مستعمر ومخبر وابن بلد

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1955)

ثلاثة أحداث مرت خلال الأسابيع الماضية يمكن جمعها تحت عنوان هذا المقال ومحورها الحجاب ووضع المرأة في المجتمعات الإسلامية.

المستعمر هو نيقولا ساركوزي الذي شن هجوماً عنيفاً على نقاب المرأة المسلمة في خطاب تاريخي أمام غرفتي البرلمان الفرنسي، ومخاطبة الرئيس لغرفتي البرلمان لم يحدث منذ القرن التاسع عشر. قال ساركوزي إن النقاب “ليس رمزا دينيا وإنما رمز استعباد للمرأة، وأريد أن أؤكد علنا أن البرقع غير مرحب به في أراضي الجمهورية الفرنسية. وأضاف الرئيس الفرنسي: “لا يمكن أن نقبل في بلادنا نساء سجينات خلف سياج ومعزولات عن أي حياة اجتماعية ومحرومات من الكرامة. هذه ليست الرؤية التي تتبناها الجمهورية الفرنسية بالنسبة لكرامة المرأة”.

و لم يذكر ساركوزي في خطابه آلية تطبيق رفضه للنقاب في شوارع باريس، هل سيجعل رجال الشرطة يجبرون النسوة على خلع النقاب كما فعل أحدهم ذات يوم في شوارع عاصمة عربية؟ أم سيطرد النساء المنقبات خارج فرنسا؟ أم أن هناك حل ثالث؟ وهكذا فتح ساركوزي باب الاجتهاد في هذا المجال وهذا ما فعله متطرف ألماني بعد أيام.

وعلى الفور تحرك المثقف المخبر- الستارة- كما يسميه فرانسوا بورغا متضامناً مع ساركوزي. والمثقف- الستارة حسب بورغا هو مجرد ستارة أو قناع يتكلم الغربي من خلاله، ورأسماله الفكري الوحيد أنه مسلم و بهذا يمتلك شرعية ابن البلد مانحاً الغربي فرصة القول “انظروا هذا واحد منكم يتحدث بلغتكم ويدين بدينكم ، ويوافق على آرائنا”. ويُسمع المثقف- الستارة الأذن الغربية ما تريد سماعه عن الشيطان الإسلامي وعن إدانة الإرهاب والتطرف الإسلاميين.

تشكل المقالة التي نشرتها القدس العربي ( 9-7 ) للكاتب الفرنسي- المغربي الأصل الطاهر بن جلون مثالاً مدرسياً على النصوص التي ينتجها المثقف المخبر- الستارة ليشنف آذان الغربيين بما يحبون سماعه. فالمقال المعنون (طالبان الجنس والأفيون) يستند إلى فرويدية مبتذلة. فرويدية لو قرأها فرويد نفسه لهتف “بهذا المعنى أنا لست فرويدياً”. فالروائي اللامع يربط التطرف والإرهاب بالكبت الجنسي والخوف من جسد المرأة وبالتالي الخوف من الفشل الجنسي، فلا الظروف الاقتصادية- الاجتماعية، ولا الاحتلال، ولا الاستغلال، ولا انتهاك الثقافة القومية هي الأشياء التي تُنتج التطرف، فقط الخوف من الفشل الجنسي ومن جسد المرأة هما من يفعلان، ويُنصب المثقف المخبر- الستارة نفسه محاميا عن النساء المسلمات فيهاجم القانون الذي أصدره حميد كرزاي حول حقوق النساء الشيعيات في أفغانستان معتبراً أن ذلك محاولة من كرزاي للتمسح بطالبان محملاً طالبان مسؤولية ذلك القانون حتى توهمت أن كرزاي هو قائد عسكري أو سياسي في تلك الحركة، لأن الكاتب لا يشير أبداً إلى أن كرزاي هو دمية صنعت في أمريكا وتحركها خيوط أمريكية. دمية لا تستطيع البقاء على المسرح لثانية واحدة إذا ما قطعت خيوطها الأمريكية.

