في التطبيع ومناهضته: إلى أحمد حسين، للمرة الاخيرة ـ كي لا تُحال رام الله إلى كازينو للتطبيع (3)

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1955)

لو كنت اصدقك القول، هذه الليلة لم أنم! يشاغلني هذا الأمر، وهو جَلَل على اية حال. كل ما يحيط يتحدى، بالقوة أو بالضعف، بالبطولة، بالاستشهاد أو بالخيانة، بالتمسك والتماسك أو بالتفريط. ليس لك أن تنام في هذا التلاطم، وإذا سهوت لحظة سوف تلطم وجهك ندماً.

من هنا دعني أدخل إلى الموضوع المحرم، إلى الأمر الذي يجب أن لا يُقال، ولا يُفهم. ما لا يجب أن يتعلمه الناس، وهو وعيهم لحاضرهم، وإن سمح لهم بالنظر في ماضيهم فيجب أن يكون تحسراً على أندلس عديدة، كل أنواع الأندلس التي لا تُعاد.

ليس استيطانا واحداً

رفيقي أحمد حسين،

هل تذكر لقاءنا الأخير في رام الله قبل قرابة عقد. هل تذكر المكان الذي جلسنا فيه وتحدثنا لساعات في السياسة والاقتصاد والقومية والتبادل اللامتتكافىء، وفي كل ما نعرف؟ ما زلت أذكر قولتك اللئيمة حين عرَّجنا في الحديث على المرأة أيضاً، وعن الذين يعمون عن أمومتها وقدراتها وقوتها وكفائتها وكل مواطن جمالها، ويقدسون أقبح ما فيها!

بين تلك الجلسة واليوم، أشعر اليوم بالغربة حين أدخل ذلك المكان، فهو يعجُّ بالمستوطنين، ألمان (ربما الذي قتل مروة الشربيني كان (أُنجوزاً صغيراً هنا) على إسبان على أميركيين على إنجليز إلى ما هنالك ممن يرطنون لغات لاتينية بعقل صهيوني. اصبح الوطن مستوطنة مفتوحة للأنجزة. والويل لمن ينقد دورهم ووجودهم. فهم الذين يطعمون ويرزقون جمهور التطبيع المحلي في القصر الثقافي برام الله. وهم الذين يذهبون إلى القرى المحلية يركبون حميراً محلية تمشي على اثنتين ليحفروا بئر ماء لهذا أو ذاك. كان الكنعاني الأول قد حفر أفضل منها وقصرها بالشيد وخزَّن فيها الزيت، ولم يتلف (بالعامية مش مشحِّطْ). لم يعد الفلاح الآن قادراً على سقيا نفسه! من بين خدم الأنجزة هذه صار لدينا وزراء! حتى رئيس الوزراء هنا، يصرح في أميركا بأنه يقبل المستوطنين كمواطنين. هل تعلم لماذا، لأن علينا أن نرحل نحن من هنا. هذا المستوطن لن يقبل العيش إلى جانبنا في وطننا. حتى حطابين وسقائين لم يعد يقبل بنا هنا. هل هذا في برنامج هذه الوزارة! ومن خولها ذلك؟ تصور لو قرر رئيس الوزراء إعطائهم منزلك، هل كنت ستقبل.

