من عادل سمارة الى أحمد حسين: تطمين لا…تطامن، ولا تطبيع … وواحد ناقص الف (1)

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1951)

من عادل سمارة إلى أحمد بن الحسين، وما أحوجنا لمتنبي المرحلة. أحبك وأحترمك وتعلمت منكما. تعلمت من قوله:

يقولون من أنت في كل بلدة           وما تبتغي ما ابتغي جل ان يسما.

وتعلمت منك من قولك:

“متى كان هذا الصباح جميلاً وكنت أنا سيداً للرُعاة الذين يمدون

قطعانهم في الحكاية نحو العشاء الأخيرِ،

ومن اين جاء الرعاة الذين يعدون قطعانهم كالنقود ولا يحسنون الصلاة

لرب المراعي”

رفيقي أحمد، لم أتعلم من أبي الطيب، أن أهرب ثم يُعيدني خادمي فليس لي خدماً ولا أُريد. فقد اخترت عمري أن أظل غنياً بما أنا لا بما أحوز. تأكد يا ابا شادي انني لم ولن أتطامن. إذا قرأتني جيداً، قلت سأرد بالتقسيط لكي يبقى المطبعون مصلوبين ولا يترجلوا لأنهم ليسوا رجالاً. هذا ما كتبته. فلم يك هناك من معنىً، أن ابقى في اشتباك مع مطبع واحد لا يدافع إلا عن نياشينه، بينما أنا أحاول أن أكون بحجم وطن كي أحميه.

وشاغلتني عنه اشتباكات مع “مدبرة” التطبيع في رام الله. رام الله اليوم ليست التي تعرفها. هي عربية في الشكل، وحتى الشكل يندثر، وجوهراً متصهينة. يملؤها عسس السلطان الأميركي، وغِيْد الأنجزة، ومنها تفوح روائح جنسٍ متغربنٍ لم نعرفه قط، ويدخلها الصهيوني بيرنباوم محمولاً على أكف مؤسسات محلية كانت وطنية. وتحتفي به منظمات فلسطينية وتخفي إعلانها ذلك! كلهم رغم عديدهم لا يجرؤون على إعلان مواقفهم! لأنها تطبيعية!

كل الحركة الوطنية لم تجرؤ على اتخاذ موقف ضد مجيء هذا الذي عزف لحن الرصاص المصبوب. وهي بانتظار عادل سمارة ليذكرها بالإسم كي تطلق عليه النار ، وكم من النار سيحتمل قلبي. وأكثرية مجلس بلدية رام الله أعلنت أنها قامت بتأجير مركز رام الله الثقافي لفرقة بيرنباوم – سعيد زاعمة أن هذا عمل يدر دخلاً! ولم يعلن ايا منهم اسمه بانتظار ان أعلن اسمه أنا. ليقولوا هذا الرجل طائفي، أو كما قال ابراهيم نصر الله، “يا لبؤس تشابه الأسماء” أحياناً: عادل سمارة فاشي! لله كم أحتقر مطواعية الكلمة، فهي تقبل بأن يضاجعها المطبعون!

في رام الله يمكنك قول بيت ابي الطيِّب بالمعكوس:

تجمع فيه كل لسن وأمة           فما ُفهم الحداث إلا التراجم

نعم، في رام الله كل الأقوام، إلا نحن العرب، وفي رام الله طائفتان: الممولون والمطبعون. أو المانحون والمادحون. ونحن بانتظار أن يعالجونا يوماً بالرصاص، أو بسحر التوراة.

ولكن، “لن يمرُوا”.

مرة أخرى وأكثر، لا تقلق، فلن أتمثل عبد الرحمن الداخل بقوله:

الله يعلم كم تركت قتالهم           حتى علو فري بأشقر مزبد

فصددت عنهم والأحبة فيهم طمعا           لهم بعقاب يوم مرصدِ

لأن تطامني يعني تسليم وطن للعدو، وليس إقامة دولة الأمويين في الأندلس، فاليوم، كل وطن العرب عرضة لأندلس جديدة.

ماذا يقول العقلاء؟

ياتي استدخال الهزيمة كشرط “تاريخي مؤكد” في أعقاب انتصار القوة وتحولها إلى سيطرة ومن ثم هيمنة. أما استدخال الهزيمة فهي التفاقم الضروري لما قبلها. وحين يستشري استدخال الهزيمة يتناسل “العقلاء” من أرحام لا تُحصى، ودون جماع، لذا يأتون كالرخويات بلا أعمدة فقرية.

“وهل أنت قيِّم على القضية؟” هذه الاشتباكات لا تتناسب مع شهادتك ولا مع عمرك؟

بعض هذا النصح بسيط وطيب، لكنه على طيبته رانخ في الهزيمة. ومرتد بحامله إلى لقمة العيش، أو شره الاستهلاك غير الواعي، لتكون الحياة أكلا وشربا وبعض الطرب.

لحى الله صعلوكاً مناه وهمُّه           من العيش أن يلقى لبوساً ومطعما

وبعض هذا النصح خبيث، لأنه جبن عالِمْ، جبن استثمر المرحلة. هكذا الوغد يأتيك بالنصح وفي قلبه كره اسود لأنه نظافتك تكشف مقدار اتساخ قلبه لا ثيابه.

