المصارحة والمصالحة الوطنية في صفوف المقاومة العراقية أولا

لم نصل بعد الى عبور الفراتين

والقنطرة بعيدة

ا.د. عبد الكاظم العبودي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1961)

احتفل العراقيون كل على طريقته الخاصة وأسلوبه بمجرد اطلاق خبر ما سمي بالانسحاب الامريكي من المدن، او باعادة توزيع وانتشار قوات الاحتلال من المدن الى ما يجاورها من قواعد ومعسكرات. وكثر التنظير لمبررات مثل هذا الاحتفال عند هذا المعسكر أو ذاك. ويقيني إن أكثر القوى إستحقاقا في الاحتفال هي قوى المقاومة العراقية اباسلة التي بفضل تضحياتها الكبيرة وبدماء شهدائها الابرار وعذابات أسراها وعوائلها لما تمت زعزعة أقدام المحتل من البقاء والتجوال في شوارع مدننا المحتلة.

وفي يقيني أيضا أن محطة معقدة من تاريخنا المعاصرعلينا أن نتوقف عندها بصبر وتضحية، وأن نحسن قراءة تاريخ المقاومات والثورات الظافرة لنتعلم بتواضع منها الدروس المستقاة، مهما كانت خبراتنا وتجاربنا وقدراتنا.

عندما يتشائم الرئيس الامريكي أوباما، ويعلن عن تشائمه الصريح في الثلاثين من حزيران2009 ويقولها على الملأ: أن أياما عجافا وصعبة تنتظر العراقيين، وبإرسال نائبه بايدن على جناح السرعة الى بغداد، فإنه يعني ما يقول وما يريد فعله ويفكر به. وفي ذات الوقت عندما يعلن الامريكيون: ان على المالكي وأتباعه أن يتخذوا قرارات صعبة أو قاسية فأن الوعد الامريكي بالقساوة على حكام المنطقة الخضراء صار منتظرا، وانه ليس من باب الرجاء والتوسل لمن وقعوا شكليا على ورق الاتفاقية الامنية الموقعة بين السيد والعبيد الطائعين في رواق سفارة الاحتلال أن ينظر الى الخطاب انه مناسباتي ؛ بل أنه أمرا أمريكيا وقع ووضع قيد التنفيذ المباشر لخدام الاحتلال. وهو أمر عسكري قبل ان يكون سياسي موجه الى حلفاء أمريكا في العراق ممن وضعوا مصائر شعبهم بيد أكثر من طرف وبات لعبهم على الوقت لم يعد يحتمل المناورة لان ذلك يتعارض مع المصلحة الامريكية ذاتها.

ان من اعتبروا يوم التاسع من نيسان2003 عيدا للتحرير، هم انفسهم اعتبروا يوم الثلاثين من حزيران 2009 يوما للتحرير أيضا. فعن أي تحرير به يحتفلون؟؟

الخطاب الامريكي لا يمكن تصفية كلماته ونثرها في مربعات الكلمات المتقاطعة لتسلية بعض السياسيين العراقيين، بما تبقى من الوقت الضائع أو المستقطع من لعبة الاحتلال ومغامرته البائسة في العراق. وليس الخطاب الامريكي من بنات أفكار اللعب بالكلمات، ومن أجل تمرير خطاب ظرفي أو موجه للإستهلاك الاعلامي سواء المحلي أو العالمي. أمريكا كانت دولة عظمى، شكلت القطب الأوحد لفترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، لكنها بمغامرة غزو العراق غير المحسوبة جيدا دمرت وحدانية قطبيتها، بما جرتها عليها أخطاء إدارة بوش، أين خسرت الكثير من نفوذها ومصداقيتها خلال ورطتها في غزو العراق، وعليها ان تتصرف بقيادتها الانقاذية الظرفية بزعامة أوباما لايجاد حل قبل هزيمة جيوشها في العراق وافغانستان بشكل قاسي ودرامي يذكر بنهايات وهزائم الغزاة الامبرياليين في ديان بيان فو والجزائر للفرنسيين وفي سايغون وهانوي للامريكيين وغيرهم من الغزاة.