في هذا المقهى، أنت غريب الوجه واليد واللسان، فهي أعراق وقحة وممولة بالطبع، لذا لا تمر عليهم الفصول الأربعة، يتغلبون على الشتاء بتدفئة الأرصفة لو مشوا عليها، وعلى الهاجرة بتبريد درجة نضالنا، وكل هذا ضمن رواتب خيالية تسجل مساعدات لشعب الفلسطيني، هم بأقل ملابس ممكنة حتى ليخيل لي كأنهم لفقرهم يعجزون عن كسوة أنفسهم! . . . آه ما أوقح هذه الأعراق، نمردة بالفطرة إلى أن ترفع له الحذاء. أصبح ذلك المكان مثل رام الله نفسها مستنقع تطبيع. ويوماً بعد يوم، أجدني محاصراً في منزلي. منذ لقاءنا ذاك، وأنا يمنعني الاحتلال كغيري ممن ليسوا تجاراً ولا V.I.P (تصور تحت الاحتلال توجد شخصيات مهمة جداً وتصدق نفسها وتمتطي سيارات جديدة وتبرطم كي تكون لها هيبة) يمنعني/نا من الوصول إليك. أحب المجيىء فربما أجد في بلدتك (مصمص) أو في أم الفحم مقهى عربياً. لا إله إلا الله!. وأنت يمنعك الاحتلال من دخول دولة أل V.I.P المستقلة جداً. كيف تمنع دولة أُناساً من دخول دولة مستقلة ذات سيادة أخرى؟ هذا يحتاج لعقل تطبيعي حتى يشرحه لتفكيرنا المتخشب. ففي هذا العصر، يمكن لنصف الرجل أن يكون بطلاً، ويمكن لزير نساء أن يكون قديساً، ولمن يقرأ سطراً أن يكون عبقرياً، وللسارق أن يصبح مخططا اقتصادياً، ولهذه الأسباب ربما لم يمس أحد أولئك اللصوص الذين سرقوا الأموال الوسخة التي ارسلها المانحون الذين في ظهورهم تجربة لصوصية تاريخية. لا يمسهم أحد فربما كانت في هذا أو ذاك عبقرية الخلاص، من يدري!

ذات مرة اقترحت على “وزير” مالية الحكم الذاتي، في ندوة في غرفة تجارةرام الله، أن يأخذ من الفاسدين اللصوص زكاة ما سرقوا ليقيم صندوقا للتنمية! ضحك الجمهور وسكت الوزير، (طمعاً لي بعقاب يومٍ مرصدِ-عبد الرحمن الداخل).

أما عن الاستيطان الصهيوني، فلا يعرف أحدنا أكثر من الآخر، فهو يسكننا ويمتطينا، وعلى تخلُّفنا ورغمه، تمكننا من إدراكه ولمسه. نعم، خليل التفكجي هو اعرفنا بالاستيطان، وهو يحمل هذا الهم كما تحمل أنت هموم الشعر، وكما أحاول حمل هموم الطبقات.

أما الآن، فلنذهب إلى الجد! إنما بعكس ما كتب أبو تمام الذي قال:

السيف أصددق إنباءً من الكتبِ في حده الحد بين الجدِّ واللَعِبِ

اليوم، صار التطبيع طبيعياً، تصور كيف يتقارب الجرس الموسيقي ويتفارق المحمول والمعنى، الست انت القائل: صار الحب دمشقياً؟

قطع التطور

أ خطر ما فعله ويفعله الاستعمار الراسمالي الغربي هو قطع تطور المستعمرات، لتمر بمختلف مراحل التطور التاريخي التي كتبها ستالين ورفضها غير ستالين وأضافوا عليها. وقطع التطور أخطر من الاستعمار نفسه، لأنه يعيد صياغة مجتمعات على شاكلة من التشويه بحيث لا تحيا ولا تموت. تتشبه به، ويطلب منها ذلك، ويمنع ذلك عنها. مجتمعات في غرف التحقيق. هل تعرف ما اقصد؟ في مخابرات الدول القطرية العربية المتقدمة يقيدون المناضلين، الذين حاولوا الارتفاع بالمجتمعات إلى حالات حقيقية، ويضعون ذبابة بلا أجنحة على راس قضيب المعتقل، فتأخذه حركتها باتجاه جنسي، وحين تقاربه اللذة يرفعونها. وتقول لي هؤلاء بهائم! ها هم يُشغَّلون فرويد عندهم بالمجان، وبدون حقوق قتل اللذة حتى في أقبية قتل الأمة. هل عرفت إذن لماذا أكره الدولة القطرية، وأكتب بوجوب تفكيك مفاصلها؟ لأن جلاوزتها يصلون إلى هذا الحد في تفهم قطع تطور المجتمع العربي.

