساً وراء إعادة النساء للمطبخ (الفارغ غالباً) وهو مطبخ ما قبل الاستقلال، ليس كالمطبخ الجزائري.

قاد تخلف الحركة الوطنية عن تطوير الانتفاضة لما هو أعلى من “انتفاضة سياسية من أجل ـ الاستقلال الذي تأكد المطلعون أن الانتفاضة على قداستها لن تنتجه”. إلى جانب التمويل الأجنبي، قاد هذا إلى توسع الغزو الجندري “الجنوسي” الغربي، قاد إلى إجهاض تحول الانتفاضة إلى تنموية وطبقية شعبية وإلى إدخال الحركة النسوية مطهر الأنجزة، وانحسر المطلب الفلسطيني إلى هستيريا الاستقلال السياسي بدون مقومات وقدرة على تحقيق ذلك، لتنتهي الحركة النسوية لا طبقية ومحط نقد وطني، ولا تنموية اي محط نقد اقتصادي انتاجي، وتساقط الصرح النضالي للمرأة في أعقاب الانتفاضة وحتى خلالها إلى الخضوع لتخلف الرجل، (مع المجاملة غير المنتصر) وفي أرقى الأحوال للحلم بالتمكين !!!

أما والأمور قد تدهورت إلى هذا الحد، فحينما حلَّت كارثة أوسلو بما تحمله من تفكيك للنضال الوطني، وفتحت المجال أكثر للإسلام المقاوم الذي يعتبره البعض كارثي، وخاصة المطبعون والنسويات المتغربنة ومن اعتقدوا سابقا أنهم ماركسيون ولم يبق عالقا منها بهم سوى مهاجمة الدين، فإنها، اي أوسلو، ايضاً، قد وسعت مجال النقد الاجتماعي الطبقي بوجود سلطة تمثل طبقة، وانتقال التمايز الطبقي في الضفة والقطاع إلى التفارق الطبقي، والذي عبر عن نفسه بالصراع السياسي (الاختلاف على الاعتراف بالكيان الصهيوني) وبالصراع الطبقي بين شرائح البرجوازية الفلسطينية بشقيها الكمبرادوري البيروقراطي برام الله، والتجاري في غزة، وكذلك بقاعدة واحدة للطرفين هي الطبقات الشعبية. ومع ذلك لم يتقدم اليسار ببرنامج طبقي المحتوى ولا النسويات فعلن ذلك بالطبع.

وهذا يفتح لنا مقاربات مقبلة في قراءة اوراق مؤتمر توحيد اليسار الذي عقد في البيرة مؤخراً.


[1] انظر مقالة عادل سمارة ، اقتصاد الآخر للانتفاضة، اقتصاد الطبقة، في كتاب الانتفاضة مبادرة شعبية، (دون دار نشر) 1990، ص ص 121-145 .