افغانستان وامبراطورية المخدرات العالمية لاميركا

جورج حداد*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1961)

في التطورات الدرامية على الساحة العراقية، برز بوضوح الاهتمام الاميركي الزائد بافغانستان، وكان من الملفت جدا ان يتم سحب قوات اميركية من العراق لتعزيز الوجود العسكري الاميركي في افغانستان.

وخلال الزيارة “التاريخية” التي قام بها باراك اوباما الى موسكو في 6 ـ 8 من الشهر الجاري، اعطي الملف الافغاني اهتماما اميركيا اكبر من اي ملف آخر.

والسؤال الذي ينبغي الاجابة عليه: لماذا كل هذا الاهتمام الاميركي بافغانستان، التي اعتبرها اوباما ذاته انها “الجبهة المركزية” للحرب الاميركية على الارهاب (!!!)؟

لا شك انه من الصعب الاجابة بشكل واف على هذا السؤال، الا انه يمكن مقاربة الجواب في النقاط التالية:

ـ1ـ تبين مجريات الامور، ومنها للمثال المباحثات الاميركية ـ الطالبانية المباشرة، ان اسطوانة “مكافحة الارهاب” الاميركية ليست سوى اسطوانة مشروخة سواء بطبعتها البوشية “الفجة” او بطبعتها الاوبامية “الناعمة”.

ـ2ـ ان افغانستان هي بلد “داخلي” (اي ليس له مطل على البحار المفتوحة)، وهي في الوقت ذاته بلد فقير جدا ولا يمتلك ثروات طبيعية مكتشفة وموضوعة قيد الاستثمار كالنفط والغاز في الشرق الاوسط. ولذلك يجب البحث عن “سر” اهتمام “الجنتلمان” باراك اوباما بهذا البلد الوعر والفقير، خارج دائرة المصالح المباشرة للتروستات المالية ـ التجارية ـ النفطية والطاقوية الاميركية.

اي ان هناك اسبابا اخرى، خارج كذبة “مكافحة الارهاب” وخارج نطاق “الاقتصاد الامبريالي الكلاسيكي”، تكمن خلف الاهتمام الاميركي الزائد بافغانستان. ولكنها في الوقت ذاته اسباب مهمة جدا، والا فما هو مبرر هذا الاهتمام الزائد؟

في رأينا المتواضع ان السبب الجوهري يكمن في الطبيعة “الاقتصادية!”، الطفيلية ـ اللاانسانية، للامبريالية الاميركية وشريكتها الصهيونية العالمية. وهنا ليسمح لنا بعض خونة الفكر الاشتراكي العلمي، امثال فؤاد النمري وكريم مروة وفخري كريم، الذين يقولون بأن الرأسمالية ـ الامبريالية تحل ازماتها نفسها بنفسها، وتجدد نفسها بنفسها، ان نقول لهم ولكل انصار النظام الرأسمالي ـ الامبريالي ان الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية تنطبق عليها مقولة “الصعود نحو الهاوية”، وانها تحل ازماتها على حساب تهديد وجود المجتمع البشري بأسره. ولننظر الى ذلك عن قرب:

اولا ـ ان الاقتصاد لم يعد منذ زمن بعيد يقتصر على عمليات وقطاعات الانتاج والتسويق الكلاسيكية “المشروعة”. بل نشأ وتضخم بشكل مروع ما يسمى “اقتصاد الظل”: المخدرات، التزوير، التهريب، القتل المأجور، الدعارة، القمار الخ.

ونعطي هنا الامثلة التالية:

أ ـ جاء في “وكالة انتر بريس سيرفيس” ان المصورة الصحفية البلغارية المقيمة في اميركا ميمي تشاكاروفا، التي تصدر الموقع الالكتروني http://www.priceofsex.org وتفضح فيه تجارة الرقيق في العالم، قضت سبعة اعوام في التحري عن تجارة الجنس، وقد كشفت عبر موقعها ان حركة الاتجار بالنساء قد تكثفت مؤخرا تجاه امارة دبي، حيث تقدر وزارة الخارجية الاميركية عدد النساء اللائي اجبرن على الدعارة فيها بنحو 10000 امرأة. ويتم بيع المرأة لشبكة الدعارة بـ 1000 ـ 1500 يورو. حيث يتم اولا تدمير انسانيتها برميها في غرفة والتناوب على اغتصابها لايام من قبل عشرات الرجال كل 15 دقيقة. ثم يتم تأهيلها للعمل في “النوادي” وعلب الليل، وتتفاوت اسعار “الخدمات” بين 150 يورو للمرأة الاسيوية، وترتفع للمرأة الافريقية والاوروبية الشرقية، وتصل الى 1000 يورو للمرأة الشرق اوسطية. ويمكن اجراء حساب تقريبي بسيط للفارق بين سعر شراء المرأة وكلفتها، والارباح الخيالية التي يتم جنيها من “خدماتها”.

ب ـ يقول لورنسو مرتينس، مدير المنظمة العالمية لمكافحة المخدرات، إن بيزنس المخدرات هو التجارة غير المشروعة الاكثر ريعية في العالم بعد تجارة السلاح، وهو يدر ما لا يقل عن 500 مليار دولار سنويا.