يعني قطع التطور أن المجتمع الفلسطيني جرى تدمير مبناه الجغرافي والديمغرافي والطبقي والإنتاجي والثقافي وما زال هذا متواصلاً. وهذا يتجاوز تحليل إيلان بابيه بأن ما حصل لنا كان تطهيراً عرقياً. فالتطهير العرقي يحصل في فترة معينة محددة في الغالب، أما هنا فهو ممتد حتى قرن آخر. والتطهير العرقي يتقصد جزءاً من بلد، أما هنا فيقصدون الوطن العربي بأجمعه، وحتى لو اختلفنا في التوصيف، فهؤلاء لا يريدوننا هنوداً حمراً، أي بقايا، فبقايا الهنود في وطنهم. أما هؤلاء إن لم يقتلونا، يريدون طردنا بابعد من سنوات ضوئية.

هذا القطع المتواصل، جعل منا قِطَعاً لا تتواصل، حتى بمفهوم الحد الدنى من تواصل المجتمعات التي تهيمن عليها أنماط الإنتاج الراسمالي. وهذا ما جعل التكوين الطبقي مفككاً، ولا أقول التركيب الطبقي. لذا، نعيش نحن الذين نكتب في الطبقات حالة ارتباك في التحليل.

منذ عام المذبحة الأولى 1948، كان التشرد للَّذي لجأ والذي بقي. فمن لجأ تفكك بالطبع وبالضرورة، ومن بقي في فلسطين الأم أُخضع لتجارب الصهيوني سواء كان عسكريا او أنثروبولوجيا أو مستحدثا راسمالياً، فظل حالة من التراكم البشري دون معالم طبقية. أما محاولات تكوين معالم سياسية (وطنية/قومية /عربية) كحركة الأرض، فأنت تعرف ما جرى لها. ومع ذلك تبخل بكتابة مفصلة عنها!

ومن صار إلى الضفة الغربية إلى جانب سكانها، تعرض لقوة طرد هائلة إلى الخارج، إلى الخليج (يا هذا الخليج المتآكل بالحتِّ-عبد اللطيف عقل). أو إلى الأمريكيتين ليعيش في أرض ذُبح اهلها كما ذُبحت أهله. ولم يختلف حال بقية من لجأ.

الشيء اللافت، أن القطع وتاثيره ممثلا في الشتات لم يسمح بإعادة تواصل مجتمعي وبالتالي إعادة التكوين. لقد حيل دون إعادة بناء الشخصية الوطنية فما بالك بالمجتمعية. مثلا حتى لبنان مختلف وضعه. ناهيك بالطبع أن نضال اللبنانيين، ورائه (فيتنام أخرى إيران وسوريا).

وهو الأمر الذي التفت إليه الاحتلال في مرحلته الثانية، فقرر تفكيك المفكك، اي الضفة والقطاع، لذا قرر وزير الحرب الصهيوني ديان تشغيل عمالنا لديهم كي لا يشتغلوا في مواقع إنتاجية ولا يقيموا بنى تحتية هنا، فيكون الاغتراب بأبعاد عدة.

لم يبق أمام الفلسطيني سوى التمسك بالمشترك المتخيل القومي/السياسي. وهذا ما ولد المقاومة بتنوعها منذ 1948 وصولاً إلى وليد المأزق، اقصد منظمة التحرير الفلسطينية (المنظمة). هذا الوليد اليتيم. وهنا كانت إشكاليتها القاتلة:

فهي من ناحية، زعمت أو أُنيط بها عبء تحرير فلسطين.

ومن جهة ثانية، ولدت في لحظة دخلت أمها (الحركة القومية العربية) في “كوما” لم تفق منها بعد.