ان الكلمة المفقودة التي على السياسيين العراقيين ان يكتشفوها في مربع التسلية بالوقت أو أخذ القرار بالعمل الحاسم المطلوب، يعرفها القاصي والداني. وتتجمع في حروف هي: (أ، ل، م، ص، ا، ل، ح، ة). وجمعها المُعرب والمُعرف بأل هي ” المصالحة”. وعندما تضاف لها الكلمة الواصفة بـ “الوطنية”، سنصبح أمام القرار الأصعب الذي ينتظره شعبنا اليوم… اليوم…. وليس غدا.

و” المصالحة الوطنية” سيحاول أن يعرفها البعض من هواة التبسيط السياسي وربما بشكل وأسلوب مدرسي: وهي إصلاح ذات البين في بيت العراق الوطني؛ وكأن ذات البين تلك مجرد قضية خلاف عائلي طارئة، ناجمة عن نميمة أو خلاف عابر بين حماة وكنتها، وتنتهي ببوس اللحي، والربت على الاكتاف وأكل عشاء مشترك.

ولكن كيف السبيل الى المصالحة الوطنية بعيدا عن المكابرات الزائفة والتبجح بامتلاك القوة او القرار على الارض ؟؟

سنجد في كل ذلك الكثير من التأمل الأصعب.

قبل تلك المصالحة الوطنية المرتقبة، والتي ستجري على جبهات ومستويات عدة، تجب أيضا المصارحة الوطنية التي لا زال الكثير من القوى الوطنية العراقية يبتعد عن الخوض فيها والغوص في بعض تفاصيلها. لم نسمع بعد أن فصيلا أو حزبا سياسيا عراقيا تقدم بشجاعة وقرر ممارسة التقويم لمساره السياسي، أو قدم نقدا ذاتيا موضوعيا عن دوره وإسهاماته في بناء أو إعاقة بنية المجتمع العراقي وماهي تجربته في توسيع التحالفات والتعاون بين أطراف الحركة الوطنية العراقية في السلطة او خارجها. ولم يتحمل أحد بعد مسؤوليته السياسية والاخلاقية عن حالات التمزق والنفور والابتعاد والانشقاقات بين أطراف العمل السياسي العراقي. ومن الذي وضع الناس على مفترق طرق كثيرة، تكرست وتعمقت خلالها الخلافات والنزاعات وحتى التصفيات الدموية وممارسة العنف عبر نصف قرن من النزاعات الوطنية التي عاشها العراق ممزقا ومتصارعا داخليا.

حان الوقت لكي يعترف كثيرون وبشجاعة المناضلين؛ والإقرار بأن ما وصل به حال العراق، لم يكن وليدة الاحتلال والغزو الامريكي فقط؛ فهناك الكثير من المقدمات القاسية التي أوصلت حالة البلد ليكون محتلا والعالم يدخل الفيته الثالثة، ويتم غزوه وإستباحة دماء أبنائه وثرواته والغاء ستقلاله الوطني ما لم يتم كل ذلك بتواطؤ وتعاون أطراف عراقية ومحسوبة على قوى العراق السياسية.

وحتى نصل الى تلك اللحظة الشجاعة نحتاج الى تحمل مسؤولية ولا نسمع من يطلب تأجيل النبش في الماضي أو نكأ الجراح؛ طالما نحن نعيش فترة مقاومة شرسة ضد الاحتلال. وهذا في بعض جوانبه صحيحا ولكن الخطأ الاكبر إن هناك من يبقى يكابر ؛ بل يفتخر بأخطائه الكارثية. وكي لا نستعجل النتائج نُذكر ان هناك وضع عسكري جديد وهو محاولة اعادة الانتشار لقوات الغزاة، والمستعمر الامريكي لم يعلن وقف اطلاق النار مع احد، كما انه لا زال انه جاء ليبقى، كما لم يعترف بعد بوجود المقاومة التي أسقطت مخططاته، ولم يذكرها تصريحا او تعريفا. وعلى هذه المقاومة واجب المبادرة في ممارسة الصراحة والمصالحة فيما بينها وقبل غيرها.

