السعودية: كيف ينتصر الاستبداد

د. مضاوي الرشيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1961)

من أهم شروط انتصار الاستبداد في السعودية هو تحول التيارات السياسية والفكرية الراغبة في التغيير من معركتها مع الدولة إلى معركة مع المجتمع حيث يعتبر هؤلاء أن الدولة تحميهم من سيطرة تيارات معادية لمشروعهم ورؤيتهم السياسية.

وهذا بالفعل ما حصل للموجة المطالبة بالإصلاح السياسي التي عمت البلاد مؤخراً إذ انحرفت هذه التيارات عن عملية الضغط على الدولة إلى معارك جانبية تخوضها مع المجتمع وبذلك فقد المطالبون بالإصلاح السياسي الرؤية والقدرة على التأثير في مسيرة التغيير بل أنهم انخرطوا في صراع غير منته مع أطياف سياسية اجتماعية أخرى التي تحولت إلى عدو أول. وراحوا يستجدون الدولة من اجل الحد من سطوة ما يعتبرونه عائقاً في طريق وصول رسالتهم إلى المجتمع. وهذا بالفعل ما يحصل اليوم على الساحة السعودية ويتجلى هذا بالاعتقاد السائد في ذهنية الناشطين والكتاب والمفكرين من مختلف الأطياف السياسية التي ظهرت على الساحة السعودية. لقد أجل هؤلاء التصادم مع الدولة بسبب القمع الذي تعرضوا له وعملية الإقصاء والحجر على الحريات بعد موجة من الحراك الذي ظهر خلال العقد الماضي. ومن مصلحة النظام الاستبدادي أن تنخرط التيارات السياسية في معركة طويلة الأمد وغير معروفة النتائج مع بعضها البعض حول هوية المجتمع وليس هوية الدولة فالصراع على المجتمع ومع المجتمع يزيح الضغط السياسي عن الدولة ويعفيها من مسؤوليتها تجاه الإصلاح السياسي في حالة التشرذم والتقوقع خلف شعارات الحفظ على السلام الداخلي واستبعاد الفتنة واستفزاز المجتمع المنقسم على ذاته. فيؤجل الحكم الاستبدادي التعاطي مع دعوات التغيير بينما المجتمع ينخرط في معارك جانبية تنهكه وتنخر قواه وتبعده عن المعركة السياسية الحقيقية مع النظام ولنا في ذلك أمثلة كثيرة ومتعددة. خذ مثلاً تطور التيار الصحوي الإسلامي الذي انحرف عن المطالبة بالإصلاح السياسي إلى الدخول في معركة مع المجتمع و خاصة تياراته التي لم تنخرط في مشروعه ورؤيته. ورغم أن هذا التيار احتوى أطيافاً متعددة وأصواتا كثيرة إلا انه اليوم يتصدى للمجتمع وليس للنظام. هذا التحول جاء نتيجة عوامل متعددة أهمها الصدام مع السلطة في التسعينات ومن ثم موجة العنف وكلاهما هيآ الأرضية المناسبة من منظور الدولة لتقليص نشاطه ومن ثم تحوله كلياً إلى منظومة الحفاظ على هوية المجتمع وأخلاقياته وسلوكه الاجتماعي. فمعركة التيار الصحوي اليوم محصورة في أطر أصبحت معروفة وواضحة. حيث تحول الشأن العام إلى سلسلة من المطالب منها مثلاً الحد من تفشي ما يسمونه بالفساد الاجتماعي الذي بنظرهم قد ازداد وتوسع نتيجة عملية تغريب مدروسة يتولى شأنها الآخر في المجتمع السعودي المناهض لمشروعهم. فلا تتجاوز انتقاداتهم سوى الإشارة إلى فضائيات مفسدة أو انحلال أخلاقي كما يدعون تشهده الساحة فيستجدون الدولة حماية المجتمع وأخلاقه من تأثير هؤلاء الذين يفسدونه. لقد تناسى هؤلاء أهمية الإطار المؤسساتي والدعم المالي والتمكين الذي تحظى به مراكز وبؤر الفساد حسب تعريفهم.