ليس سراً ان اقول لك، أنني منذ 1967، مثل غيري الذين شاركوا في المقاومة، كنت مقتنعاً تماماً أن هذه المقاومة لا يمكنها تحرير فلسطين، وأن خير ما تفعل هو أنها تقاوم إلى أن يتغير العمق العربي، واستمرارها سوف يساهم فعلا في تغيره. كان بوسع اي قياس عقلي أن يصل إلى هذا الاستنتاج البسيط: أنت تقاتل المركز الراسمالي العالمي بعسكريته وثقافته واقتصاده، ولست تقاتل الكيان وحده. ومتى تقاتل، في لحظة هزيمة الحركة القومية العربية، وبدء خروج الأنظمة القطرية من الحرب الشكلية التي اضطرت للدخول فيها ضد الكيان. وأنت تقاتل بحركة قطرية، وأقل قليلاً، زعمت أنها وحدها التي بوسعها تحرير فلسطين. وكلنا يعرف أن شعار الندب والنواح “يا وِحِدْنا” لا يعني سوى مساومة العدو، ولذا، كان أوسلو.

لا أزعم أن وصول هذا التحليل كان ضرباً من العبقرية، فالمخيال الشعبي الذي تحدثت عنه سابقاً، وصل إلى نفس النتيجة، ولكن من مدخل الاستسلام، أو دراسة الجدوى بمعناها المصلحي الفردي أو الاقتصادي وليس الاجتماعي التاريخي. هذا سبب أنني لم استرح. وما زلت أتصدى للتطبيع. فالتاريخ ليس مجموع أعمار الأفراد، نحن نمضي أو يُمضى بنا، ويستمر التاريخ، ليشهد غيرنا ارتفاع التراكم الكمي إلى تغير كيفي. كم نحب أن يكون ذلك في زمننا. ولكن!

المنظمة…حالة تتويج القزم

ما أن سقطت الضفة والقطاع والجولان وسيناء حتى أُخذت الأمة العربية بدهشة الهزيمة القطرية الرسمية، وتهاوى الجنرالات ونياشينهم ليتحولوا (هذا إن لم يكونوا اصلا) فيما بعد إلى فاشيست غير معلن. لكن دهشة أخرى طرأت سريعاً وبنفس القُصوية هي دهشة بدء المقاومة بإطلاق النار، فأخذت الجبهات القطرية الرسمية تتلوى وتعوي صَغَاراً. أما الأخطر في كل هذا، فكان ما طرأ على الحركات السياسية العربية التي بدل أن تشكل حاضنة ومعلماً لهذه المقاومة، قزَّمت واختزلت نفسها في خدمتها، معتقدة أن قيادة هذه المقاومة وإمكاناتها تاريخية القدرة وبالتالي قدر أمة! وعليه قُلب الهرم باكراً. ولأن الأنظمة القطرية هُزمت، صار الإيمان ببندقية المقاومة إيماناً بالمهدي المنتظر، على اعتبار انه أتى! وبالتالي لم تتشكل حتى جبهة شعبية اجتماعية ثقافية عربية لدعم المقاومة، بل أخذت كثيراً من الحركات السياسية العربية تتوكأ على هذا المولود الصغير الذي لم يكن من الصعب معرفة حدوده مسبقاً وسلفاً.

لكن أهل المقاومة كانوا يعرفون حجمهم ومداهم، ولكي يبرروا لاحقاً انتقالهم إلى معسكر التسوية، بمعنى أن “الكهنة” منهم كانوا يعلمون حدود هذه المقاومة، وكانوا يرفضون “لأسباب ومصالح قطرية” أن يُعيدوا المقاومة إلى الحضن العربي لتكون إحدى مكوناته لا قيادته. لذا، بالغوا ونفخوا دورهم بما أدى إلى اختصار واختزال المقاومة العربية فيهم، مما جعل تنازلاتهم وتفريطاتهم تترجم إلى “ليس في الإمكان ابدع مما كان” لقد ساهموا في التصحر النضالي على صعيد الوطن العربي بأسره. ولا شك أن الدولة القطرية كانت لها الباع الطولى. ودون أن أطيل عليك، وأنت تعلم، انتهت غابة البنادق في بيروت إلى غابة الفساد في أوسلو. وها نحن نقارع التطبيع الذي لم يترك بيتاً إلا ويحاول اقتحامه بالنمل والقمل والكلاب البوليسية.