كما ان هناك جملة من الحقائق تسبق المصارحة والمصالحة الوطنية الشاملة لابد من الوقوف عندها:

أولا: إن من وضعوا ثقتهم الكاملة بالامريكيين، وإعتقدوا ان الامريكيين سوف يضحون بدماء جنودهم وسمعة الولايات المتحدة من أجل بقاء حفنة من أعوان العملية السياسية في العراق، ومن خلالهم سيبقى العراق رهينة لأتباع إيران وبعض قيادات الاكراد وتمكينهم من رقاب العراقيين هم مخطئون وواهمون الى حد القول انهم غارقون في السذاجة المقرفة، وعليهم بالصحوة الوطنية الحقيقية قبل فوات الاوان.

ثانيا: وفي مفترقات المسارات الدولية الحادة، وتغيرات موازين النظام الدولي الجديد تتغير التحالفات، وكذلك العداوات والصداقات. وأمريكا تعرف وتعلمت جيدا، من دروس هزائمها، وتدرك أين تكمن مصالحها المستقبلية، وإنها لا توفر الملاذ الآمن لعملائها دوما؛ خصوصا أؤلئك الذين ساهموا في توريطها باحتلال العراق، وتكشفت أيامهم ولياليهم بجلاء، فهم من غير دعم شعبي لهم بالعراق، ولم يدخلوا العراق إلا بوجود جيش الولايات المتحدة، وإنهم خلال ستة سنوات ونيف لم يوفروا بعد لأنفسهم وحتى لعوائلهم وعشائرهم وامتيازاتهم وسلطاتهم الأمن والاستقرار، وعجزوا عن تحويل العراق كبلد لهم وهو الملاذ الآمن والأخير بعد هجرة أو تغرب. إن الفساد الاداري والمالي والسياسي وحجم النهب والتخريب والسرقات أظهرهم كلصوص وغرباء طارئين، ولا تربطهم بهذا الوطن صلة الوطنية الحقة التي تنادوا بها يوما.

ثالثا: وهي الحقيقة الأنصع والمرة أمام هؤلاء؛ فعليهم بدء التحضير للهجرة الى الشمال الارضي، وتخفيف الخسائر المترتبة عن بقائهم وتشبثهم بدواليب الحكم وبالمحتل؛ فهم الأقل حظوظا في النجاح في أي عملية سياسية ديمقراطية نزيهة وهم الأبعد عن تحقيق وإنجاز قضايا وطنية مصيرية، مثل المصارحة والمصالحة الوطنية. وطالما انهم خونوا المقاومة وإجتثوا الخصوم السياسيين فلن يكونوا في نهاية المطاف ديمقراطيين أو معارضين سياسيين. وعلى مبدأ تحمل أخف الأضرار التي عبر عنها اوباما في خطابه وأسماه بإتخاذ القرارات الصعبة وأرسل نائبه بايدن اليوم الى العراق، تتطلب من الذين أوصلوا الحالة الى الطريق المسدود الاعتراف بفداحة الاخطاء والممارسات والجرائم والمغازي والسرقات والنهب والعنف قبل المصارحة أمام الاخر. ومن دون ذلك سيكون من المحال قبول الجلوس معهم والحديث معهم على مائدة مستديرة او مربعة او مستطيلة او مثلثة ومصالحتهم. وسيعيد العراقيون بوعي وخبرة خطاب المسائلة المحتوم : من يصالح من؟ ولماذا المصالحة؟ والى أين؟.