إذا تجاوزنا هذا الهراء والتحليلات السخيفة عن اللذة الجنسية والفرق بين العاهرة وغيرها بهذا الأمر ووصلنا إلى لب الموضوع الذي يختصره الروائي الكبير بقوله:

“ولسوء الحظ، فإنني متشائم؛ لأن الجيوش الغربية لن تتمكن من استئصال خطر الطالبان. ذلك أن السياق الجغرافي عر والوسائل غير متكافئة والشعب مفتقر إلى اليقين فيما يهم اختياراته. ووحدهم الأفغان أنفسهم من يستطيعون القضاء على الطالبان. لكن ما دامت هذه الحرب موصولة بتجارة الأفيون وما دام المال السهل ممكنا، فإن الصراع سوف يكون قاسيا ومفتقرا إلى الوضوح.

في فيلم ‘حرب الأفيون’ للمخرج الأفغاني صديق برمك، نشاهد صفا من النساء يرتدين البرقع ويمشين في الأفق باتجاه حقل للأفيون. وعندما يصل هذا الصف إلى الحقل يعمد الأشخاص إلى نزع البرقع لنكتشف أن الأمر لا يتعلق بغير مجموعة مسلحة من مقاتلي الطالبان جاءت لاستلام نصيبها من مبيعات هذا المخدر. وينبغي للقرويين أن يدفعوا الثمن كي يتجنبوا الموت قتلا. تلخص هذه الصورة الوضعية برمتها؛ إذ تتمحور الحرب في أفغانستان حول الأفيون والمرأة. وينبغي تأسيسا على ذلك مراقبة الاثنين، وإلا شكل ذلك نذيرا بنهاية المأساة التي استهلت بوحشية ترتكب باسم إسلام بريء منها ومن ممارساتها”.

الجيوش الغربية حسب هذا الروائي جاءت من أجل نشر الحداثة فمهمة الرجل الأبيض الأبدية هي تحضير المتوحشين بواسطة قصفهم. قيل لشيخ قبيلة جزائري إن الجيوش الفرنسية قد جاءت لنشر الحضارة، فهز رأسه وتساءل: لم إذاً يحملون كل هذا البارود معهم! وتمكين المرأة عبر قتل الأخ والأب والابن وابن العم بواسطة القصف الجوي السجادي، وبصواريخ كروز وتوماهوك مهمة أخرى للجيوش الغربية، وبهذا تصبح المرأة سيدة مصيرها بدون ذكر يتحكم بحياتها. وكذلك فالجيوش الغربية جاءت للقضاء على زراعة الأفيون- حتى تصدق هذا الروائي يجب أن تنسى أن زراعة الأفيون كادت تختفي تحت حكم طالبان قبل أن تعاود نشاطها بفضل غزو الجيوش الغربية المنتجة للحداثة.

وبنقلة ديماغوجية يُحسد الروائي الكبير عليها نجده يربط طالبان والبرقع مع زراعة المخدرات وأظن هذا ابتكاراً من الروائي يحق له أن يفخر به. من الآن فصاعداً فإن ساركوزي مستشهداً بابن جلون، يستطيع القول إن مكافحة المخدرات تتطلب محاربة النقاب والمنقبات.

وهنا نصل إلى ابن البلد المستعمر (بالفتح) الذي يدفع ثمن ديماغوجية ساركوزي الذي عجز عن مكافحة البطالة وأزمات النظام الرأسمالي المتهالك، فقرر مكافحة النقاب والمنقبات. وأيضاً ثمن خيانة المثقف-الستارة الذي يمنح كلام ساركوزي شرعية.

إن ابن البلد السمتعمر (بالفتح) وخاصة إن كان سيدة محجبة، هو من سيدفع ثمن تحالف ساركوزي مع الطاهر بن جلون إذ سيأتي متطرف كالمتطرف الألماني سمع كلام ساركوزي عن عدم ترحيب شوارع الجمهورية بالمنقبات فاجتهد لتطبيق عدم الترحيب مستعيناً بالعنف اللفظي أولاً، وبعد أن فشل لجأ إلى الخيار الأخير الذي تُشتم رائحته من خطاب ساركوزي، فأقدم على قتل الطبيبة المصرية مروة الشربيني لأنها محجبة وبهذا منعها إلى الأبد من السير في شوارع الجمهورية.