وماذا على الصعيد الفلسطيني الداخلي هنا؟

بينما عمل الاحتلال على تقويض البنية الإنتاجية الهشة والمتخلفة اصلاً لا سيما عبر التشغيل في قطاعاته الاقتصادية وبالتالي ربط كل”طبقة” اجتماعية أو شريحة باقتصاده على حدة، فإن المقاومة من الخارج عملت على عسكرة المنظمة وأتباعها في الخارج والداخل. ولم تتبع اية سياسة تنموية ولا اقتصادية في الأرض المحتلة بل عملت على شراء الناس. وهذا الشراء بالتحديد كان الفرش الطبيعي للقبول برشاوى وفساد الأنجزة. فالتعود من قبل العمال لدى الاحتلال على الاستهلاك الأعمى، والتعود على القبض من المنظمة، كان سيقود لا محالة إلى قبول القبض من اي كان، وهذا ما كان. هي إذن عسكرة المقاومة في الخارج، وشراء بالرشاوى في الداخل. وقد ترافق مع هذا شراء المثقفين الذين تحولوا إلى مثقفي سلطان، وما أخطر سلطان المال. وبالمال تحديداً صاغ الراحل محمود درويش عبارته الشمولية الخطرة، ولا أخطر: “من يخرج على الشرعية يخرج على الإنسانية”. وبهذا فعل في المقاومة كما فعل ابن تيمية في سد باب الاجتهاد. فما أن دخلت الشرعية أوسلو حتى كانت الكارثة التي لم تلق من يرفضها سوى قلة صمدت على الجبل. هذا يا سيدي يا أحمد بن الحسين مشروع تخريب الحكاية الشعبية.

خلق مناخ المال السياسي هذا نمط حياة استهلاكية تتشبه بالاستهلاك الغربي وتحديداً الأميركي وبالطبع الصهيوني الذي هو في بطن فلسطين نفسها. وليس هناك أفضل للعدو من تعويد ضحاياه على الاستهلاك وليس الإنتاج. ولم يجد البلد أحدا من المثقفين ليقول بأن الغرب الاستهلاكي هو اساساً إنتاجي. وهو يستهلك ما ينتج حتى لو استهلاكاً ترفياً وشرهاً، وما ينفقه على الاستهلاك هو من فائض تحصل في المجتمع، دون أن نذكر الفوائض التي تتبرع بها القطريات العربية، فوائض النفط عرفاناً للذي غاص في بطن الأرض وأخرج “زمزم” نفطاً هذه المرة.

هذا التعود على الاستهلاك هو الذي حصر المقاومة قبل الانتفاضة في نضال النخبة، واعاق تحولها إلى نضال الجماهير. ونضال النخبة هذا تم تشويهه في الحكاية الشعبية بشكل مقصود، فعُرض المقاتل والاستشهادي كما لو كان فاسداً كالكثير من القيادات، وهو نفسه، إن شئت الذي يسمح اليوم للمطبعين بجهالة بأن يقولوا، “ما هذه الأفكار…هذه مثل نضال الستينات”.

وكانت الانتفاضة، وكانت الرجعة إلى الروح ثانية، كانت المقاطعة وكانت محاولات الانتاج المنزلي واستغلال الأرض. ولكن القيادة السياسية نفسها في الخارج كبحت الانتفاضة لتكون مجرد انتفاضة سياسية حلماً بتحقيق دولة، فجاء الوليد إجهاضاً هو اتفاق أوسلو. واصر أهل الوليد على الزعم أنه وُلد حياً، مع أنه كان ميتاً كجنين.

وعاد المال السياسي ليكمل جريمته فتدفق من كل حدب وصوب. واكتشف اهل الحكاية الشعبية أن لا حاجة للعمل ولا للنضال طالما بوسعنا أن نأكل ونشرب مجاناً.