ج ـ اصبحت كتلة “الاموال القذرة” تشكل اكبر “كتلة مميزة” في الاقتصاد الدولي برمته، اي انها اكبر من الكتل المتشكلة من اموال النفط او الغاز او الذهب او تجارة الاسلحة المشروعة، ناهيك عن الصناعات والتجارات الاخرى كصناعة السيارات او الالكترونيات او الفندقية والسياحة الخ. وحسب بعض تقارير الامم المتحدة بالذات، فإن تبييض غالبية الاموال المتحصلة في تجارة المخدرات، والتي تبلغ مئات المليارات سنويا، انما يجري في الولايات المتحدة الاميركية بالذات.

ثانيا ـ وهنا علينا ان نقول ان الاقتصاد الاميركي لم يعد منذ سنوات وسنوات اقتصادا رأسماليا “كلاسيكيا”، اي اقتصادا “انتاجيا” و”تجاريا” عاديا، بل تحول الى “اقتصاد ظل” اي “اقتصاد مشبوه”: اقتصاد جريمة منظمة ودعارة وقمار ومضاربات ومخدرات واموال قذرة الخ.

وايا كانت الادارة الاميركية، جمهورية او دمقراطية، صقور كتشيني وبوش او حمائم كباراك اوباما، فهذه الادارة ينبغي الزاما ان تكون في خدمة “المصالح الوطنية العليا” لاميركا، اي بكلمات اخرى: في خدمة “اقتصاد الظل” الاميركي، اي اقتصاد “الاموال القذرة” الناتجة عن المخدرات والمضاربات والتزوير والدعارة والتهريب والجريمة المنظمة، الذي اصبح يمثل لا العمود الفقري فقط، بل والجمجمة والدماغ للاقتصاد الوطني الاميركي برمته، وبالتالي للحياة السياسية وللستراتيجية الدولية الاميركية برمتها.

وقد تأكدت هذه الحقيقة بشكل صارخ في الازمة المالية التي عصفت بأميركا في السنة الماضية، والتي هي ناتجة بالدرجة الاولى عن التلاعب اللصوصي بالاسواق والبورصات والمدخرات. فماذا فعلت الدولة الاميركية؟ وماذا فعل “الآدمي” باراك اوباما تحديدا، في تلك الازمة؟ ـ بدلا من وضع اليد على المؤسسات المتسببة بالتلاعب، ومحاسبة المسؤولين عنها، قامت الادارة الاميركية بضخ مئات مليارات الدولارات الاضافية الى تلك المؤسسات، على حساب المجتمع الاميركي والمجتمع الدولي بأسره، اي قامت بمكافأة اللصوص على لصوصيتهم، وبذلك اعلنت الدولة الاميركية على الملأ انها شريك عضوي وخادم امين للاقتصاد المشبوه، اللصوصي والجرائمي، وان البيت الابيض قد تحول ـ كذاك الهيكل الذي لعنه المسيح ـ الى مغارة لصوص، بالمعنى الحرفي لا المجازي للكلمة.

اين افغانستان من هذا “التطور الاميركي”؟

ـ حسب تقديرات الانتربول، فإن حوالى 80 بالمائة من الافيون تأتي من هذا البلد، حيث يجري في البدء تحويل الافيون الى مورفين، ومن ثم الى هيرويين. ويجري الحصول على المحفزات، اي المواد الكيماوية الضرورية لعملية التحويل، من فبارك في اوزبكستان وتركمانستان (وهذا ما يفسر بوضوح الاهتمام الذي كانت ولا تزال تبديه المخابرات الاميركية وطالبان والقاعدة بالحركات “الاسلامية!!!” المشبوهة في بلدان آسيا الوسطى، فإن هذه النشاطات “الاسلامية!!!” تستخدم كغطاء لتجارة المخدرات).

وربما يمكن القول ان يوم 11 ايلول 2001 يمثل نقطة تحول رمزية من عهد “الاقتصاد الكلاسيكي” (الاقتصاد الانتاجي ـ التسويقي ـ المالي) الى عهد “الاقتصاد السوريالي” (الاقتصاد الجرائمي) في اميركا (والعالم!!!). فبعد احداث 11 ايلول 2001، وسقوط برجي التجارة العالمية في نيويورك، استعاض الاقتصاد الاميركي عن هذين البرجين بجبال تورا بورا الافغانية. طبعا ليس لاجل تحويلها الى مراكز سياحية. بل لان افغانستان تمتلك خاصية استثنائية تمنحها اياها وعورة اراضيها وعزلتها، وهي انها : المزرعة الاكبر للمخدرات (وعائداتها الاسطورية) في العالم.

ولادراك “الاهمية الستراتيجية” لهذا البلد، على هذا الصعيد، يكفي ايراد بعض المعلومات وهي: يتم سنويا في افغانستان انتاج 250 طنا من الهيرويين. والكيلوغرام الواحد من الهيرويين ماركة “9999” يساوي سعره في اسواق الولايات المتحدة واوربا الغربية لا اقل من 000 100 دولار اميركي. مقابل مثل هذه القيمة للمنتوج النهائي، فإن نفقات زراعة المادة الخام وعملية تحويلها هي نفقات بخسة جدا، ولا تتجاوز 1 بالمائة من هذا المبلغ، اي حوالى 1000 دولار للكلغ.