فالعدو في معركتهم هو الآخر المجتمعي وليس مصدر التغييرات الاجتماعية والإعلامية التي شهدتها الساحة السعودية مؤخراً، بل هو يعتقد أن الدولة قادرة على حماية فضيلة المجتمع من آخرين يجرونه إلى الرذيلة. ولم ينطق هؤلاء مؤخراً بكلمة احتجاج واحدة ضد مسيرة الدولة العامة وسياستها الاقتصادية أو المجتمعية ولا يتعرضون ولو بالتنويه للمشاكل الاقتصادية وحالة البطالة المستشرية أو انتهاكات حقوق الإنسان أو السياسة الخارجية أو مسألة الحكم وهويته. وتحولت معركة هؤلاء إلى معركة مع المجتمع وليس الحكم. فهم يقبلون باحتكار السلطة وسرية القرار وتفشي الفساد في أعلى الهرم السياسي ويعترضون فقط على ما يسمونه فساد المجتمع وخاصة دعاة التغريب حسب مصطلحاتهم وتصنيفاتهم للمجتمع السعودي. يجد هؤلاء الجرأة لأن يقتحموا قاعات السينما والمنتديات الأدبية والثقافية فيعطلون العروض ويعتبرون ذلك نصراً عظيماً ومكسباً يفوق كل المكاسب إذ أنهم انتصروا على الشريحة الأخرى في المجتمع وليس النظام. وفي المقابل ينتظر الآخرون فرصة ذهبية ينتصرون فيها في المستقبل على خصمهم فان صدرت قرارات التعيين التي تطال رموز التيار الإسلامي وتبديلهم بشخصيات أخرى كرؤساء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو القضاء أو التربية يستبشر هؤلاء ويقرأون ملامح النصر فيرفعون رايات التغيير القادم الذي سيطيح بهامات التشدد والرقابة والحجر على الحريات. ولكنهم يفاجأون بعد فترة إن التغيير الحقيقي لا يحصل نتيجة لعبة شطرنج على أرضية الحكم فيها لا يأبه بالتغيير بل همه الأول والأخير أبعاد أصوات التغيير التي تطاله وتناقش دوره هو. وكلما انخرط المجتمع بأطيافه المتناحرة والمتصارعة في المعارك الجانبية كلما استتب الأمر للاستبداد الذي يبعد نفسه عن المعركة بل يصور نفسه حامياً لفئة ضد الأخرى. وينطبق هذا المبدأ على حراك الأقليات في السعودية حيث هي أيضاً تحولت من معركة اكتساب الحقوق من الدولة إلى معارك جانبية مع المجتمع ذاته بل هي قد تكون مقتنعة إن النظام واستبداده أفضل من استبداد المجتمع وخاصة الفئات التي تدينه بسبب عقائده وطقوسه. عندما يصل الجميع إلى هذه القناعة يكون الاستبداد قد انتصر فعلاً وحقق هدفه الأول وهو ديمومة مفهوم المركز كحام للأطراف المختلفة والمتناحرة وليس كمصدر لانتهاك الحقوق وتهميش المجتمع وأبعاده عن صناعة القرار. انخراط الجميع في حرب مع المجتمع هو هدف السلطة الاستبدادية والتي قد تسمح ببعض الحريات وخاصة تلك التي تجعل هذه المعارك الجانبية تخرج إلى العلن تماماً كما يحصل حالياً حيث إن الدولة لا تتدخل في سير المعركة العلنية، بل تصب هذه المعركة في مصلحتها لأنها عملية الهاء للشرائح الفكرية عن الشأن السياسي العام الذي يطالها ويطال سياساتها العامة. فالبيت المنقسم على ذاته المتصارع داخل جدرانه أفضل بكثير من جبهة صلبة متماسكة ومتفقة على الخطوط السياسية العريضة. وقد يستنجد البعض بالدولة لحمايتها من شر الجهة المقابلة ويتمسك بها أكثر رغم استبدادها وتطاولها على البيت ذاته. ورغم قدرتها هي على تأجيج الصراعات الداخلية بسبب قدرتها التي تفوق قدرة المجتمع المحدودة.

لقد تحول المجتمع السعودي إلى مجتمع ضعيف أنهكته الصراعات الداخلية والمعارك الصغيرة مع بعضه البعض لدرجة انه فقد قدرته على تصور مستقبله بعيداً عن استقطاب السلطة وهيمنتها. وبذلك يكون قد استقال من مسؤوليته تجاه الأجيال القادمة وسلم أمره للاستبداد الذي يأتي من فوق ويستغل حالة التشرذم التي تتفشى في طياته ويبقى يترقب من المركز أن يحميه من الآخر المعادي المتربص به. ويبقى هاجس الخوف من الآخر في المجتمع هاجسا يتأصل في النفوس لدرجة استبعاد أي مشروع جماعي يقوي الجبهة الداخلية على حساب السلطة الاستبدادية. ويصبح هذا الهاجس حالة نفسية مرضية فرضتها السلطة ذاتها لاستبعاد أي مشروع يجمع بين أطياف مختلفة ومتباينة في توجهاتها إلا تلك المشاريع التي تأتي من فوق وتتطور في ظل السلطة ذاتها وتحت رايتها. عندها فقط يصبح حوار المختلفين مكرمة ملكية ولكن أن خرج هذا الحوار عن إطاره الذي تسمح به السلطة فهو يحارب ويفكك بسرعة بهلوانية لقطع الطريق على تطوره وتبلوره بشكل مستقل. لا تريد سلطة الاستبداد أن يتحول المجتمع بتياراته المختلفة إلى جبهة موحدة صعبة التفكيك وطالما ظل هذا المجتمع منشغلاً بحروبه ومعاركه الصغيرة لطالما ظلت السلطة بعيدة عن الضغط الذي يضطرها أن تتجاوب معه ومع مطالبه.

بل قد أوصل نظام الاستبداد المجتمع إلى قناعة ثابتة إنها هي وحدها التي تحميه من الآخر المختلف فتكسب بذلك ولاءه المطلق لأنها تعلم علم اليقين أنها حولته إلى شرائح تتصارع لتكسب ثقته وليس ثقة المجتمع. وبذلك يكون الاستبداد قد انتصر على مجتمع أنهكته المعارك الجانبية.