دعني اخفف الموجة قليلاً لأذكر لك حادثة.

كان ح.ا معلم مدرسة أحب فتاة في رام الله جارة له (هذا في فترة الأردن ووحدة الضفتين). كان هو قروياً مثلي لا يعرف البسكويت والحليب المحلى المتخشر في علب مغلقة. وذات يوم عرَّفته على ذلك، فقال لنفسه:

ـ يخرب بيتك (شو اللي أعماك عن هذا)

اشترى علب بسكويت وعلب حليب وأخذ يأكل الوجبات الثلاث علَّه يصبح ناعما “وحداثيا” طبعا هذا قبل ان نسمع هنا بالحداثة. وبعد بضعة ايام لم يعد يقوى على الوقوف. أخذناه إلى طبيب، زنديق. وحين عرف الحكاية قال له: “انت معتاد على الكردوش، إرجع له ولن تحتاج لعلاج”.

وهذا ما حصل لنا. ما أن جيء بسلطة أوسلو هنا حتى تدفقت مليارات المانحين (ليس لوجه الله بالطبع) حتى فتح باب التوظيف السياسي فاستوعبت السلطة ما يقارب مئتي ألف شخص، اي ما يزيد على عدد الذين كانوا يعملون في اقتصاد الكيان. كانوا يعملون عملا مأجوراً، أما في حالة السلطة فوجدنا عشرات الالاف ينامون في البيوت وينطلقون في نهاية الشهر لقبض الراتب. فهل هناك افضل من هكذا حياة. صدقني ولا “اوناسيس وجاكلين كنيدي_أوناسيس لاحقاً”.

لذلك يا رفيقي، وجدت منظمات الأنجزة فيالق جاهزة للعمل معها والقبض منها. أما هؤلاء فاسميتهم شريحة العائدات غير المنظورة. هؤلاء مقدمة التطبيع.

قشرة لا نخبة

لن أطيل عليك، فليس هذا مجال التحليل الاجتماعي الطبقي الشامل، لكن هذه القشرة لها اليوم دورها التخريبي والخياني، نعم الخياني حتى لو استفز أعضاؤها.

قشرة وليست نخبة. فالنخبة اقرب في تكوينها إلى الطبقة التي لها دور إنتاجي أو دور في الإنتاج، حتى نخبة المستحدثين توظف وتستثمر وتستغل العمال فيكون إنتاجاً. أما هذه القشرة في بلادنا فهي طفيلية. وليس هذا وحسب هي إما مأجورة وطنياً لدى الأنجزة، أو مؤسسات دولية أخرى، أو أكاديميا خبرت كتابة التقارير أكثر من تعليم الفتيان، او كمبرادور، وبالتالي لا دور إنتاجي لها ولا دور وطني.

هذه يا رفيقي قشرة التطبيع السياسي والفني والغنائي والمغنواتي والتطريبي.

هذه القشرة لا علاقة لها، لا ارتباط، لا تمفصل بينها وبين الواقع الوطني والقومي وبالطبع الأممي. هذه قشرة معومة معولمة، تعيش هنا جسدياًً وتلهث كي تقبل هناك ثقافياً.

تكون النخبة جزءاً علويا بالطبع من أية طبقة. ففي المجتمعات الطبيعية الترسمل، كما في أميركا مثلاً، هناك خمس نخب تحكم أميركا وتنهب العالم:

النخبة السياسية في الإدارة

النخبة الممولنة

النخبة الاقتصادية للاقتصاد الإنتاجي الكلاسيكي والاقتصاد الجديد

النخبة العسكرية

والنخبة الثقافية

لكل من هذه النخب دور في العملية الإنتاجية أو تسهيل هذه العملية ناهيك عن الذبح والنهب بالطبع. هذه النخب بالمفهوم “الوطني/القومي” لأميركا نخباً وطنية. هي نخب تقوم بأدوارها بشكل متمفصل مع علاقتها بالإنتاج، بنمط الإنتاج المهيمن وبتمفصله مع الأنماط الأخرى التابعة له.