هذا الصنف من الناس هو المثقف الذي غادر المقاومة والثورة وانتهى متعيشاً على ابواب التسوية. كان مثقفاً “ثوريا” وانتهى عضوياً فقط، لطبقة الكمبرادور في الدولة القطرية. هو يكره ماضيه كمثقف ثوري ، ويأمل بتصفية المثقف الثوري العضوي وخاصة المشتبك. هو لا يستطيع فهم ما معنى الوعي المشتبك، فلا يكفي أن تكون ثورياً على الورق، ولا مقعد الجامعة.

هؤلاء لا يعرفون أن الوعي المشتبك لا يعترف بالعمر ولا بالكيان الصهيوني. كما يحتقر ورق الشهادة التي اساساً تم نيْلُها ربما من أوغاد الأكاديميا الذين مهمتهم في التاريخ خصي الثوريين، فطوبى لمن أنقذ نفسه.

ولأن في جامعاتنا فيالق من المخاصي الخُصاة، فقد حيل بيني وبين أن أعمل محاضراً في اية جامعة. فعوضتها بما يسعني فيه جهدي للنقاش البرِّيْ المكتوم. وكان جميلاً دوماً.

يقول كثيرون، عن اية ثورة تتحدث! أذكر عام 2003، قبل المذبحة العربية الأميركية في بغداد ولبغداد، كان قد منَّ عليَّ الاحتلال بإذن خروج، وكنت في كندا. تعرف أنت كندا بالطبع. هذه الدولة هي “مؤخرة” أميركا. هل سمعت عن حيوان مؤخرته بقدره أو أكثر قليلاً، هي أميركا. سألني هناك أحد الحضور: ” علام تبني كل هذا التفاؤل؟

قلت على ثلاثية من نار خالدة، لا تغادرني حتى أُغادر، هي، العمل والحب والثورة. لا ينتهي العمل لأنه جوهر الإنسان، وكلما ارتقى وعي أكثر أُغلق ثقب الاغتراب عن عمله، والحب، لأنه باتساع الكون وامتداده، هو المدى اللانهائي، هو الأم الأرض والأم الأنثى، بل كل النساء ومن جانبهن كل الرجال. والثورة تتويج العمل والحب، فليس من الثلاثة ما هو فردي أو ذاتي، هي معاً جدل البقاء والمقاومة. هذه جميعاً تحمي فيك جذوة المقاومة، وحيث تقاوم فأنت على طريق الانتصار، وهذا أكثر لذة من الانتصار نفسه، لأن الانتصار حين يحصل يصبح بعدها طقساً. لا يتوقف العمل، ولا يذوي الحب، ولا تُهزم الثورة.

أفهمك جيداً وأعرف ما معنى وعدد من استدخلوا الهزيمة! وأعرف كيف بوسع العدو الثلاثي (الغرب والكيان والدولة القطرية) أن يحول الكثيرين إلى عوام وسوقة وأفواه آكلة تأكل بأعينها. أعرف وأرى كم تحول من الجيل الجديد إلى كيانات جنسية تمشى على الأرصفة عُراة ولو بلباس. وأعرف إن شئت أكثر! أعرف كم الذين حين دخلت الاشتباك الأول لاموني، ولم يجرؤوا على قول كلمة، لم يتصلوا هاتفياً، لم يكتبوا سطراً مع انهم ليسوا مستهدفين قط! لكني أعرف أن هذا دورنا، فمقارعة الزمن واوغاده لا تعرف الاستقالة ولا التقاعد. لا يمكنك يا ابن الحسين أن تقول: السنوات الثلاثين الماضية كانت للوطن، والسنوات المقبلة للعمالة والخيانة. يجب أن لا يناموا وهم يضجون من تواصل أنفاسك.

مرة أخرى، لم اجد أن ابراهيم نصر الله يستحق أكثر، حتى لو كابر واستكبر وملأ الكون شعراً، ليس كشعرك الجميل العالي قط. كنت يا سيدي في جبهة القلب المتوجع، في رام الله. هل تعلم أن كولونيالي اشقر من أحفاد روزا لكسمبورغ أتى هنا للإنفاق على توحيد اليسار (تابع نشرة كنعان). وقف الأشقر بوجهه الأحمر وشعره شبه المحنَّى في مدينة البيرة . وشتم كل الحضور من اليسار، نعتهم بالفساد والضعف والتموُّل، وحين أنهى صفقوا له. كان مؤتمراً لكل اليسار، ناقص واحد هو أنا، وواحد ناقص ألفاً!

وكان من بين الحضور اليساري المشتوم أحد اعضاء مجلس بلدية رام الله، الذي قاد حملة تنظيف أو “شطف” الصهيوني برينباوم. لقد غسله بالماء والبَرَدْ. لم يغضب هذا الرجل غضبة مضرية حين شُتم اليسار، إلا أنا! ولكن حينما قدمت للبلدية نفسها نصيحة أن لا تستقبل بيرنباوم في قصرها الثقافي ثار الرجل ومن معه، ونعتوني بالطائفي؟ على الرحب والسعة، وهناك ستكون مرافعتي عن وطني لا عن نفسي،

إن يفعلا فلقد تركت اباهما                جزر السباع وكا نسرٍ قشعمِ

لم أتطامن، وإلى الحلقة الأخرى.