وقد شهدت السنوات الماضية الاحداث والمجريات التالية:

ـ1ـ مع تنامي حركات التحرير المعادية لاميركا في اميركا اللاتينية، فإن دور كولومبيا وغيرها من بلدان اميركا اللاتينية كمصدر للمخدرات، بدأ يتضاءل.

ـ2ـ تنامى دور الفاتيكان في الحياة السياسية لايطاليا واوروبا والعالم. وقد نتج عن ذلك تزايد الاشتباك بين الفاتيكان والسلطات الايطالية، من جهة، وبين المافيا الصقلية (ومركزها اميركا)، من جهة ثانية، وادى ذلك بدوره الى تقليص دور هذه المافيا كموزع رئيسي للمخدرات في اميركا واوروبا.

ـ3ـ ان المافيا الشيشانية، المرتبطة تمام الارتباط بـ”الاسلاميين!!!” المزيفين في الشيشان وافغانستان، تلقت ضربات قوية من الدولة الروسية، مما ادى الى تقليص دور المافيا الشيشانية في توزيع المخدرات في روسيا واوروبا الشرقية.

ولكن في المقابل فإن الستراتيجية الاميركية، مثلما نجحت في فرض سيطرتها المباشرة (بدون الرئيس صدام حسين) على العراق (لاجل النفط)، فإنها نجحت في فرض سيطرتها المباشرة ايضا (بدون شراكة طالبان والقاعدة) على افغانستان. كما نجحت في فصل كوسوفو تماما عن صربيا، برغم كل قرارات الامم المتحدة، وتحويلها الى “جمهورية مستقلة” تحكمها المافيا الالبانية الكوسوفية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمخابرات الاميركية.

والمطلعون على الاوضاع الافغانية يعلمون ان الطائرات العسكرية الاميركية التي تنقل الجنود والاسلحة والذخائر والمؤن الى افغانستان، لا تعود فارغة، بل تعود ايضا محملة بشحنات “سرية” لا يحق حتى للرئيس الافغاني “المنتخب!!!” حامد قرضاي معرفة محتواها. وهذه الشحنات هي بالدرجة الاولى شحنات المخدرات التي تنقلها الطائرات العسكرية الاميركية من افغانستان الى كل انحاء العالم.

واذا جمعنا اجزاء هذه اللوحة يظهر امامنا بوضوح ما يلي:

أ ـ ان مركز ادارة “الاقتصاد المشبوه” الاميركي، وخاصة زراعة وصناعة وتجارة المخدرات، قد تداخل واندمج في الادارة الاميركية ذاتها. وان الاجهزة السياسية والامنية والعسكرية للدولة الاميركية (من المكتب البيضاوي في البيت الابيض حتى اخر مرحاض في اخر قاعدة عسكرية اميركية) قد تحولت الى ادوات في خدمة “الاقتصاد المشبوه” الذي اصبح يتجسد به “الامن القومي الاميركي” و”المصالح الوطنية العليا الاميركية”. وهذا يعني ان المخابرات والطائرات الحربية والبعثات الدبلوماسية وغيرها، الاميركية، هي ادوات لتحقيق الاقتصاد المشبوه وبالاخص تجارة المخدرات.

ب ـ ان افغانستان البعيدة والمعزولة تتقدم لتحل محل اميركا اللاتينية كمزرعة للافيون والمخدرات عامة، تحت السيطرة التامة لاميركا، وهي مرشحة لان تتحول الى “ولاية الافيون والحشيش” الـ 53 التابعة للولايات المتحدة الاميركية.

ج ـ ان كوسوفو مرشحة كي تصبح “دولة المافيا الالبانية” المستقلة؛ وان تتحول الى مركز للنشاط المافياوي العالمي. والمافيا الالبانية مرشحة للحلول محل المافيا الايطالية (الصقلية) والمافيا الشيشانية، على النطاق الاوروبي والعالمي، بالتعاون الوثيق مع القوات المسلحة والمخابرات والبعثات الدبلوماسية الاميركية في كل انحاء العالم.

من هنا يتأتى الاستنتاج العام: ان الاهمية “المخدراتية” لافغانستان هي كافية كي تكون في رأس اولويات الستراتيجية الدولية لاميركا، نظرا للاهمية الاستثنائية للمخدرات، التي تعتبرها الادارة الاميركية:

أ ـ القطاع الريعي الرئيسي في “الاقتصاد” الاميركي.

ب ـ السلاح العصري الامثل للسيطرة على العالم. فكما شن الانكليز في الماضي “حرب الافيون” للسيطرة على الصين، ففي “صراع الحضارات” الذي نادى به هنتنغتون، ليس لاميركا ما تحارب به العالم “حضاريا” سوى اسلحة الانحلال الاخلاقي وعلى رأسها سلاح المخدرات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب لبناني مستقل