رابعا: في معسكر المقاومة بكل فصائلها وأطرافها يبقى القرار الأصعب ينتظر الحسم بشجاعة المقاومة ذاتها، قبل مرور الوقت. وما سيكشفه المستقبل للعراقيين من تآمر معلن ومستتر يقوم به سارقو ووخاطفو الثورات في خلال أشواطها الحاسمة. ولابد ان يلجأ اليه الامريكيون باستمالة البعض أو دعم البعض على حساب تفريق الصفوف وجعل الكل في حالة ضعف أمام إمكانيات الدولة العظمى بعساكرها ودبلوماسيتها ونفوذها الاقليمي وقدرات مخابراتها على الاختراق وتجنيد العملاء الجدد؛ لذا يتوجب عدم التسرع بقبول الوعود الامريكية، والمفاوضات من تحت الطاولات وكثرة الوسطاء والركون الى الإسترخاء أمام وهم الانتصار الذي تحقق جزء منه ومن منطلق بدء العد العكسي للانسحاب الامريكي. ولأن فراغ الانسحاب المحتمل لم تملئه بعد قوى المقاومة على الارض وسينافسها العملاء وقوى قد تفاجئنا على قبول الصفقات في المراحل الصعبة. وهنا سيندفع البعض، وهم واهمين بتقديم العطاءات كمترشحي حكم وسلطة قادمة لا كثوار وضعوا قضية التحرير فوق كل اعتبارات نفعية أخرى.. هناك من يظن أنه قادر على ملئ الفراغ وحده ظنا منه بالاستفراد في تمثيل المقاومة أو سحق من يقف أمامه معترضا، وبمنح الوعود لطرف تمثيلي على حساب آخر او آخرين يشتركون في الجهد الوطني للتحرير.

من هنا لابد من التحضير الدقيق للمرحلة التالية بوحدة صف حقيقية لا تقبل المناورة بالوقت والجهد والمكان، ولا يغر البعض ألاعيب الاعلام وواجهاته المضللة. وعلى الجميع تجاوز الانقسام او الادعاء بالتفرد بقيادة وتسيير العمل المقاوم، كما يدعي البعض هذه الايام من أصحاب التصريحات ونجوم الندوات الحوارية الساخنة في بعض الاستديوهات التلفزية المشبوهة. ويبدو أن تصريحا بخمس دقائق على فضائية عند البعض بدأ يدغدغ فيه السطوة وتملك السلطة فنراه وهو ينفخ أوداجه ويتحدث كأنه القائد الآمر والوحيد في المقاومة.

ان الطليعة القادمة لشعبنا هي تلك القوى التي تسهم بتضحية لأجل انجاز الجبهة الوطنية العريضة. والتي تعرف تماما كم هم عدد الافراد والجماعات والفصائل والقوى التي تكون مستعدة للوقوف خلفها وسماع قرارها في الحرب وعند التفاوض من دون التعويل على قرب وقف اطلاق النار دون تحقق الجلاء التام وإقرار العدو قبول مطالب شعبنا في المحاسبة والتعويض والاعتذار عن كل هذا الدمار الشامل.

من هنا على فصائل معسكر المقاومة ان تعي درس التاريخ وتبدأ المراجعة الجادة والمصارحة الحقيقية والمصالحة مع الذات العراقية ومع الاقرب من المقاومين معها صدقا وعهدا للسير بالكفاح حتى النصر. وبذلك سيوفر المقاومون الثوريون الحقيقيون على شعبنا الكثير من الآلام والدماء والعذابات التي سيحركها الغازي المحتل لتوفير وحماية دماء جنوده. ان من يعول على هذه القوات دعمه ومساندته وتقديمه البديل عن غيره كونه يقدم نفسه كفوءا وقادرا على ضبط العراق سيقع في ذات الوهم القاتل الذي سقط به العملاء عندما ظنوا ان إسناد قوات الولايات المتحدة أو دعم ايران او تضخم أعداد مليشياتهم كان كافيا لهم لضمان البقاء في حكم العراق. وما نراه اليوم يؤكد صحة ما أشرنا اليه. وان غدا لناظره قريب.