الإسراع في ‘تعريب التطبيع’ ضرورة استراتيجية لضرب إيران

محمد عبدالحكم دياب

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1959)

طبول الحرب تقرع فتصم آذان منطقة كتب عليها أن تكون مسرحا للإبادة الدورية المنظمة حتى آخر رجل فيها. ومسرح الضربة القادم هو إيران، ودليلنا على استمرار هذه المنطقة مسرحا للإبادة هو أن طبول الحرب تقرع والعالم يمر بظروف غير مواتية، لا تسمح له يتحمل أعباء ضحايا جدد، ومع ذلك أصبحت الحرب أهم استثمار غربي في المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط، العمل يجري على قدم وساق لفتح جبهة تضاف إلى جبهات أخرى ما زالت مفتوحة. وإذا كانت الحجة التي سيقت مع غير الإيرانيين هي التطرف ووجود علاقة بتنظيم القاعدة، فإن مبرر ضرب إيران هو لمنعها من إمكانية امتلاك سلاح نووي، فما هو حلال لغيرها محرم عليها. ووجد أعداء إيران في نتائج إنتخابات الرئاسة وما أحاطها من التباسات فرصة مواتية للنفخ في كير الحرب، وبين يوم وليلة تولى الخطاب السياسي والإعلامي الغربي تقسيم المنتمين إلى مؤسسة الحكم في طهران إلى محافظين وإصلاحيين، وإلى خيرين وأشرار. وكانوا جميعا حتى أمس ضمن محور الشر. وهذا التغير من مستلزمات الحرب النفسية المُمَهِّدة للحروب وإسقاط النظم المعادية للغرب بالاقتتال الداخلي أو بالقوة المسلحة. واستهدفت الحرب النفسية في البداية تقويض النظام الإيراني من الداخل وفتح ثغرة في جداره المستعصي على الاختراق. وذلك على عادة الدول ‘الديمقراطية’ في اختلاق الذرائع لتبرير التدخل في شؤون الغير، والتمكن من التقاط من يصلحون للعب دور حصان طروادة لفتح قلاع الأمم الحصينة أمام الغزاة والأْعداء.

وحين ادعى أوباما في موسكو مؤخرا أن الولايات المتحدة لم تعط إسرائيل ضوءا أخضر لمهاجمة إيران. أردف بعدم ممانعته قائلا ان ‘ واشنطن لا يمكنها أن تملي على الدول الأخرى مصالحها الأمنية ‘. وكان نائبه جوزيف بايدن قد سبقه في مقابلة تلفزيونية يوم الأحد الماضي مانحا الدولة الصهيونية الحق السيادي في تقرير ما في مصلحتها من حيث التعامل مع طموحات إيران النووية، ومعطيها بذلك الضوء الأخضر للهجوم على إيران. ومن ثم لم يصمد نفي الرئيس الأمريكي أمام قوله بأن بايدن ذكر حقيقة بديهية هي لا يمكننا أن نملي على الدول الأخرى ما هي مصالحها الأمنية، طالبا من تل أبيب العمل على معالجة الموقف في إطار دولي للحد من اتساع الصراع في الشرق الأوسط، وظهر الرئيس ونائبه وجهين لعملة واحدة، يكمل كل منهما الآخر. ولم تنعدم المخاوف من ضرب إيران، وجاء تصريح رئيس الأركان الأمريكي مايك مولن أمام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي من أن الخيار العسكري في التعامل مع إيران ما زال مطروحا لكنه حذر من إجراءات قد تتخذها إيران تهدد استقرار الشرق الأوسط والمصالح الأمريكية فيه. وهذا رفع من وتيرة الضغوط والإغراءات الأمريكية من أجل الإسراع في تعريب التطبيع، والتلويح بعودة الجولان ثمنا لابتعاد سورية عن إيران، ومقابل تطبيع كامل ونزع سلاح الهضبة السورية المحتلة، وتأمين الدولة الصهيونية من كافة الجهات إلى أن تأتي مرحلة نزع سلاح العرب كاملا. وقتها يتلاشى الأمل في وجود العرب كأمة، أو بقاء أقطارهم كدول. ومجرد إلقاء نظرة على فلسطين والصومال والعراق كاف للتدليل على ذلك.