أما في بلادنا، فالقشرة المقصودة متخارجة، وحتى متخارجة مع الاحتلال. فهي نخب متشارك اكثرها في مشاريع تطبيعية مع نظيراتها لدى الاحتلال، سواء في الفن او ما يسمى الديمقراطية وحقوق الإنسان والنسوية…الخ.

مأخوذة بالسيولة المالية لديها، فإن هذه القشرة ترى قيمتها الاجتماعية في أكياس المال! وليس في الارتقاء الفكري أو النضالي. لذا، ولكي تجعل لنفسها مكانة في المجتمع، تصر على علو مكانها ولا تستطيع الإدراك أن علو المكان أمر اقل بما لا يُقاس من علو المكانة!

هذه القشرة تكره المناضلين والاستشهاديين لأنهم انتزعوا منها المكانة. لذلك تحاول بالمال والأكاديميا والاستهلاك الترفي، والتزيِّي بالغرب أن تحقق لنفسها مكانة ما.

هذه هي جمهور التطبيع في بلادنا. جمهور عاصمته رام الله، يتجمع فيها ليفرغها من روحها الفلسطينية الأصيلة ليملأها بالمباني الإسمتتية والسيارات الفارهة، وأماكن استقبال المطبعين فلسطينيين وعرباً وعجماً. رام الله اليوم كازينو.

هذه القشرة هي التي تتزين لاستقبال الصهيوني بريبناوم كي يعزف في رام الله لحن الانتصار على أهل غزة المتوحشين.

دخلت ذات مرة مبنى ضخما في جنوب افريقيا 1995، يمثل متحفاً لانتصار البيض على أهل البلاد، رأيت هناك فنا متوحشاً أدركت بأنه صنو فن الصهيونية هنا. رايت عبارة تقول بما معناه: “ابانا الذي في السماوات، لك الشكر بتمكيننا من الانتصار على هؤءلا المتوحشين البدائيين”، نفس الحديث يمكنك أن تجده في عيد الشكر في اكبر مستوطنة بيضاء، الولايات المتحدة.

بين الفن والطرب والحياة الروحية بتنوعها كحقوق آدمية لا طبقية، وبين الفن على دماء الوطن، فارق باتساع المسافة بين البراءة والجريمة.

هذا الاشتباك يا رفيقي، والذي لم ينته بعد، هو ما شاغلني فبدوت كما لو كنت تطامنت.

هذا هو جمهور برينباوم، جمهور يهرب من حياة البيت البرجوازي المملة، حيث لا حميمية هناك، فلا بد من الخروج لرمي القرف الداخلي على الوطن، وإذا كان ثمن ذلك بعض المال فلا باس، فالمال اصلا بلا عرق.

بقي أن اقول لك لماذا يجب أن اشتبك مع التطبيع. حينما كتبنا ووزعنا بين العشرين قبل عشر سنوات. كنت بعدها بيومين أعمل في مزرعتي التي انتهت، كنت اصب بعض الاسمنت. جاء يزن وقال لي اتصلت السلطة يقولون إن وفداً اقتصاديا اجنبياً هنا ويريون اللقاء بك. تعجبت، فليس لي بالسلطة علاقة قط.عدت إلى البيت، واستحممت ولبست بدلة ورباط عنق أحمر قصد النكد للطرفين. وبينما انا أخرج من باب البيت دق الهاتف فإذا أخي كريم يقول لقد اعتقل عبد الساتر قاسم. عرفت حينها أن المسألة ليست اقتصاداً، عدت ولبست جينز وجاكيت جلد وتناولت كتاباً دون ان أنظر إلى عنوانه. وبمحض الصدفة كان الكتاب هو للمناضل الأبيض هاوراد زِن:

You can’t be Neutral in a Moving train

لا يمكنك أن تكون محايداً في قطار متحرك. هل عرفت لماذا اشتبك!