ما يعنينا هنا هو موقف النظام العربي الرسمي من ضرب إيران. هل يبقى الرديف المعتاد للمجهود العسكري والعملياتي (اللوجستي) الصهيوني، المكلف بمهمة توجيه الضربة هذه المرة، استمرارا لدوره وما قام به في دعم عمليات الغزو والحصار التي تولتها الإدارة الأمريكية مع حلفائها ضد دول المنطقة العربية والعالم الإسلامي؟ ومن الواضح أن التعامل الأمريكي مع الدولة الصهيونية هذه المرة قد اختلف، ففي العمليات العسكرية السابقة حرصت الإدارة الأمريكية على إبعادها عن ميدان القتال. وحتى حين وصلتها الصواريخ العراقية أثناء حرب الخليج الثانية، تحلت تل أبيب بـ’ضبط النفس’ على غير المعتاد، استجابة لطلب واشنطن خوفا من زعزعة التحالف الذي تكفل بإخراج الجيش العراقي من الكويت، وخشية رد فعل الشارع العربي الإسلامي، ومثل هذا لم يعد موجودا، بتأثير الخلل في ميزان القوى الذي يميل لصالح محور الاعتدال المتماهي في المشروع الصهيوني وغير الممانع من العمل تحت قيادة تل أبيب.

ومع ذلك هناك معضلة بُعد الموقع المتوقع أن توجه منه الضربة. فغزو العراق كان من أقرب نقطة إليه. وتحولت الكويت إلى قاعدة تجمعت فيها قوات الغزو، مما سهل الوصول إلى بغداد في أسابيع قليلة، وأصبح البحث عن حل لهذه المعضلة ضروريا، فموقع الدولة الصهيونية بعيد عن الأهداف المختارة. ومخاطر طول المسافة قد تتجاوز مشاكل الإمداد والتموين وتوفر الزمن الكافي لاستيعاب الضربة الأولى وإجهاض الحرب. وعليه فإن القوات الصهيونية في حاجة للانطلاق من أقرب نقطة ممكنة لتكون الضربة موجعة. والإسراع في ‘تعريب التطبيع’ كفيل بوضع القوات الجوية والبحرية الصهيونية بالقرب من الأهداف الإيرانية. وهذا محور النشاط المحموم للمبعوثين الصهاينة والأمريكيين.. إلى شرم الشيخ، والقاهرة، وجدة، والرياض، وعمان، ورام الله، وبغداد، وبيروت، ودمشق. ولكي يكون الطيران الصهيوني حرا طرح أوباما ما يسمى بالحل الشامل للصراع العربي الصهيوني، ويبدأ بفتح السماوات العربية لطيران الدولة الصهيونية فورا. وإن بدا المطلب مدنيا إلا أنه في حقيقته تغطية على تحليق سلاح الجو الصهيوني في الأجواء العربية، وهذه خطوة حيوية للتغلب على بعد المسافة، ولا يعني هذا الاستغناء عن استخدام القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية، إنما لتبدو الضربة صهيونية خالصة لتجنب رد فعل إيراني محتمل ضد القواعد الغربية وضد الدول التي تستضيفها.

من ناحية حرية المرور في المياه الإقليمية العربية بدأ الاختبار بمرور الغواصة النووية الصهيونية دولفين عبر قناة السويس، ورافقتها مجموعة سفن حربية صهيونية، شقت طريقها الى ايلات في شمال البحر الأحمر وعادت الى قاعدتها في حيفا على البحر المتوسط. في رسالة واضحة تقول بقدرة السلاح البحري الصهيوني على التحرك الحر في البحر الأحمر وشرق المتوسط. ومن المعروف أن الموافقة على مرور غواصة نووية أجنبية عبر المياه الإقليمية المصرية من سلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وهو منصب يشغله حسني مبارك، وبذلك يتحمل تاريخيا مسؤولية قرار يرقى إلى مستوى الجريمة الوطنية، يخضعه للمساءلة والحساب بعد عزله من منصبه. وذكرت مصادر مطلعة أن ابنه كان صاحب القرار الحقيقي في عبور الغواصة، الذي خرج في النهاية بتوقيع الأب بما لا يعفيه من المسؤولية. وهذه التسهيلات جعلت وصول الغواصات والبوارج الحربية الصهيونية إلى بحر العرب ومضيق هرمز ممكنا وميسرا بعد أن كان صعبا.

هناك أطراف أخرى من الضروري أن يشملها ‘تعريب التطبيع’. إنهم حلفاء إيران. على مستوى الدول هناك سورية، وعلى مستوى المقاومة هناك حماس وحزب الله، وهما شوكتان في رأس ومؤخرة تل أبيب، ومن الضروري التعامل معهما قبل الإقدام على هذه الضربة، وقد قطعت الاتصالات شوطا كبيرا نحو جذب سورية إلى محور ‘الاعتدال’.

اعتمادا على المال السعودي لإنجاز مهمة الغواية المعتادة.. نجح في لبنان وحسم الانتخابات اللبنانية لصالح قوى السعودة والأمركة والصهينة. وقطع الطريق على فوز المعارضة وحزب الله، الذي كان قد لاح في الأفق. وغاب من يوازن المال السعودي، في ظروف ‘حياد’ سوري بدا ملفتا للنظر. وكما أثرت السعودية على نتائج الانتخابات اللبنانية وعلى المقاومة وحزب الله استمرت الضغوط الحكومية المصرية على حماس وبقي الحصار على غزة لتقبل المقاومة بشروط المصالحة والإعمار، وأهمها شروط الرباعية الدولية، التخلي عن المقاومة، والاعتراف بالدولة الصهيونية، والقبول بالاتفاقات التي وقعتها الدولة الصهيونية مع سلطة رام الله، وإجراء انتخابات جديدة. وبالمجهود البوليسي ضمنت السلطات المصرية تأمين الخطوط الخلفية للدولة الصهيونية من أي ضربة مفاجئة من المقاومة الفلسطينية إذا ما ضربت إيران. وإذا ما تم تحييد سورية وعجز حزب الله عن تنفيذ ما هو متوقع منه إذا ما ضربت إيران، مع استمرار السلطات المصرية قابضة على خناق غزة وأهلها يأتي التأييد الأمريكي ليزيد من احتمال وقوعها.

وكشف سعد محيو في صحيفة الخليج (عدد 6/7/2009) عن الانقلابات الجارية في لبنان وعزاها إلى التباين بين دمشق وطهران، بعد حصول سورية على ما أسماه محيو ‘ أوراق اعتماد ‘ جديدة في العراق توازن النفوذ الإيراني وتكافئها على دعم الخطط الأمنية العراقية الأمريكية. وفي هذا اعتراف أمريكي بدور إقليمي سوري في المشرق العربي. لم يغفل التغيّـرات التي طرأت على مواقف حركة حماس حيال الحوار مع فتح، وتجاوبها مع المبادرات المصرية الموافق عليها من إدارة أوباما. وتمت بتأثير النفوذ السوري عليها. هذا التطور لم يرح إيران، وقد كانت تنظر إلى حماس بنفس مستوى نظرتها إلى حزب الله، وينسب محيو إلى مصادر مطّـلعة في واشنطن قولها أن إدارة أوباما اتّـخذت قراراً استراتيجياً بجذب سورية إلى المِـحور العربي (السعودي – الأمريكي)، بعيداً عن المحور الإيراني. وتقديم ما يغري بتسوية مشكلة الجولان، وترسيم الحدود النهائية فيه من جانب الأمم المتحدة برعاية أمريكية، فتنسحب الدولة الصهيونية من الجولان، ليعود إلى السيادة السورية، ويكون مثل سيناء منزوع السلاح، ويؤجر جزء منه للدولة الصهيونية لمدة محددة، مع تحول جزء آخر إلى محمية طبيعية أو حديقة دولية. بجانب ترتيبات خاصة بحصص المياه للطرفين. وينسب إلى تلك المصادر أن الولايات المتحدة تعهدت بعدم البدء في هذه الخطّـة إلا بعد وقف دعم دمشق لكل من حزب الله وحماس. وخطوات السير على هذا الطريق قطعت شوطا كبيرا، ونتج عنها ذلك التحسّـن الكبير في العلاقات السعودية السورية. لذا فإن الوضع الإقليمي يعيش انقلابات حقيقية، هدفها التأثير على حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والقبول بـ’العملية السياسية’ الجارية بمعرفة البيت الأبيض. وقد سمحت الانقلابات الجارية في الموازين الإقليمية بدعوة الرئيس الأمريكي لزيارة دمشق. وجهها بشار الأسد خلال حديثه إلى شبكة سكاي نيوز، يوم الجمعة 3 تموز/ يوليو الجاري، قائلا ان الزيارة تتعلق بالحوار، والحوار يتعلق بوجود أرضية مشتركة ورؤى مشتركة. عندها تعد خطة، وبعدها تتخذ خطوة. ومن جانبنا نقول هذا هو التطبيع منذ أن بدأ. ينطلق وينتهى بالحروب الدورية وعمليات التطهير العرقي المنظمة لسكان المنطقة. في محاولة مستمرة للقضاء عليها، فهل هذا ممكن؟

::::

كاتب من مصر يقيم في لندن